بعد إفشاله الاستحقاق الانتخابي الذي كان مبرمجًا في 24 ديسمبر/كانون الأول المنقضي، عاد مجددًا رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح المقرب من اللواء المتمرد خليفة حفتر، إلى محاولة إشغال الشارع الليبي بمخطط جديد للإجهاز على العرس الانتخابي.

عقيلة صالح بعدما فصل القوانين الانتخابية ومررها في "برلمانه"، يسعى حاليًّا إلى استمالة رئيس الغرفة الاستشارية خالد المشري، بهدف إزاحة رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة عن الساحة السياسية وفسح المجال لحكومة جديدة مع غموض موعد الانتخابات المقبلة، وهو منعرج سيخلق أزمةً أخرى بدأت معالمها، لكن من غير المرجح تطورها إلى مستوى حرب كبرى، بحكم الوضع الإقليمي والدولي.

القفز على الانتخابات

من أزمة الانتخابات إلى أزمة جديدة يصنعها رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، لإلهاء الشارع وإشغاله عن أي ترتيبات لفرز مشهد جديد، بعد سبع سنوات تآكلت فيها شرعية جميع المؤسسات السياسية وحتى الاقتصادية والتجارية، وتشظت أخرى مهمة بين غرب وشرق وجنوب، فالبرلمان المنتخب منذ 2014 فقد صلاحياته، لولا الاتفاقات السياسية من الصخيرات إلى جنيف، التي نفخت في روحه، ويسعى حاليًّا عقيلة ومن خلفه خليفة حفتر إلى إطالة عمره وتأبيد السلطة بين يدي الوجوه القديمة وأجسامه ولو بالتوافق مع عدو الأمس المجلس الأعلى للدولة في طرابلس.

أفشل عقيلة الانتخابات المبرمجة لمنع فرز مشهد سياسي جديد، بالعودة إلى الشعب، بعدما صاغ قوانين انتخابية مفصلة على مقاس حفتر، فكانا من أوائل المترشحين للانتخابات الرئاسية، لولا أن أفسد عليهما سيف الإسلام القذافي وعبد الحميد الدبيبة اللعبة، رغم كل جهود إقصائهما دستوريًا وقضائيًا.

عمومًا بات الآن كل ذلك في حكم الماضي، خاصة بعد استقالة الوسيط الأممي الألماني يان كوبيتش قبل الموعد الانتخابي بأيام، ما عزز الشعور باليأس من انتخابات في موعدها أو حتى في موعد قريب من موعدها.

القفز على الدستور

لم يعمل عقيلة صالح منذ البداية، بمبدأ التوافق مع المجلس الأعلى للدولة، الذي ينص عليه الاتفاق السياسي المضمن بالإعلان الدستوري، في خرق منه للمادة 23 من اتفاق الصخيرات، ولم يبرح حتى أسقط الانتخابات التي انتظرها كثيرون في الداخل والخارج.

ثم مضى عقيلة إلى ما يشبه "الخطة ب"، وهي إعلان خريطة طريق جديدة في 23 ديسمبر/كانون الأول الماضي، بتشكيل لجنة برلمانية من عشرة أعضاء، لوضع خريطة طريق لما بعد 24 ديسمبر/كانون الأول، في خطوة مماثلة للجنة التي شكلها في يوليو/تموز الماضي التي فصلت القوانين الانتخابية على مقاس حفتر.

لم تتوقف خطى رئيس البرلمان في طبرق في تفصيل القوانين، فدعا مجددًا يوم 17 يناير/كانون الثاني الحاليّ، إلى تشكيل لجنة برلمانية من 30 شخصًا بهدف صياغة دستور توافقي، كما وصفه، ليقضي بذلك على دستور لجنة الستين الحاضر، الذي رفض عرضه على الاستفتاء أو تعديل بعض النقاط الخلافية على الأقل خاصة فيما يتعلق بالأقليات التي تثير حفيظة البعض.

نقطة أخرى قد تزيد من تأجيج الخلافات، وهو ما كان محل تحذير من الهيئة التأسيسية المشَكلة منذ 2014، التي أنهت مسودة دستور 2017، لذلك ردت على مبادرة عقيلة، واعتبرتها انقلابًا عليها كهيئة دستورية منتخبة، أنهت مهمتها منذ 2017، وتنتظر التصويت على ثمرة سنوات من العمل.

خيار لا يبدو واقعيًا جملةً وتفصيلًا، من حيث التوقيت اللازم لإتمام مسودة الدستور، بالنظر إلى استغراق لجنة الستين سنوات، بينما يطلب عقيلة من لجنته إتمام دستورها في شهر واحد، بزعم إجراء انتخابات قريبة، ناهيك بمدى قبول الحساسيات السياسية والاجتماعية بها.

القفز على الحكومة الوطنية

سعى عقيلة صالح بكل قواه إلى استمالة المجلس الأعلى للدولة لكسب وده، وكسب ورقة التوافق، وبالتالي الإطاحة بحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة واعتبرها "منتهية الولاية"، وهي التي في عهدتها دون غيرها، إجراء انتخابات عامة وتسليم السلطة لرئيس وبرلمان منتخبين، بعد انتهاء صلاحية كل الأجسام القديمة، وفق اتفاق جنيف.

ولتكريس ديمومة البقاء في السلطة وتأبيد نفس الوجوه القديمة فيها، طار عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، إلى العاصمة المغربية الرباط، التي عادة ما تحتضن المشاورات البرلمانية الليبية لإنهاء الانقسام التشريعي، وتظاهر بمواصلة نفس المشاورات ولو بشكل سري، لكون عقيلة لا يزال خارج منصبه بحكم ترشحه للاستحقاق الرئاسي، وكان اللقاء كسرًا للجليد وعودةً للمياه إلى مجاريها بخصوص المفاوضات مع عدو الأمس القريب خالد المشري، بشأن الحكومة المقبلة.

تلك الحكومة يعتزم عقيلة تشكيلها على أنقاض حكومة الدبيبة، في خطوة أشبه بما قام به في 2014، عند الانقلاب على المؤتمر الوطنى المنتخب، واعتبر الإعلان الدستوري في حكم المجمد، وحل حكومة علي زيدان كذلك، وفي سبتمبر/أيلول 2020، فعل نفس الشيء ضد الحكومة الموازية، بإقالة عبد الله الثني، بعد موجة احتجاجات على تردي المعيشة، ليتكرر نفس السيناريو تقريبًا يوم 17 يناير/كانون الثاني الحاليّ، بتشكيل لجنة دستورية جديدة وانقلاب على دستور هيئة الستين.

سيناريوهات مستقبلية

لم يكن خبر تأجيل الانتخابات الليبية مفاجئًا للمتابعين للوضع الليبي، وهذا باعتراف السلطة المشرفة على الانتخابات، بعد تعديد رئيس المفوضية عماد السايح للإشكاليات، أولها دعوته إلى "إعادة النظر في القوانين الانتخابية"، لضمان عدم تكرار سيناريو 24 ديسمبر/كانون الأول الماضي، وإلغاء العرس الانتخابي الرئاسي والتشريعي، وفي ذلك إقرار بطريقة أو بأخرى، بتدخل معسكر حفتر في القوانين الانتخابية وتطويعها إلى طرف معين.

هذا فضلًا عن قصر فترة حكومة الوحدة الوطنية، بحيث تعد فترة عشرة أشهر قصيرة وغير كافية، عقب حرب مدمرة، لم تجبر الخواطر ولم تهدئ النفوس، لذلك كانت تداعيات الحرب عاملًا قويًا، وانعكست على الحملات الانتخابية، وترشح بعض الوجوه الفاعلة خاصة حملة نجل القذافي، سيف الإسلام، ورئيس الحكومة الدبيبة، ثم عدم رضا حفتر بترشحهما لما يمثلانه من تهديد منافس له، لذلك تدخلت جهات سياسية وفصائل مسلحة وهددت بوقف العملية ومحاصرة مراكز الانتخابات، ومن ثمة تعطل الإعلان عن القائمة النهائية للمترشحين.

وأمام هذا الوضع يبدو مسار تنظيم انتخابات آمنة تحظى بمصداقية، لا يزال بعيدًا، وقد يحتاج سنة أو أكثر، لتمهيد الأجواء الداخلية، وهذا يبقى رهين مدى التوافق بين أنصار تشكيل حكومة جديدة، وأنصار الإبقاء على حكومة الدبيبة، أو التفاهم على حل وسط بإعادة تشكيلها.

سيناريو آخر قد يؤزم الوضع على الميدان، خاصة في القسم الغربي بين مصراتة وطرابلس، حيث يرغب وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا في رئاسة حكومة جديدة بضوء أخضر من عقيلة صالح، لكن رفض تسليم الدبيبة كان واضحًا، ومتمسكًا بعدم التسليم إلا لحكومة منتخبة، وفق تفاهمات جنيف.

لكن عمومًا ومهما يكن من أمر، فربما تتم بعض الترضيات من خلال تغيير بعض الوزراء في حكومة الدبيبة مع بقائه هو على رأسها، أما خيار الحرب الشاملة فبات مستحيلًا، بحكم المشهد الدولي والتقارب المصري التركي والخليجي، بل الليبي نفسه بعد زيارة نواب موالين لحفتر إلى تركيا، لا بل تكريم عقيلة صالح للسفير التركي مؤخرًا، في عقر داره بمدينة القبة، فضلًا عن اعتزامه زيارة أنقرة نهاية يناير الحاليّ.

بالتالي، ففي أقصى الحالات لن تتطور الأمور أكثر من مجرد مناوشات بسيطة هنا وهناك، وقعت شرقًا وغربًا وجنوبًا في سائر الأيام، والأهم أنه لن تنخرط  فيها شخصيات عسكرية أو سياسية وازنة أو مؤسسات أو قوى خارجية.

لذلك يبدو تثبيت سريان التهدئة على طول خط التماس سرت/الجفرة، عنوانًا للمرحلة المقبلة، بانتخابات أو دونها، وبحكومة جديدة أو من دونها، تحت سقف الخطوط الحمراء لـ23 أكتوبر/تشرين الأول 2020، التي يحرسها حاليًّا كل من صدام حفتر آمر اللواء 106، ومحمد الحصان آمر الكتيبة 166 مصراتة.