تصاعد التوتر على الحدود الروسية الأوكرانية

تصاعد التوتر على الحدود الروسية الأوكرانية

تسعى تركيا إلى استثمار علاقاتها القوية مع روسيا وأوكرانيا، لإنجاح جهود الوساطة التي تقوم بها بين البلدين، في ظل تواصل أكبر أزمة في أوروبا منذ نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي وعدم التوصل لأي تقدم في المفاوضات الجارية في هذا الخصوص، فهل تتمكن أنقرة من إطفاء نيران الأزمة؟

تصاعد الأزمة

تواصل روسيا الحشد العسكري على طول حدودها مع أوكرانيا، فقد نشرت الآلاف من قواتها ومنظومة "إس-400" (S-400) الصاروخية في بيلاروسيا، بالتوازي مع بدء قواتها (10 آلاف جندي) مناورات جديدة في منطقة روستوف جنوب البلاد، رغم تأكيدها عدم نيتها اللجوء للخيار العسكري لحل أزمتها مع كييف.

هذه الحشود العسكرية الروسية على حدود أوكرانيا تعتبر أكبر من أي حشد منذ الحرب الباردة، وفق رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأمريكية الجنرال مارك ميلي، وأشار ميلي إلى أن روسيا إذا شنّت هجومًا عسكريًا واسع النطاق على جارتها الغربية فإن الكلفة البشرية ستكون مروعة، فستسقط أعداد كبيرة من الضحايا في منطقة مكتظة بالسكان.

بدوره أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن أنه سينقل قوات أمريكية إلى دول أوروبا الشرقية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي في المدى القريب، ولم يستبعد بايدن فرض عقوبات على بوتين إذا غزت روسيا أوكرانيا، وحصلت أوكرانيا مطلع هذا الأسبوع على كميات من الأسلحة النوعية والفتاكة من أمريكا، وهو ما يعني رفع منسوب التصعيد بشكل حاد مع موسكو.

وسبق أن أكدت نائبة وزير الخارجية الأمريكي ويندي شيرمان بأن كل المؤشرات تدل على إمكانية استخدام بوتين القوة ضد أوكرانيا مع حلول منتصف فبراير/شباط القادم، رغم الضغوط الرامية لمنع ذلك، في الأثناء حثت السفارة الأمريكية في كييف المواطنين الأمريكيين في أوكرانيا على التفكير في مغادرتها فورًا.

تأمل تركيا في استثمار علاقاتها القوية مع كل من روسيا وأوكرانيا لدفع المفاوضات بينهما

قبل يومين أعلن أمين عام حلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، أن الحلف سلم روسيا ردًا خطيًا على مقترحاتها بشأن الضمانات الأمنية المتبادلة مع أوروبا، وأعلن الناتو رفض مطالب موسكو بسحب جنوده وأسلحته من أوروبا الشرقية ومنع دمج أوكرانيا بالحلف.

تتهم موسكو كييف بالتخطيط لعمل عسكري في إقليم دونباس، في ظل تزايد دعوات الانفصاليين الموالين لروسيا في الإقليم بالاستقلال، وهو ما تنفيه كييف رغم تمسكها بحق استخدام القوة لتحرير أراضيها من الموالين لروسيا.

ومن المنتظر أن يعقد مجلس الأمن جلسة الإثنين المقبل لمناقشة الأزمة، وهو آخر أيام رئاسة النرويج للمجلس، على أن تُسلّم الثلاثاء المهمة إلى روسيا لشهر فبراير/شباط، ويأتي هذا الاجتماع رغم تلميح واشنطن في وقت سابق عدم نيتها اللجوء إلى مجلس الأمن إلا بعد حصول تدخل عسكري بأوكرانيا، مثلما حصل في شبه جزيرة القرم.

جهود تركية للوساطة

في ظل هذه التطورات المتسارعة تسعى أنقرة للوساطة بين كييف وموسكو والحيلولة دون وقوع حرب بين الطرفين ستكون عواقبها كبيرة على المنطقة ككل وتصل حتى إفريقيا وآسيا، وتأمل تركيا في نجاح هذه المساعي.

وسبق أن أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن أنقرة مستعدة للقيام بالوساطة، وقال: "يمكننا أن نلعب دور الوسيط ليعم السلام بين روسيا وأوكرانيا، نريد أن يسود السلام في المنطقة، ومستعدون للقيام بكل ما يقع على عاتقنا".

في هذا الإطار، دعا أردوغان، نظيره الروسي، لزيارة تركيا لإجراء لقاء، وقال أردوغان خلال مقابلة مع قناة "NTV" مساء الأربعاء: "دعونا بوتين إلى بلادنا، نريد اتخاذ بعض الخطوات لتنظيم لقاء ثنائي بيننا لبحث العلاقات الثنائية".

وأضاف في تطرقه إلى الملف الأوكراني: "أتمنى ألا تقدم موسكو على عمل عسكري ضد أوكرانيا، فمثل هذه الخطوة لا يمكن أن تكون عقلانية بالنسبة إلى روسيا والمنطقة"، وتابع "يمكننا أن نفتح الطريق المؤدي إلى السلام مجددًا عبر جمع زعيمي البلدين (روسيا وأوكرانيا) في تركيا إذا أرادا".

بدوره أكد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار أن جهود بلاده مستمرة في تسوية الخلاف بين أوكرانيا وروسيا، مشيرًا إلى أن تركيا سبق أن قدمت بالفعل مساهمةً مهمةً للغاية في تطوير العلاقات بين البلدين، من جهته أكد السفير الأوكراني لدى أنقرة واسيل بودنار ترحيب بلاده بالمبادرة التركية للوساطة بين كييف وموسكو، ولجمع قادة البلدين.

أوراق أنقرة

تسعى تركيا بجدية لإنجاح مساعي الوساطة، خاصة أن أي حرب بين روسيا وأوكرانيا ستكون لها نتائج سلبية على تركيا، فأي خطوة روسية نحو أوكرانيا من شأنها أن تهدد مكانة أنقرة في المنطقة، كما أن فرض عقوبات غربية على روسيا من شأنه أن يؤثر على أنقرة سلبًا لارتباطها المتين بموسكو.

لا تبدو مهمة أنقرة سهلة، خاصة أن موسكو ترى في أنقرة وسيطًا غير محايد

تأمل تركيا في استثمار علاقاتها القوية مع كل من روسيا وأوكرانيا لدفع المفاوضات بينهما، فأنقرة ترتبط بعلاقات متينة مع موسكو وتجسد ذلك في التنسيق الكبير بينهما في العديد من الملفات وتنامي التعاون الاقتصادي، إذ وصل حجم التبادل التجاري السنوي بين البلدين إلى نحو 30 مليار دولار.

كما ترتبط أنقرة بعلاقات مهمة مع كييف، خاصة مع موافقة تركيا على إقامة مصنع كبير لتصنيع طائرات بيرقدار المُسيّرة في أوكرانيا، وبدء أنقرة في تصدير أسلحة وتقنيات دفاعية إلى كييف لتطوير جيشها ودعم قدراتها القتالية والدفاعية.

صعوبات كبيرة

لا تبدو مهمة أنقرة سهلة، خاصة أن موسكو ترى في أنقرة وسيطًا غير محايد خاصة بعد تزويد تركيا أوكرانيا بطائرات مسيرة مسلحة تستخدم في الإقليم، كما أن تركيا عضو في حلف الناتو، وهي من الدول التي ترحب بانضمام أوكرانيا للحلف، ما يفسر عدم تحديد موعد لزيارة بوتين لأردوغان وربطها بتحسن الوضع الصحي.

كما أن موسكو لم تصل لأهدافها بعد، فهذه الأخيرة تأمل في تحقيق العديد من الأهداف من وراء تحركاتها الأخيرة، من بينها الحصول على ضمانات غربية لعدم الاقتراب أكثر من حدودها الغربية، فضلًا عن الحد من قدرات كييف العسكرية.

كما تطمح موسكو أيضًا إلى تمكين الأحزاب الموالية لها بمنطقتي دونيتسك ولوهانسك بإقليم دونباس شرق أوكرانيا، تمهيدًا لضمهما على غرار شبه جزيرة القرم سنة 2014، وتمتلك دونباس ثروات طبيعية وصناعات ثقيلة ومساحات زراعية، إضافة إلى مناجم حديد وفحم ومحطات توليد الطاقة والتدفئة.

يضم هذا الإقليم نحو 4 ملايين نسمة، 56.8% منهم أوكرانيون، ونحو 38.2% من أصول روسية، لكن اللغة السائدة هناك الروسية، ويعتبر دونباس مهدًا رئيسًا لشعبية ورموز "حزب الأقاليم" الموالي لروسيا، الذي حكم أوكرانيا بين 2010 ونهاية 2013.

إلى جانب ذلك تسعى كييف لاستغلال هذا الوضع لتحرير أراضيها من الاحتلال الروسي بمساعدة غربية وأمريكية، فهي تأمل في تلقي مساعدات كبيرة في هذا الوقت لمجابهة روسيا حال قررت شن حرب ضدها.

كما ترى جهات غربية وأوكرانية أن الحرب يمكن أن تستنزف روسيا وتحد من تطلعاتها الخارجية ورغبتها في السيطرة على العديد من المناطق المحيطة بها أو في إفريقيا أيضًا، كما يمكن لها أن تعجل برحيل بوتين من السلطة في حال تأليب الرأي العام ضده، ذلك أن أي حرب قادمة ستكون تكلفتها كبيرة على موسكو.