ترجمة نون بوست بتصرف

منذ 25 عامًا، سقط حائط برلين بأيدي حشود سعيدة وثائرة في آن من الشباب الألمان. كان الابتهاج بنهاية الانقسام الألماني وسقوط الديكتاتورية، وكانت الثورة ضد سنوات الخوف من سلطان القمع الشيوعي، والخوف من خطر الحرب أيضًا، والذي لاح في الأفق على مدار عقود، بين أوربا والاتحاد السوفيتي. كان الخوف الأول بالأساس أخلاقي وفِكري، في حين كان الثاني جيوسياسي، وقد اختلطا معَا في تلك اللحظة التاريخية.

سلطان الماركسية

يعرف جميعنا الآن مدى فساد المنظومة السوفيتية، ومدى هشاشتها الجيوسياسية، ولكن الأصعب هو أن نتذكر كيف كانت، ولا زالت، الماركسية جذابة كفكرة، وفي نفس الوقت، كيف كان السلطان السوفيتي مخيفًا ومنبوذًا. للكثيرين من جيلي، كانت الماركسية تفسيرًا مُقنعًا لما يدور في العام، وكذلك واجب أخلاقي التزم الكثيرون به. معظم الماركسيين آنذاك كانوا ممن يسمون أنفسهم باليسار الجديد، والكثيرين قد تبنوه من باب اتباع الجديد لا من باب الالتزام والإيمان الحقيقي، غير أن هناك شريحة منهم التزمت بشدة بتلك الأفكار، وتورطت مع الاستخبارات السوفيتية، وعرّضت نفسها للخطر. كانت تلك المجموعة تتمتع بالشجاعة، في حين من كانوا يتبعون “موضة” اليسار الجديد شديدي الضحالة.

كانت الماركسية في ذلك الوقت ثورة على بذخ الطبقات العليا، أكثر مما كانت بالفعل دفاعًا عن العمال، ولم يكن واضحًا لي أبدًا، نظرًا لفقري النسبي، سبب جاذبية الماركسية كفكرة، ولكنها كانت أيديولوجية الشباب في هذا الوقت على أي حال، وتمتعت بأرضية أخلاقية أكثر من سواها. كذا كان الشباب دومًا في أوربا، منذ عام 1789، هو المحرك الأساسي للثورات، وقد كانت مرارة شباب هذا الجيل تجاه من يكبرهم شديدة، وتدفعهم نحو الماركسية أكثر من الفجوة الطبقية. كان شعور الشباب بأنه أفضل ممن يكبره واحدة من تبعات التنوير على أي حال، هذا ما قالته أفكار مثل التقدمية، أن الجديد والمستقبل أفضل من القديم والماضي.

لم يكن جدار برلين استثناءً، فقد كان الشباب بالأساس هم من أسقطه. لم أكن في برلين آنذاك، ولكنني كنت قد زرتها قبل ذلك بقليل، وكانت محرّكا ماركسيًا يعج بالماركسيين، وأنا على يقين إلى الآن أن الكثير ممن احتفلوا بسقوط جدار برلين كانوا من هؤلاء الماركسيين. غير أنه، لسبب ما، اقتنع كثيرون بأن الماركسية انتهت بسقوط الجدار، بما في ذلك الماركسيين أنفسهم.

كان مصير الماركسية مختلفًا كثيرًا في أوربا شرقية وروسيا، عما كان في الولايات المتحدة وأوربا. فالماركسية ماتت فعليًا في الاتحاد السوفيتي مع ستالين، وكل أفعاله المناهضة لأي أخلاقيات ادعتها الماركسية، وكذلك ماو في الصين. وكان ما تبع ذلك مجرد استغلال روسي لضعف المنظومة الشيوعية وفسادها لاستمرار موسكو ككيان جيوسياسي، فأخذ الكيان يتصدع تدريجيًا بتعاقب قيادات مثل خروشوف وبريجنيف حتى انهار في النهاية.

تدمير الماركسية

لقد دمّر هؤلاء الماركسية لأنهم وصلوا إلى السلطة، ووضعوا الماركسية في موقع السلطان، في حين أنها كانت لتكون أكثر جدية لو لم يعبث بها هؤلاء. لقد رُفِضَت الماركسية كأيديولوجية، بل ورُفِضت من بعدها الأيديولوجيا ذاتها: فقد كانت ذروة التنوير، ليس فقط لأن تصوراتها عن المساواة كانت أشد، ولكن لأنها حين طُبِّقت كان من اتشحوا برايتها أكثر تصميمًا بشكل وحشي على تحقيق تلك المساواة. لم تكن الماركسية فقط عن السياسة والاقتصاد، بل عن الفن، والتربية، والزراعة، والرياضة، لقد أملت كل شيء مستخدمة الدولة.

في نهاية الأمر، لم تقضي الماركسية على أرضيتها الأخلاقية بأفعال هؤلاء، بل قضت على التنوير ذاته، وعلى المنطق المنهجي الذي قامت عليه، وأدت إلى تفتت ما كانت تمثله يومًا ما إلى شراذم لا حصر لها من “الماركسيين” الذين يدعي كل منهم الماركسية التي تحلو له.

فشلت الماركسية لأنها لم تدرك أن الحضارة ليست محصّلة الأفراد والطبقات، ولكن الأمم والشعوب. في نهاية الأمر، كان الاتحاد السوفيتي إمبراطورية ذات عاصمة ومركز، وكان يمكن للمرء أن يتكلم بثقة ولو قليلة عن ماهية “الشخص السوفيتي”، ولكن الحقيقة أن الروسي ظل روسيًا، والقازاقي قازاقيًا، والأرمني أرمنيًا، وهكذا. لم يستطع ستالين أن يقتل ذلك الواقع، وحين تمددت الدولة السوفيتية بعد وفاته، ازدادت ضعفًا وفسادًا، لتصبح تلك الفروقات أكثر وضوحًا.

لم تستطع المنظومة السوفيتية كذلك أن تهرب من الحقائق الجيوسياسية، فقد كانت روسيا هي روسيا في نهاية المطاف، وكان ستالين في سعيه للسلطة مدفوعًا بالجيوسياسة في أوربا، وتحديدًا مع برلين، لا بالصراع الطبقي. جوّع ستالين الفلاحين، وبنى مصانع الحديد والأسلحة، كل ذلك ليعد العدة لألمانيا، وكان كل هذا في الحقيقة لأجل موسكو. بعد الحرب العالمية، وتضاؤل أوربا في وجه القطبين روسيا والولايات المتحدة، ظلت الجيوسياسة هي المحدد الرئيس للصراع. في الحقيقة كانت المفارقة في الحرب الباردة هي أن البلدين اللذين قاما على أساس معاداة الإمبريالية الكلاسيكية، وهما الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، قد أصبحا الإمبراطوريتين الجديدتين.

كان سقوط السوفييت حتميًا لأسباب عدة، أهمها صلابة وتركيز السياسة الأمريكية التي اجتذبت كتل كبرى مثل أوربا واليابان، والصين في الستينيات، وهشاشة وتبعثر الدعم السوفيتي ليوغوسلافيا وكوريا الشمالية، والشيوعيين في بلدان عدة. بحلول الثمانينيات، كان السوفييت يعلمون أنهم الأضعف، وكانت القيادات في شتى مراتب الدولة الفقيرة الآن، مقارنة بدول نمت بعد الحرب العالمية مثل اليابان وأوربا، تحاول البحث عن ملذاتها وذاتها.

قالت نظريات ماركس أن ثورات البروليتاريا ستضرب الدول الصناعية الأكثر تقدمًا، مثل ألمانيا، ولكنها في الواقع قامت في روسيا، وكان قيامها في روسيا أول تحدٍ للنظرية ذاتها، وربما أحد أسباب فشل بناء منظومة شيوعية هناك. لقد وصلت الشيوعية للسلطة في دولة ذات أرض ممتدة فقيرة، وتعداد سكاني مبعثر، ولم تقم على شبه الجزيرة الأوربية المزدحمة والموصولة ببعضها بشكل جيد والمتقدمة. قبل دخول السوفييت إلى معركة السيطرة على أوربا المتقدمة تلك مع الولايات المتحدة، المتقدمة أيضًا، كانت كفة المعركة مائلة بالفعل، وحين بدأت، لم يكن على الأمريكيين بذل جهود كبيرة مثل نظرائهم في موسكو، فقط كان عليهم الانتظار. فكما دمّرت محاولة السيطرة على أوربا بالتمدد جغرافيًا نابليون وهتلر، كانت ستدمر موسكو.

المسألة الألمانية

وهكذا إذن سقط الجدار في النهاية، وتبددت أحلام التنوير. بعد سقوطه، حصل أولئك الماركسيون الشباب على وظائف في سيمنز أو دويتشه بانك، أو ربما بروكسل، وأصبحوا أكثر ارتباكًا حيال تناقضات تلك اللحظة التاريخية التي لم تتسق مع أحلامهم. حصل الأمريكيون على نصر منطقي، في حين تفتتت الإمبراطورية السوفيتية ولن تعود كما كانت بالكامل، رُغم محاولات رئيسها اليوم استعادة ما فقدته موسكو.

أهم ما حدث يوم سقوط الجدار لم يكن بشأن روسيا أو أمريكا، بل ألمانيا: لقد أصبحت ألمانيا موحدة؛ تلك الوحدة التي طالما شكلت معضلة الجيوسياسة في أوربا منذ 1871، وعادت ألمانيا، التي لا يمكن لأحد أن يضاهي إنتاجها، ولا يمكن الاطمئنان تمامًا للعيش بجانبها. لربما يدعم من كانوا يومًا شباب يهدمون جدار برلين، سياسات بلادهم التقشفية عبر أوربا، ولكنهم لا يتحملون مسؤولية ضعف أوربا ككُل، ولا شيء يجبرهم أو يلزمهم بذلك.

سقط الجدار، كاتبًا شهادة وفاة أيديولوجية، وإمبراطورية، ولكنه لم يغلق كتاب التاريخ، بل جدد الإشكالية التي تطارد أوربا منذ 1871. ”ماذا ستفعل ألمانيا الآن، وماذا سيفعل العالم حيالها؟” كان هذا السؤال المؤرق يشغل بال كثيرين يومًا ما، ولا يزال موجودًا، ولكنه لم يعد مؤرقًا بشدة كما كان في السابق، على غير المتوقع، وبشكل ينافي قواعد الجيوسياسة الأوربية التقليدية. هذه هي أوربا، وهذا هو تاريخها المليء بالمفاجئ وغير المتوقع.

المصدر: ستراتفور