تحولت الخيام في بلدة باسقلة بريف إدلب إلى قرية من البيوت حملت اسم "يافا البرتقال" نسبةً إلى مصدر الدعم، بعد أن وعد المتبرعون لهذا المشروع وغيره بأنه "ستكون هناك فلسطين أخرى داخل سوريا".

هذه الصورة الجميلة التي رسمها فلسطينيون عبر إطلاقهم حملات تبرع مليونية للشمال السوري، جاءت بعد سنوات من الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي بين ناشطين من الشعبين كان موضوعه الرئيسي الثورة السورية.

ويمكن القول إن الفلسطينيين وفصائلهم ينقسمون بشأن هذا الملف إلى 3 أقسام: أولها يؤيد الثورة ويجرم إيران وأذرعها المتورطة في الحرب، وثانيها ينظر إلى النظام السوري كطرف ضمن ما يسمى "محور مقاومة إسرائيل" ومحاربة "الإرهاب"، الذي تداعى بعد الربيع العربي.

تميزت الحملات الداعمة للنازحين السوريين بطبيعتها العفوية الشعبية، إلى درجة رفض ناشطين المشاركة بأخرى أطلقتها وزارة الأوقاف في رام الله

وطرف ثالث - هو محور الجدل الأكبر - يدين جرائم النظام السوري لكنه يعتقد بضرورة عدم قطع العلاقات مع داعمه الأبرز، إيران، التي تساند الفصائل الفلسطينية ماليًا وعسكريًا في مواجهة "إسرائيل".

وتمنى عدد من الناشطين أن تكون حملة "جمعية الإغاثة 24" و"بيت بدل خيمة"، وثالثة أطلقها الفلسطيني إبراهيم خليل وغيرها من الفعاليات التي بدأت في يناير/كانون الثاني 2022، مقدمةً لإنهاء الجدل وتصحيح العلاقة.

توزعت تلك الحملات في أغلب الأراضي الفلسطينية، فقد أُطلق عدد منها بالقدس والضفة الغربية والداخل المحتل عام 1948، ومن ثم أطلقت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة حملة بعنوان "جسد واحد" لذات الهدف.

وتميزت الحملات الداعمة للنازحين السوريين بطبيعتها العفوية الشعبية، إلى درجة رفض ناشطين المشاركة بأخرى أطلقتها وزارة الأوقاف في رام الله لاتهام الحكومة الفلسطينية بـ"الفساد وسرقة التبرعات".

بداية القصة

"مَن نصرنا في الحق لن ننصره في الباطل"، بهذا التصريح، قطع خالد مشعل رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس شعرة معاوية في علاقة الحركة مع سوريا بعد الثورة، وبدأ التوافق بين حماس وحزب الله - حليف رئيس النظام بشار الأسد - إلى جانب إيران، بالاهتزاز.

وبعد سنوات من الثورة، فقدت فيها حماس الداعم الأبرز في بوابتها الجنوبية متمثلًا بالرئيس المصري الراحل محمد مرسي، وما لحقه من شيطنة دول خليجية لفصائل المقاومة، بدأت الأخيرة بالعودة التدريجية إلى إيران وشكرها خاصة بعد الحرب على غزة عام 2014. 

بطبيعة الحال لم تتوافق سياسات الطرفين دائمًا بعد ذلك العام، ولم تعد العلاقات سريعًا إلى سابق عهدها، إلا أنهما تمكنا من إدارة العلاقة بينهما بقدر كبير من النجاح، وتشكل بينهما ما يشبه الالتقاء الإستراتيجي دون الرجوع إلى النظام السوري.

لكن يمكن القول إن 3 تصريحات لعدد من قادة حماس أثاروا حفيظة الناشطين السوريين ودفعهم لمهاجمة فصائل المقاومة بغزة.

التصريح الأول كان من رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الذي وصف قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني بأنه "شهيد القدس" خلال حفل تأبينه بطهران بعد اغتياله بغارة أمريكية على العراق مطلع يناير/كانون الثاني 2020.

التصريح الثاني صدر من القيادي في حركة حماس أسامة حمدان بعد العدوان الإسرائيلي على غزة في مايو/أيار 2021، وقال فيه: "موقف الأسد الداعم للمقاومة ليس غريبًا ولا مفاجئًا، ومن يُحينا بتحية نرد بخير منها، ومن الطبيعي أن تعود العلاقات مع دمشق إلى وضعها السابق".

أما التصريح الثالث والأحدث، فقد صدر من القيادي في الحركة أيضًا محمود الزهار في 4 يناير/كانون الثاني 2022 عندما قال في ذكرى اغتيال قائد فيلق القدس: "من فرح باغتيال سليماني هم شواذ الأمة".

ويعتبر السوريون أن سليماني هو المشرف العام على جميع مليشيات إيران الطائفية التي أرسلتها إلى سوريا للدفاع عن الأسد، ويتهم بالمساهمة في إجهاض الثورة والتورط مع النظام بسفك دماء السوريين.

إمكانية العودة

لكن بعد كل هذه السنوات والمواقف والتجاذب السياسي، هل يمكن للحملات الخيرية الأخيرة أن تشكل بدايةً لعودة القطار إلى وجهته؟

عن هذا، يرى الناشط الفلسطيني إسلام أبو عون أن النقاش بشأن سوريا عميق ووجهات النظر متباعدة، "لكن الحملات قربت المسافات بين المؤمنين بالثورات والحراك العربي من الشعبين".

وبين في حديث لـ"نون بوست" أن الحملات الأخيرة "أزالت كثيرًا من الشوائب والصورة التي عمل طرفا الأزمة السورية على رسمها كشعب مرتمٍ في الحضن الإيراني".

وبرأيه، فإن الطرف الموالي كان حريصًا عليها للبروباغندا، وكثير من المعارضة استخدمتها ضمن ارتباطاتها الإقليمية التي تعمل على شيطنة القضية الفلسطينية، وفق تعبيره، ويعتقد أن المطلوب حاليًّا إبراز الأصوات العقلانية وتجنب القضايا الجدلية.

الصحفي والكاتب السوري الفلسطيني هشام منور رأى بدوره أن "حملات التبرع الفلسطينية تعبر عن مدى التضامن بين الشعبين الذين كانا ولا يزالا من أقرب الشعوب إلى بعضهما وتعزز ذلك بحكم تعرض السوريين لنفس مأساة التهجير".

وفي تعليقه على التجاذب بين الطرفين، يعتقد في حديث لـ"نون بوست" أن ما جرى "سحابة صيف عابرة لن تؤثر على التضامن الشعبي، ولمسنا ذلك إيجابيًا من خلال تفاعل السوريين مع الحملات الأخيرة وإعجابهم الشديد بها على الرغم من ظروف الشعبين".

ويمكن البناء على هذه الحملات عبر تعزيز المواقف على المستوى السياسي والتأكيد على ما يجمع الشعبين "فهما يعانيان التهجير وإهمال المجتمع الدولي لقضيتهما"، كما قال.

وأردف "يمكن تجييش المناصرين لكل القضيتين لصالح القضية الأخرى وتقديمها للمجتمع الدولي كقضية واحدة مع التركيز على مأساة الشعبين بوصفهما من أكبر المآسي بالعصر الراهن".

من جانبه، علق الصحفي السوري قتيبة ياسين على الحملات الأخيرة بالقول: "ما يحصل في فلسطين المحتلة الآن حالة يجب دراستها واستخلاص العبر منها، يراقبون ويتفاعلون مع إخوتهم المهجرين السوريين كأنهم أهلهم حقيقة لا مجازًا ولا شعارًا".

مصير مشترك

عاش الشعبان مأساة مشابهة، فقد تكرر مشهد النكبة الفلسطينية عام 1948 عندما هجر نظام الأسد على مدار أكثر من 10 سنوات ملايين السوريين، وكانت سوريا ضمن بلدان قليلة لجأ إليها الفلسطينيون الذين هجروا من بلادهم.

ورابط المصير بين الشعبين السوري والفلسطيني، لا يمكن فهمه إلا ضمن السياق التاريخي الطبيعي.

ففي بدايات القرن المنصرم، ومع دخول المشروع الصهيوني مراحله الأولى، تكشفت رغبة أغلبية سكان مناطق بلاد الشام (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين) في العيش ضمن دولة مستقلة تحت حكم الأسرة الهاشمية التي وُعدت بمملكة عربية قبيل الثورة العربية، يقول الكاتب السوري نجيب الغضبان.

ويضيف في مقال له "عندما وصل إلى مسامع الأهالي في بلاد الشام الخبر المشؤوم عن وعد بلفور، كان هناك رفض قاطع من الأغلبية التي أدركت طبيعته الاستعمارية".

والمحطة الثانية المهمة التي تظهر وحدة أهالي بلاد الشام تتجلى في مشاركة سوريين بالقتال ضد الاستعمار البريطاني والعصابات الصهيونية في فلسطين، وكذا مشاركة أبناء المدن والقرى الفلسطينية ضد المستعمر الفرنسي في الإقليم الشمالي لبلاد الشام.

والمثال الأكثر شيوعًا قيادة الشيخ السوري عز الدين القسام ثورة 1936 على التراب الفلسطيني، وأيضًا مساندة القائد السوري فوزي القاوقجي للفلسطينيين في حربهم ضد اليهود والإنجليز وتشكيله جيش الإنقاذ عام 1947.

كما أمن السوريون المساعدة اللوجستية والعسكرية للمقاومة الفلسطينية قبل الثورة وبعدها وسعوا إلى تجسيد مقاطعة عربية مبكرة للوجود الصهيوني.

ويوضح الغضبان بالقول: "أظهر التعاطف السوري الواسع مع الشعب الفلسطيني الذي يقاوم العدوان الإسرائيلي على أراضيه كافة، أن الشعوب لم تحد عن بوصلتها السليمة، فالمعركة ضد الاستبداد والاحتلال، والهيمنة الغربية الداعمة لهما، واحدة لا تتجزأ، ولو تنوعت أشكالها".

وكما برهنت تجربة الربيع العربي المستمرة، فإن الصمود والتقدم في أي من هذه المسارات داعمان ومحفزان للقضايا الأخرى، وفق تقديره.