تعهد ولد الغزواني بمكافحة الفساد

أكثر من سنتين ونصف مرت على تولي الجنرال الموريتاني محمد ولد الغزواني مقاليد الحكم في بلاده، لكن لم ير الموريتانيون بعد أي إنجاز يُذكر، فالوضع على حاله إلا الوعود زادت وتنامت، ما زاد من خيبة أملهم وأثّر في انتظاراتهم من النظام الحاليّ.

تعهدات كثيرة

خلال حملته الانتخابية وفي أثناء الفترة الأولى من تقلده كرسي الرئاسة، تعهد وزير الدفاع السابق بإطلاق حوار وطني وخلق مناخ سياسي إيجابي وبثّ الثقة من جديد بين الفرقاء السياسيين، وذلك بهدف الخروج من الأزمة السياسية التي دخلتها موريتانيا في السنوات الأخيرة.

إلى جانب ذلك تعهد رفيق درب الرئيس السابق، بالدفاع عن حقوق الإنسان خاصة فيما يتعلق بأوضاع الحراطين (العبيد المحررون) والإثنيات الأخرى والتمييز العنصري والحق في حرية التعبير، والالتزام بمعالجة السجل المروع لحقوق الإنسان في البلاد، والقضاء على الحواجز التي تفصل بين المواطنين عن طريق تبني سياسات إنصاف وتمييز إيجابي بين المواطنين لصالح الطبقات الهشة ومعالجة الفوارق الاجتماعية ومحاربة الهشاشة وتعزيز التكافل الاجتماعي.

يبرّر العديد من المسؤولين في نظام محمد ولد الغزواني هذا الفشل الكبير في إدارة الحكم إلى تسلم ولد الغزواني السلطة في ظرف إقليمي وعالمي حساس

من أبرز ما تعهد به ولد الغزواني للموريتانيين خلال حملته الانتخابية قبل سنتين ونصف، تطوير البنية التحتية للبلاد من خلال بعث مشاريع كبرى على غرار حفر قناة نهر السنغال حتى يصل وسط البلاد في مدينة ألاك وإنشاء سكة قطار تساهم في حلحلة الاختناقات المرورية في العاصمة نواكشوط.

كما تعهد بتأمين فرص عمل أكثر وخلق اقتصاد قوي وتنمية الصناعات التحويلية وتحسين مناخ الأعمال والنهوض بالتعليم إلى مستوى عالٍ وخلق مدرسة جمهورية وإرساء دولة يكون فيها التعليم والصحة والنفاذ إلى الخدمات الأساسية والابتكار والاستثمار في المعرفة أدوات لتغيير مصير الأفراد والجماعات.

وعود دون تطبيق

بالنظر إلى جملة هذه التعهدات التي أطلقها ولد الغزواني خلال حملته الانتخابية وفي الفترة التي تلت تقلد السلطة، نرى أن أغلبها بقي مجرد حبر على ورق ولم يتجاوز المكان والزمان الذي قِيل فيه، وفق المؤشرات التي بين أيدينا.

فبخصوص تعهد ولد الغزواني بإطلاق حوار وطني وخلق مناخ سياسي إيجابي بعد سنوات من الفرقة والانقسام السياسي خلال عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، فإن الموريتانيين لم يروا إلا بعض الاجتماعات الشكلية للرئيس مع بعض الشخصيات المعارضة.

اجتماعات لم تتواصل كثيرًا ولم تثمر عن أي نتيجة، وكثيرًا ما تدعو المعارضة إلى تنظيم حوار مع الحكومة يهدف إلى عدم إقصاء المعارضة من التعيينات والمناصب العليا وبعض الشؤون العامة، إلا أن الحكومة لم تصغ إلى هذه المطالب.

أما في خصوص حقوق الانسان فالوضع على حاله، فالنظام أظهر تكريسًا لسياسة الإنكار والتجاهل لمعضلة العبودية وقضية الحراطين في البلاد، إذ أخفقت الدولة في تحسين وضع الفئات الهشة وتواصل حرمانهم من التعيينات سواء السياسية أم الإدارية أم الدبلوماسية أم العسكرية.

يعيش في موريتانيا 90 ألف شخص في العبودية الحديثة، أي 2.4% من السكان، بينما 62% معرضون للعبودية الحديثة، وتؤكد تقارير عديدة أن البالغين والأطفال من طوائف العبيد التقليدية معرضون لممارسات العبودية الوراثية مثل العمل القسري دون أجر في المنازل أو المزارع.

بالنسبة لتطوير البنية التحتية الضعيفة فالوضع على حاله، ذلك أن هذا الموضوع يتصدر حديث الساسة عند كل استحقاق انتخابي فقط، بعدها يتم نسيان الموضوع إلى حين الاستحقاق الانتخابي القادم، ويتم إخراج المشاريع من الرفوف.

في خصوص الاقتصاد، فإنه في تراجع مستمر كما أن البطالة بلغت مستويات متقدمة، إذ تشير آخر الإحصاءات إلى أن عدد السكان الذين يحتاجون فرصة عمل في موريتانيا بلغ 443 ألف عاطل عن العمل، وهو ما يمثل 36.9% من السكان البالغ عددهم نحو 4 ملايين نسمة.

كما سجلت موريتانيا في السنتين الأخيرتين ارتفاعًا مخيفًا في الأسعار وصعوبة المعيشة، إلى جانب تواصل غياب العدالة في توزيع الثورة وتحكم القبلية والحكم العسكري في اقتصاد البلاد، الأمر الذي أدى إلى تهميش فئات عديدة من المجتمع.

يرى الموريتانيون ضرورة مكافحة الفساد والمحسوبية في البلاد، ووضع حد للإفلات من العقاب أيًا كان الشخص المتورط

حتى التعليم، لم يبدأ الإصلاح فيه بعد، فنسب الانقطاع عن الدراسة في ارتفاع متواصل ونسب الأمية أيضًا، إلى جانب التدني الملحوظ في نتائج الاختبارات وتواصل الاختلالات البنيوية في المنظومة التربوية، وهو نفس الأمر في المجال الصحي.

انتظارات كبيرة

يبرّر العديد من المسؤولين في نظام محمد ولد الغزواني هذا الفشل الكبير في إدارة الحكم إلى تسلم ولد الغزواني السلطة في ظرف إقليمي وعالمي حساس، فضلًا عن وضع اقتصادي واجتماعي وصحي حاد، فقد ساهم وباء كورونا في تنامي مشاكل البلاد ويقول هؤلاء إن الإيفاء بالتعهدات يتطلب وقتًا طويلًا.

مهما تكن المبررات، يجمع الموريتانيون على فشل ولد الغزواني في إرساء نظام يقطع مع الماضي ويبدأ الإصلاح لما فيه فائدة الدولة والشعب، فأغلب الوعود لم يتم الاستجابة لها، في ظل تركيز الرئيس على صراعه مع سلفه محمد ولد عبد العزيز.

يأمل العديد من الموريتانيين في القطع مع أساليب الماضي في كل المجالات، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، خاصة أن هذه الأساليب أثبتت فشلها طيلة السنوات السابقة وأسهمت في تخلف البلاد وتراجع مكانتها عربيًا وإفريقيًا.

يأمل هؤلاء في الارتقاء بمعيشة المواطنين وإعادة الثقة والهدوء للشارع، من خلال إجراءات عاجلة تتعلّق أساسًا بإزالة مظاهر العسكرة والمضايقات الأمنية التي عانت منها البلاد في الفترة الأخيرة، إضافة إلى إلغاء المتابعات القضائية ذات الصبغة السياسية.

إلى جانب ضرورة البدء في إصلاحات هيكلية للاقتصاد والاستفادة من ثروات البلاد الباطنية (الذهب والحديد) والبحرية، وتطوير البنية التحتية وتنفيذ مشاريع لاستيعاب العاطلين عن العمل، خصوصًا من حاملي الشهادات الجامعية، تضمن تقليص حجم البطالة المنتشرة في موريتانيا.

فضلًا عن ذلك، يرى الموريتانيون ضرورة إصلاح وهيكلة التعليم، بصفة عادلة تمكن جميع أبناء الموريتانيين من تعليم نوعي يقضي على الجهل والأمية المنتشرة في البلاد، التي بسببها يردح أكثر من ثلثي الشعب تحت خط الفقر والحرمان والحاجة.

يطمح الموريتانيون أيضًا في إصلاح القطاع الصحي وتطوير المستشفيات وتوفية الأدوية، خاصة أن بلادهم تعد واحدة من المراكز التي ينشط فيها الاتجار غير المشروع بالأدوية المزيفة في غرب إفريقيا، وفقًا لتقرير صادر عن منظمة الجمارك العالمية.

كما يرى الموريتانيون ضرورة مكافحة الفساد والمحسوبية في البلاد، ووضع حد للإفلات من العقاب أيًا كان الشخص المتورط، ذلك أن الفساد ما زال ينتشر في البلد والمفسدين يتجولون بكل أمان ودون أي خوف، وهذا خطر حقيقي على تنمية البلد ومستقبله واستقراره.

صحيح أن هذه الآمال يصعب تحقيقها في وقت وجيز، لكن من المهم محاولة إنجاز بعضها فيما تبقى من عهدة انتخابية للرئيس محمد ولد الغزواني، حتى تنفرج بعض أزمات موريتانيا التي مست أغلب المجالات.