تحتضن العاصمة القطرية الدوحة هذه الأيام ندوة سورية واسعة بعنوان "سوريا إلى أين"، يحضر هذه الندوة عشرات من ممثلي مؤسسات قوى الثورة والمعارضة السورية ومراكز الفكر والأبحاث ومنظمات المجتمع المدني وممثلي الجاليات السورية والإعلام السوري وعدد من الشخصيات المستقلة، ويرأسها رئيس الوزراء السوري السابق رياض حجاب، وقالت اللجنة التنظيمية للندوة في بيان إعلانها إن قائمة الحضور تضمنت مختلف ألوان الطيف السوري المعارض.

وبحسب بيان اللجنة المنظمة فإن الندوة التي بدأت أمس السبت وتنتهي مساء اليوم الأحد، تهدف إلى "تقييم الوضع الذي آلت إليه البلاد والتداول حول آليات تخفيف معاناة الشعب السوري والنهوض بأداء المعارضة ومناقشة آليات إخراج عملية الانتقال السياسي من حالة الاحتباس التي تعاني منها"، كما تتضمن الندوة ثماني جلسات حوارية تتناول تقييم المشهد السوري الحاليّ.

ومن المفترض أن تقر الندوة جملة من التوصيات "التي تسهم في تقديم رؤية شاملة لعمل المعارضة، بهدف الخروج من الأزمات السياسية والإنسانية والاقتصادية التي يعاني منها السوريون" وفقًا لما جاء في البيان، وأشارت اللجنة التنظيمية إلى أن هذه الفعالية تأتي "بالتزامن مع الجهود الحثيثة التي يبذلها النظام وحلفاؤه لإعادة تعويم بشار الأسد، ما يدفع لتدارس سبل معالجة الوضع الذي آلت إليه البلاد، وكيفية إنفاذ القرارات الأممية ذات الصلة".

وتضمنت فعاليات اليوم الأول 4 جلسات تحدثت عن "تحولات المواقف الإقليمية والدولية" بالإضافة إلى "تقييم أداء النظام وسياساته" كما تكلم الحاضرون عن واقع قوى الثورة والمعارضة، واختتم اليوم الأول بندوة تحت عنوان "استطلاع المشهد السوري مطلع عام 2022 والسيناريوهات المتوقعة"، أما اليوم الثاني فإنه بحث "ترتيب البيت الداخلي ومساحات العمل الوطني المشترك" بالإضافة إلى "رؤية مشتركة للانتقال السياسي".

الأسد لم ينتصر

كان رياض حجاب قد افتتح فعاليات ندوة "سورية إلى أين؟" بكلمة أكد فيها "الإصرار على تحقيق المطالب العادلة للشعب السوري وتعزيز هويته الوطنية الجامعة والتوصل إلى عملية انتقالية لا مكان فيها لبشار الأسد ونظامه"، لافتًا إلى ضرورة توحيد الكلمة في سبيل محاسبة الجناة وتحقيق العدالة بحقهم وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.

وأضاف حجاب "نجتمع في هذه الندوة، لتقييم عملنا وتصحيح الأخطاء التي وقعنا فيها خلال مسيرتنا الشاقة لتحقيق دولة ديمقراطية حرة موحدة، تقوم على أساس سيادة القانون وحق الجميع في التعبير والتمتع بحقوق المواطنة المتساوية وواجباتها دون تمييز".

وأشار حجاب إلى أن "الادعاء بأن رأس النظام بشار الأسد قد انتصر على الشعب السوري أبعد ما يكون عن الحقيقة وأن محاولات التطبيع تتعثر أمام تفشي الفساد وسوء الإدارة والتدهور الأمني والاقتصادي وفقدان القيم الأخلاقية"، معتبرًا أن داعمي بشار الأسد يخوضون معركة دبلوماسية يائسة لإعادة تعويم نظام فقد شرعيته، وأشار حجاب إلى أنه "يتعين علينا التحلي بالمسؤولية لإعلاء المصلحة الوطنية ورص الصفوف وجمع الكلمة وتدشين مرحلة جديدة ينتزع فيها السوريون كافة حقوقهم المشروعة من النظام الآيل للسقوط".

بدوره قال المنسق العام لهيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي، حسن عبد العظيم، في حديث صحفي: "نحضر بناءً على دعوة وجهها رئيس الوزراء السوري المنشق رياض حجاب، إلى هيئة التنسيق، ولاحظنا أن الدعوة موجهة لكل قوى الثورة والمعارضة ومراكز البحث والدراسات ومنظمات المجتمع المدني"، واعتبر عبد العظيم أن الندوة الجامعة خطوة في مرحلة تتعثر فيها قضية الحل السياسي بسبب ممارسة النظام تعطيل دور اللجنة الدستورية في جولات التفاوض، قائلًا: "هذا جهد تشكر عليه دولة قطر التي سهّلت انعقاد هذه الندوة في الدوحة، لنلتقي جميعًا تحت عنوان سورية إلى أين؟".

وعما يأمله من ندوة الدوحة يقول عبد العظيم: "المأمول توحيد الجهود لإنقاذ الشعب السوري من الأوضاع الكارثية"، ولفت إلى أن "الجهود إذا تكاملت ستشكل بديلًا ديمقراطيًا للنظام، ولا أحد يستطيع أن يقول إن المعارضة مشتتة ومقسمة ومفتتة، فكل القوى الديمقراطية أصبحت تحت مظلة واحدة من أجل إنقاذ الشعب السوري ودعم عملية الانتقال السياسي من الوضع القائم إلى نظام جديد يعبّر عن تطلعات الشعب السوري".

حضور أمريكي

من جانبه قال نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى إيثان غولدريتش، إن بلاده "لن تطبّع العلاقات مع نظام الأسد في سوريا"، وفي كلمة ألقاها أمام المجتمعين قال غولدريتش إن بلاده ستلتزم بمواجهة تنظيم الدولة داعش وتعزيز المساءلة لانتهاكات حقوق الإنسان واستخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا، مشيرًا إلى أن "الولايات المتحدة تبذل جهودًا لتحسين الظروف الأمنية وزيادة الاستقرار في سوريا وحل الأزمة السياسية والإنسانية المتصاعدة وتأمين حياة تتسم بالرفاه للشعب السوري وسيكون ذلك بالاستناد إلى قرار مجلس الأمن الدولي (2254)، بوصفه الخريطة الوحيدة لإنهاء النزاع في السنة الحادية عشرة له".

بدوره عقب الباحث السوري يحيى سيد عمر على الندوة المنعقدة في الدوحة، بقوله إن الندوة تأتي لتكرس أهمية الحوار واللقاء بين التيارات المختلفة في الاتجاه والفكر السياسي، وأشار إلى أن "التساؤل "سوريا إلى أين؟" بعد أكثر من عشر سنوات من الحرب، والسعي للإجابة عن هذا التساؤل تُعد بحد ذاتها خطوة مهمة جدًا، لا سيما بعد الخراب والدمار الذي طال سوريا بمختلف أطيافها. وعلى الرغم من تأخر طرح هذا التساؤل، فإن طَرحه الآن يعد خُطوةً في الاتجاه الصحيح".

ويضيف سيد عمر "هذه الندوة تأخذ على عاتقها تحديد الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري في كامل الجغرافيا السورية بشكلٍ علمي ومنهجية واضحة، بدءًا من مناطق سيطرة النظام ومناطق الشمال السوري، وكذا المناطق الشرقية واللاجئين، فالندوة تتعامل مع القضية السورية بمنطق الدولة، وليس بمنطق تيار سياسي وحزبي"، مشيرًا إلى أن ندوة الدوحة اتسمت بالطابع العلمي، حيث حضرها المراكز البحثية العلمية، وهذه أول مرة يتم الاستماع لصوت البحث العلمي، وهذا الأمر غاية في الأهمية".

تركيا وقطر على الخط

في سياق متصل، شهدت تركيا حراكًا على مستوى المعارضة السورية في إطار تحركها لكبح جماح التطبيع مع النظام السوري الحاصل من قبل بعض الدول وعلى رأسها الإمارات والأردن، لكن هذه الجهود لا طائل منها بحكم أن موقف المعارضة بات ضعيفًا ومهلهلًا في ظل أزمات تعصف بقواها من التشتت والتشرذم والارتهان للدول وباتت قوى المعارضة بأجسامها المختلفة عبئًا ثقيلًا على الشعب السوري الذي يتخبط في الكوارث منذ 10 سنوات.

لكن تقاريرًا إعلاميةً أفادت في ديسمبر/كانون الأول من العام الفائت أن تركيا وقطر تبذلان مساعٍ بقصد إعادة هيكلة المعارضة السورية وتحسين أدائها، وهنا تجدر الإشارة إلى أن أنقرة والدوحة تعطيان اهتمامًا واضحًا بشخص رياض حجاب كونه شخصيةً ذات صوت مسموع في بعض دوائر المعارضة، ويدل على ذلك اللقاءات المستمرة معه من المسؤولين الأتراك رغم عدم وجود منصب رسمي في مؤسسات المعارضة لحجاب.

يشار إلى أن لقاءً جمع بين حجاب ووزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في الدوحة بداية ديسمبر/كانون الأول الفائت، وقال جاويش أوغلو بعد الاجتماع إنه بحث آخر التطورات في سوريا، مع رياض حجاب، بالتوازي مع ذلك أكد جاويش أوغلو أن "دعوة النظام للجامعة العربية ستدفعه للاستمرار في بطشه وتعرقل الحل"، وأشار إلى أن "الحل الوحيد في سوريا هو حل سياسي".

وخلال الشهر الماضي شهدت الدوحة حراكًا سياسيًا للمعارضة السورية، فقد استقبل وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وفدًا من الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة، واجتمع برئيس الائتلاف الأسبق أحمد الجربا، ومن ثم بحث مع مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، غير بيدرسن، مستجدات الأزمة السورية.

كما تم عقد اجتماع بين المسلط ورياض حجاب ومعاذ الخطيب، وفي ختام زيارته للدوحة، قال سالم المسلط إن الهدف من الحوارات والمشاورات التي تجري في الدوحة هو الاتفاق على "رؤية موحدة" لفصائل المعارضة السورية، وتفعيل المسار السياسي لتسريع الحل في سوريا، ونفى رئيس الائتلاف وجود مبادرة جديدة لإيجاد جسم جديد للمعارضة السورية بديلًا عن الائتلاف.

ختامًا، لم يعد الشعب السوري ينتظر المزيد من الندوات والكلمات والمحاضرات، الشعب يريد إغاثة عاجلة، يريد خططًا لإعادته إلى أرضه، وطالما أن هذه اللقاءات ستظل جامدةً في طرحها وتتقلب بين الأفكار المطروقة منذ زمن فلن تجدي نفعًا، ويبدو أنها ستبقى لتدوير الأفكار ليس إلا، وإن كان عنوان الندوة اليوم "سورية إلى أين؟" فهل يجد إجابته في هذه الندوة؟ وهل جدير بالمعارضة السياسية أن تسأل هذا السؤال للتداول فقط دونما إجابات واضحة المعالم تترجم على الأرض؟