نهاية العام الماضي 2021، أصدرت وزيرة الصناعة المصرية نيفين جامع قرارًا وزاريًّا رقم 533 الخاص بوقف استيراد المكوّنات الأساسية للمركبة ثلاثية العجلات، التوكتوك، وهي: القاعدة والغطاء الخارجي والمحرك.

تفاعل الرأي العام في مصر مع هذا القرار الحكومي إيجابًا، بل وصفه بأنه قرار متأخر كثيرًا في ظلّ الفوضى التي تسيطر على مجال النقل في مصر، لا سيما النقل غير الحكومي، وبعد الآثار السلبية الاجتماعية لانتشار تلك المركبة محليًّا، على غرار العزوف عن تعلُّم الصناعات اليدوية وانتشار الجريمة.

توقّع مراقبون أن يلي هذا القرار الحكومي قرار صارم آخر بإجبار مالكي المركبات، الموجودة بالآلاف في الشارع المصري، على الحصول على تراخيص قيادة شخصية وتراخيص لتلك المركبات بغرض الحدّ من عيوب تلك الوسيلة، التي تعتبرها فئات أخرى في الوقت نفسه مركبة مثالية للتنقُّل في الشوارع المصرية غير الممهَّدة، خاصة بالنسبة إلى كبار السن.

مطلع فبراير/ شباط الحالي، كشفت الحكومة المصرية عمّا عُرف باسم "نموذج بديل التوكتوك" الذي يجري تجميعه محليًّا، ويُستهدف تعميمه وإحلاله مكان التوكتوك التقليدي تدريجيًّا، وهو ما أفصحَ بأنَّ المخطط الحكومي يتجاوز مسألة السيطرة على عيوب تلك المركبة الموجودة في دول أخرى مماثلة لمصر في الظروف الاجتماعية.. فما القصة؟

الاقتصاد غير الرسمي

منذ عام 2014، بدأت الحكومة المصرية خطة غير مسبوقة لتوسيع إيراداتها، من خلال الاعتماد على الموارد الذاتية بغرض سدّ عجز الموازنة والتوسُّع في إنشاء المشاريع القومية ذات الصبغة العملاقة، وبالأخصّ في مجال المقاولات.

قامت تلك الخطة على عدة محاور، أبرزها الرفع التدريجي للدعم عن الطاقة والمحروقات، ورفع الدعم عن العملة الوطنية عام 2016، والتوسُّع في تحصيل الضرائب كمًّا وكيفًا، على رأسها ضريبة القيمة المضافة التي حلّت محلَّ ضريبة المبيعات.

يتضمّن المسعى الخاص بتوسيع القاعدة الضريبية في مصر العمل أيضًا على ضمِّ ما يُعرف بالاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد الرسمي، من خلال حزمة عمليات مترابطة كالحدّ من التهريب الجمركي ونزع الاعتراف بالأنشطة الاقتصادية غير المسجّلة لدى الحكومة، وحرمانها من المتطلبات الأساسية للإنتاج وتغليظ العقوبة القانونية على المخالفين.

وفي الوقت نفسه، تجمّل الحكومة تلك السياسات من خلال ترويج مقولة إن الغرض من تحصيل تلك الضرائب هو إنعاش الخزينة الوطنية لتوزيع التنمية بشكل عادل، والتوسُّع في ضمّ شرائح جديدة من المواطنين إلى مظلة الرعاية الصحية والاجتماعية الرسمية، اتّساقًا مع قوانين العمل الدولية التي تعدّ مصر جزءًا منها.

بالتوازي مع قرار الحدّ من استيراد مكونات التوكتوك عام 2021، شنّت الحكومة المصرية حملة موسَّعة لضمّ شرائح واسعة من العاملين في مهن غير رسمية إلى الاقتصاد الرسمي، بغرض توسيع القاعدة الضريبية العامة والاستفادة من تلك القطاعات.

في مايو/ أيار الماضي، قالت وزارة البيئة إنها نجحت في تسجيل 5 آلاف عامل غير نظامي في مجال جمع المخلّفات على قاعدة البيانات الرقمية الخاصة بالوزارة، ضمن مخطط أوسع لضمّ تلك الشريحة إلى الاقتصاد الرسمي، بالتزامن مع إصدار قانون المخلّفات الذي يعظّم استفادة الحكومة من تلك الثروة المُهدرة.

البيانات الرسمية تشير إلى وجود نحو 4 ملايين سائق غير مسجّل لدى الحكومة، وحجم اقتصاد موازٍ قد يصل إلى 100 مليار جنيه سنويًّا، وهو ما يغري الحكومة التي تسعى إلى زيادة إيراداتها الضريبية لتقنين ذلك القطاع.

بعد 3 أشهر من هذا الإعلان، تعرّضت الحكومة إلى نقدٍ اجتماعي لاذع، على خلفية إعلانها تقنين مهنة "السايس" الذي يقوم بتنظيم ركن السيارات في الطرقات العامة، فبدلًا من أن تكون المهنة متاحة أمام المهمّشين، ستفرض الحكومة شروطًا تنظيمية لتسجيل "السايس" في قاعدتها الإدارية، مثل ألّا يقلّ سنه عن 21 عامًا وأن يثبت قدرته على القيادة وسلامته من إدمان المخدرات، مقابل أن تحصل من المواطنين مقابل الانتظار ما يصل إلى 300 جنيه شهريًّا.

في سبتمبر/ أيلول الماضي، فاجأت الحكومة المواطنين بنيّتها التوسُّع في القاعدة الضريبية الخاصة بها وضمّ الاقتصاد غير الرسمي، بحيث يشمل الأنشطة التجارية والإبداعية المدرّة للربح في عالم الإنترنت عبر تطبيق ما يُعرف بضريبة "اليوتيوب" التصاعدية، والتي تبدأ من 2.5% من الأرباح على الشريحة الدنيا وتتضاعف إلى 25% من الربح على من يحصّل أرباحًا تفوق 400 ألف جنيه سنويًّا، ما أدّى إلى لجوء عدد من صنّاع المحتوى الترفيهي إلى غلق استثماراتهم في السوق المحلية، ومغادرة البلاد إلى دبي التي تعدّ بيئة أقل تكلفة ذات فرص ربح أعلى بالمقارنة بمصر.

وقد انتهى العام الماضي بإعلان مصلحة الضرائب المصرية إدخال شريحة المعلمين العاملين في مجال الدروس الخصوصية، سواء كانت في مراكز تخصُّصية أو في المنازل، إلى القاعدة الضريبية الرسمية، مع السماح بشهر واحد فقط لتسجيل بيانات المعلمين في السجلّات الضريبية، وإلا تعرّض المخالفون إلى السجن والغرامة التي قد تصل 175% من الضريبة غير المدفوعة.

وبالعودة إلى التوكتوك، تشير البيانات الرسمية إلى وجود نحو 4 ملايين سائق غير مسجّل لدى الحكومة، وحجم اقتصاد موازٍ قد يصل إلى 100 مليار جنيه سنويًّا، وهو ما يغري الحكومة التي تسعى إلى زيادة إيراداتها الضريبية لتقنين ذلك القطاع، عبر حزمة من القرارات والتشريعات التي تفرض على العاملين فيها التسجيل الرسمي بخصوص المركبات القديمة، مع تعميم المركبات الجديدة مستقبلًا والتي يبدأ سعرها من 144 ألف جنيه وتصل إلى 200 ألف جنيه، وفقًا للصحافة المحلية

كما تأتي تلك الخطة تماشيًا مع خطة "تقنين الأصول" التي تسير فيها الحكومة قدمًا، لإجبار المواطنين على تسجيل أصولهم العقارية ضمن المنظومة الرقمية الشاملة التابعة لها، ودفع مبالغ كبيرة بأثر رجعي للتصالح على المخالفات القديمة وفرض مزيد من الضرائب على المعاملات العقارية، وهو ما توسّعَ مؤخرًا بحيث يشمل الأصول الذهبية الجديدة فيما عُرف بقانون "الدمغة".

من المستفيد؟

الجهة الحكومية التي أعلنت تدشين تلك المركبة الجديدة بالتعاون مع وزارة الصناعة، هي وزارة الإنتاج الحربي، والتي تضاعفَ حجم أعمالها خلال السنوات السبع الماضية بنسبة 400%، وتعدّ واحدة من 3 مؤسسات عسكرية تهيمن على الاقتصاد المصري بهويته الجديدة، الرأسمالية العسكرية، حيث ترافق صعودها بهذا الشكل مع صعود كل من جهاز مشاريع الخدمة الوطنية والهيئة الهندسية للقوات المسلحة.

تحتكرُ وزارة الإنتاج الحربي العمل في قطاعات معينة في السوق المصرية، مثل ميكنة السكك الحديدية وبطاقات التموين والعدّادات مسبقة الدفع وتجهيز منظومة المخلفات الوطنية الجديدة وتصنيع المصاعد الكهربائية، أي أنها جزء رئيسي من مخطط الحكومة لاستخدام التكنولوجيا في ضبط الاقتصاد.

كما عزا السيسي إليها، برعاية شخصية مباشرة منه، في الأعوام الأخيرة الدخول إلى مجال صناعة المركبات بجميع أنواعها، بما يتواكب مع خطة الحكومة لإعادة هيكلة قطاع النقل في البلاد وإحلال المركبات القديمة بأخرى جديدة تحت ذرائع العمل بالوقود النظيف، وذلك عبر الاستفادة من قاعدتها الصناعية ممثلة في مصنع 200 الحربي، والدخول في شراكات استثمارية محلية وأجنبية.

ضمن مؤتمر "مصر تستطيع" الحكومي، ذكر وزير الإنتاج الحربي محمد أحمد مرسي أن مصنع الإطارات الجديد سيعمل بطاقة 7 ملايين إطار سنويًّا بالتعاون مع الهيئة العربية للتصنيع، وهي جهة عسكرية أيضًا.

ويبرز اسم "الصين" شريكًا صناعيًّا مستهدَفًا للحكومة المصرية في خطة وزارة الإنتاج الحربي، لاقتحام مجال تصنيع المركبات غير العسكرية التي تعمل بالطاقة النظيفة، من خلال حزمة شركات مثل "فوتون" و"شاندونغ" و"جيلي" و"أريون" و"بولي"، بحيث تتوسّع الاستثمارات الصينية في الاقتصاد المصري أفقيًّا لكي تشمل مجالات البنية التحتية في العاصمة الإدارية الجديدة، واللوجستيات في محور قناة السويس، وصناعة المركبات بالتعاون مع الإنتاج الحربي.

وتشمل خطة وزارة الإنتاج الحربي للهيمنة على مجال صناعة المركبات غير العسكرية، إنشاء حزمة مصانع لتدشين إطارات السيارات، والإشراف على خطة إحلال حافلات النقل العام الحكومية العاملة بالبنزين بأخرى تعمل بالغاز الطبيعي بقوة أكثر من 2000 حافلة، إلى جانب دخول مجالات السيارات الكهربائية بداية من محطات الشحن إلى المركبات نفسها.

في ديسمبر/ كانون الأول 2020، ضمن مؤتمر "مصر تستطيع" الحكومي، ذكرَ وزير الإنتاج الحربي محمد أحمد مرسي، الذي جاء خلفًا للفريق محمد العصار، أن مصنع الإطارات الجديد سيعمل بطاقة 7 ملايين إطار سنويًّا بالتعاون مع الهيئة العربية للتصنيع، وهي جهة عسكرية أيضًا.

كما رصدَ الباحث هشام قاسم، في ديسمبر/ كانون الأول 2021، توسُّع وزارة الإنتاج الحربي للدخول في مجال توفير محطات شحن السيارات الكهربائية بطاقة مبدئية هي 3 آلاف محطة، ضمن تعاون بين الوزارة وشركة "دونغفينغ" الصينية، في مادته المعنونة باسم "اقتصاد وطني أم سيادي؟" على موقع "المنصة".

تصريف الغاز المستورَد

ورّطت الحكومة المصرية نفسها، ضمن مخطط توسيع إدماج "إسرائيل" في الجغرافيا الاقتصادية العربية وحصار تركيا، عبر حزمة مشاريع عربية (مصر والأردن) لشراء الغاز من الاحتلال ومدّ شبكات سكك حديدية عابرة للحدود لربطها بالجغرافيا العربية، في استيراد كميات هائلة من الغاز "الإسرائيلي" على أمل تصريفه إلى أوروبا بعد إسالته في مصر.

ولما لم تستطع الحكومة المصرية الوفاء بوعدها في تصريف الكميات الهائلة من الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا، مع إصرارها على الاندماج في مشروع ربط الاحتلال بالجغرافيا الاقتصادية العربية قسرًا، والذي كانت إحدى حلقاته تعزيز التقارب السعودي الإسرائيلي عبر مشروع "نيوم" على البحر الأحمر الذي تخلّت مصر لأجله عن جزيرتَي تيران وصنافير لصالح الرياض، ثم تعزيز تلك الكميات المستوردة بالاتفاق على مدّ أنبوب لنقل 5 مليارات متر مكعب إضافية من الغاز الإسرائيلي إلى مصر، لتصبح الكمية الإجمالية 13 مليار متر مكعب سنويًّا من الغاز؛ قررت الحكومة توسيع دائرة استخدام الغاز اجتماعيًّا بالإجبار على المواطن المصري.

هنا يمكن فهم قرار الحكومة بتحويل جميع المخابز التي تعمل بالسولار إلى العمل بالغاز الطبيعي، دون الحاجة إلى ذلك، بتكلفة يتحمّلها أصحاب المخابز، ما يضاعف من قيمة إنتاج رغيف الخبز، تحت ذريعة التوسع في استخدام الطاقة النظيفة.

وفي السياق نفسه، يمكن فهم المبادرة الرئاسية لإحلال السيارات التي مضى على إنتاجها أكثر من 20 عامًا بأخرى تعمل بالغاز الطبيعي، مع تقديم تيسيرات بنكية للمستفيدين، ومنع السيارات الجديدة من الحصول على تراخيص قبل التحول إلى العمل بالغاز الطبيعي.

باكتمال تلك الخطوات المتعلقة بمجال النقل، تكون الحكومة المصرية قد سيطرت على مفردات تلك الصناعة كاملةً، وأخرجتها من الحيّز التشاركي مع القطاع الخاص والمجتمع المحلي، إلى نموذج "الرأسمالية العسكرية".

وعلى ذات الصعيد، نجد المركبات الجديدة المقرَّر إجبار المواطنين الراغبين بالعمل في مجال النقل الداخلي على شرائها، وإحلال مركباتهم القديمة (التوكتوك) بها، أي محركات ثنائية الوقود: غاز طبيعي وبنزين، ما يعزِّز الطلب على الغاز الطبيعي المتكدِّس لدى الحكومة المصرية محليًّا ومن "إسرائيل"، عبر فرضه على أصحاب الأصول العاملة بالطاقة في المنازل والمخابز والمركبات.

جدير بالذكر أن الشركة التي تولّت إبرام صفقة شراء الغاز الإسرائيلي بقيمة 20 مليار دولار، لمدة 15 عامًا، بما يعادل 8 مليارات متر مكعب سنويًّا، والتي أثنى عليها السيسي أمام الرأي العام قائلًا في تصريح شهير:"إحنا جبنا جون"، هي شركة تابعة للمخابرات المصرية ومسجّلة بعقود وهمية في هولندا كما كشفَ تحقيق "مدى مصر".

باكتمال تلك الخطوات المتعلقة بمجال النقل، تكون الحكومة المصرية قد سيطرت على مفردات تلك الصناعة كاملة، وأخرجتها من الحيّز التشاركي مع القطاع الخاص والمجتمع المحلي، إلى نموذج "الرأسمالية العسكرية".

إذن.. الانتظار في الطريق مربوط برسم إجباري وفقًا لقانون السايس، وكل الطرق الجديدة تعجّ بمحطات تحصيل الرسوم "الكارتة"، كما خرجت معظم وسائل النقل العام من إطارها التكافلي إلى الصيغة غير المدعومة مثل المترو والقطارات، وربطت الحكومة سعر الوقود بالسعر العالمي، وضاعفت من فاتورة ترخيص السيارات، وأجبرت المواطنين على استبدال سياراتهم تدريجيًّا بأخرى تخدم تصوّراتها عن الاقتصاد السياسي.