يكفل الدستور التونسي حرية المعتقد

يكفل الدستور التونسي حرية المعتقد

ينص الدستور التونسي على أن "الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، حامية للمقدسات..."، لكن يبدو أن هذا الفصل لا يسري على عموم التونسيين، فهناك من يعاني التضييق إلى الآن بسبب معتقداته الدينية.

تصور أن في تونس الدولة العربية التي ينص الدستور على أن دينها الإسلام، تُمنع بعض الفتيات من العمل بسبب ارتدائهن الحجاب، لا يتعلق الأمر ببعض الحالات الاستثنائية وإنما أصبح ظاهرةً، فالعديد من الشركات تفرض على موظفيها عدم ارتداء الحجاب في أثناء العمل.

حالات كثيرة

أعادت طواف الخليفي مسألة منع بعض التونسيات من العمل بسبب حجابهن إلى الواجهة مجددًا، بعد كشفها عن تعرضها للإهانة في إحدى الشركات العاملة في تونس بسبب حجابها، فقد أكدت الخليفي منعها من التقدم لوظيفة في شركة فرنسية بتونس بسبب الحجاب.

"المعذرة نحن لا نشغل المحجبات"، هكذا كان رد شركة فرنسية ألمانية تنشط في تونس على طلب توظيف فتاة تونسية تضع حجابًا فوق رأسها في خطة مراقب إداري، وتقول الخليفي إنها تعرضت لإهانة كبيرة كامرأة، فقد أرسلت سيرتها الذاتية للشركة وبعد 8 دقائق فقط جاءها الرد الصادم.

لم ترفض الخليفي بسبب انعدام الكفاءة أو ضعف تجربتها أو عدم تطابق مؤهلاتها مع المركز المتاح للتوظيف، وإنما رُفضت بسبب معتقد ديني تُمارسه اقتناعًا مثلها مثل مئات آلاف التونسيات اللاتي يرتدين الحجاب.

العديد من الشركات التونسية أو الأجنبية العاملة في تونس تجاوزت في حداثتها وتقدميتها الغرب أنفسهم

حاولنا التواصل مع طواف للحديث معها أكثر في الموضع لكنها اختارت الصمت، ربما لعجزها عن التعبير ولحالة الذهول التي أصابتها جراء التمييز الديني الذي مورس ضدها من شركة مقيمة في تونس من المفروض أن تتعامل بالقانون التونسي.

لم تكن طواف الخليفي التونسية الوحيدة التي مُنعت من العمل بسبب حجابها، فغيرها كثيرات رغم أن قوانين البلاد تنص على حرية المعتقد ولا تفرض حظرًا على ارتداء الحجاب ولا على أي رمز ديني آخر سواء للمسلمين أم لمعتنقي باقي الديانات السماوية الأخرى.

تقول مروى إنها تعرض لمظلمة مماثلة، إذ أرسلت طلب توظيف لإحدى الشركات، لكن شروط العمل المقدمة له تنص على وجوب نزع الحجاب إذا أرادت العمل مع الشركة، بحجة أن أغلب عملائهم أجانب لا يحبذون التواصل مع محجبات.

رغم مرور سنتين على هذه الحادثة، فإن تفاصيلها ما زالت في ذهن مروى، فتقول لنون بوست في هذا الشأن: "ليس من السهل نسيان إهانة كهذه، درست 3 سنوات في الجامعة وحصلت على شهادتي العليا بدرجة مميزة، حلمت بعمل أضمن به كرامتي وأساعد من خلاله أهله وأرد لهم بعض جميلهم، لكن في أول عملية بحث عن عمل تتم إهانتي".

مضيفة "لم أكن أتوقع أن أتعرض لهذا الانتهاك، كنت أسمع عن ممارسات مماثلة، لكن كان ذلك يحدث في الدول الأوروبية وليس تونس، خاصة أن أغلب الفتيات في البلاد محجبات.. لو تم رفضي بسبب آخر لهانت لكن بسبب حجابي؟! فهي إهانة كبرى".

عمليات تغريب ممارسة ضد التونسيين

يُفهم من هذه الممارسات تواصل عمليات التغريب في تونس، فالعديد من الشركات التونسية أو الأجنبية العاملة في تونس تجاوزت في حداثتها وتقدميتها الغرب أنفسهم، فالألمان مثلًا في تناولهم لمسألة النقاب - وليس الحجاب كما في تونس - لا يتحدثون عن الحداثة أو التقدم والتخلف، وإنما يتحدثون عن صعوبة التواصل مع أشخاص يخفون وجوههم.

حتى إن وجدت حالات عنصرية ممارسة ضد المرأة في الغرب ستجد معارضةً كبرى من منظمات حقوق الإنسان هناك لتطاولها على الحرية الشخصية للمواطنين، لكن في تونس الأمر مختلف، فلا تنديد من المنظمات التي تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان، في بعض الأحيان يُحاسبون الضحية.

يندرج هذا الأمر، ضمن البرنامج الذي بدأه بورقيبة لفرض مشروعه الثقافي التغريبي على المجتمع، في إطار برنامج تحديثي قسري مضاد هوية البلاد، يستهدف الثقافة العربية الإسلامية باعتبارها رمزًا للتخلف.

أُجبرت النساء في زمني بن علي وبورقيبة على التوقيع على تعهد بعدم ارتداء الحجاب

ترى بعض المؤسسات الحجاب مظهرًا من مظاهر العودة إلى عصور الانحطاط ورمزًا للتخلف وعائقًا في وجه التحرر والتقدم، لذلك وجب محاربته وإذلال كل من يرتديه حتى ينزعه و"يلتحق بركب الحداثة والتقدم الحضاري".

هذا الأمر يقلل فرص المرأة المحجبة في العمل، ما يدفعها إلى العودة مجددًا للسلبية والانكفاء على الذات، بعيدًا عن ميادين العلم والثقافة والمشاركة الفعلية في بناء المجتمع ومواجهة استحقاقات التقدم الحقيقي والرقي.

تمييز ديني له جذور قديمة

الحديث عن تواصل معاناة بعض التونسيات بسبب ارتدائهن الحجاب يقودنا حتمًا إلى ما كانت تعانيه عموم التونسيات من اضطهاد وتمييز بسبب الحجاب زمن بن علي وبورقيبة، فقد كانت السلطات تمنع الطالبات من التسجيل في المعاهد والجامعات، ويحرمن من المبيتات الجامعية تطبيقًا لمنشور 108 الصادر عام 1981 الذي يقضي بمنع ارتداء ما يسميه "الزي الطائفي" في المؤسسات العمومية.

بعض الكليات كانت تخصص امرأةً على الباب وظيفتها فقط نزع حجاب الطالبات، وكان عليهن أن يتركن الحجاب معها على الطاولة للدخول، لأن بعض الفتيات كن ينزعن الحجاب عند الباب ثم تلبسنه مرةً أخرى، لم يكن لهن انتماء سياسي لكن حرمن من حقهن بسبب تغطية الشعر.

لم تكتف السلطات التونسية بمنع الحجاب في المؤسسات العمومية فقط، إنما أطلق يد جهاز الأمن لملاحقة البنات في الشوارع، ونزع حجابهن أمام أنظار الجميع، ما يجعلك تعتقد في لحظات أنك لست في دولة عربية يُدين سكانها بالإسلام دينًا.

وكان النظام التونسي قبل الثورة يعتبر غطاء الرأس المعروف بالحجاب "رمزًا رجعيًا طائفيًا"، فضلًا عن كونه "معوقًا لقيم التطور والتنمية والحداثة"، ما جعل ارتداء الحجاب يحرم آلاف التونسيات من أحلامهن في التعليم العالي وفرص العمل واحترام المجتمع.

أجبرت النساء في زمني بن علي وبورقيبة على التوقيع على تعهد بعدم ارتداء الحجاب، فيهن من ترضخ وتنزع الحجاب وفيهن من تصر على ارتدائه وتبقى في البيت وفيهن من تتحايل على الشرطة فتلبس الحجاب لكن تضع فوق رأسها "باروكة" (شعر اصطناعي).

تقول شيماء إنها عانت كثيرًا من الشرطة ومدير المعهد بسبب حجابها رغم صغر سنها آنذاك، تم طردها في أكثر من مرة صحبة بعض زميلاتها ومُنعن من اجتياز الامتحانات لإجبارهن على نزع الحجاب، لكن مع إصرار شيماء وصديقاتها على مواصلة ارتداء الحجاب تم طردهن نهائيًا من المعهد.

لكن من حسن حظّهن أن هذه الحادثة جدّت أيامًا قليلةً قبل اندلاع الثورة التونسية، ما جعلهن يرجعن إلى مقاعد الدراسة معززات مكرمات، ومن طردهن لم يظهر للشارع إلا بعد أشهر من سقوط نظام بن علي، إذ كان يعلم هول ما كان يرتكبه بحق البنات المحجبات.

أتذكر مرة أن الشرطة التونسية داهمت محلات تبيع الدمية "فلة" - دمى ترتدي حجابًا - بدعوى أنها يمكن أن تشجع الفتيات الصغيرات على ارتداء الحجاب، كما صادر أمنيون جميع الأدوات المدرسية التي توجد عليها صورة "فلة"، على غرار الحقائب المدرسية وحاملات الأقلام.

يفضح التضييق الممارس على المحجبات السطحية والتبسيط في مقاربة أصحاب هذا الرأي للظواهر الاجتماعية، ومدى زيف ادعاءات دعاة حقوق الإنسان، فالمبادئ عندهم تتجزأ والمواطنون درجات في تحدٍ لقوانين البلاد وعاداته وتقاليده.