منذ اشتداد الأزمة السياسية في تونس بين الرئاسات الثلاث قبل عامَين، وبدء سياسة ليّ الذراع من مؤسسة الرئاسة ضد رئاستَي البرلمان والحكومة، تسرّبت في الأوساط السياسية الضيقة أخبار عن إمكانية قيام الرئيس التونسي بانقلاب دستوري مغلَّف، يُحَلّ بمقتضاه البرلمان والحكومة، ويتصدّر وحده الحكم في البلاد، لا سيما بعد تسرُّب وثيقة "الانقلاب" التي نشرها موقع "ميدل إيست آي".

وقبل ذلك زار سعيّد مصر، وما راج حينها من أخبار وتسريبات و"شائعات"، إلّا أن عدة مراقبين وفاعلين سياسيين استبعدوا قيام الرئيس سعيّد بأي خطوة من هذا القبيل، متعلّلين بأنّ المنظومة الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، لن تسمح بوقوع ذلك ولن توافق، لرغبتها في أن تكون تونس وتظل النموذج الديمقراطي العربي في المنطقة، بيد أن الرئيس سعيّد فاقَ كل التوقعات وكذّب كل التكهُّنات، من أنه أضعف بكثير من أن يقود انقلابًا دستوريًّا أو عسكريًّا ضد النظام السياسي القائم في البلاد.

تأثيرات الصراع الإقليمي

إن ما أقدم عليه قيس سعيّد ليلة 25 يوليو/ تموز، من حلّ البرلمان وغلقه بالاستعانة بالجيش، كان مفاجئًا وغير متوقع لدى طيف سياسي كبير بالبلاد، لا سيما الذين آمنوا حقًّا بالديمقراطية والحرية، وبأن أستاذ القانون الدستوري لا يمكن له أن يخالف الدستور وينتهكه، وكانت ردّات الفعل الدولية متباينة ومتقاطعة ومتحركة في الوقت نفسه، فغَشيَها نوع من الغموض والضبابية، ما زالا متواصلَين إلى اليوم هذا.

لا يخفى عن المتتبّعين للحالة التونسية أن تجربتها الديمقراطية الرائدة على مدى السنوات العشر الأخيرة، كانت محل استهداف مباشر من بعض القوى المحلية والإقليمية والعربية، بسبب ما تمثّله من إحراج لهذه الدول التي تطمح شعوبها كل يوم أن تكون حرة وديمقراطية على النمط التونسي.

لذلك سعى مثلث الثورة المضادة العربي، مصر والإمارات والسعودية، إلى دعم كل القوى المناهضة للتجربة التونسية والساعية إلى الارتداد بالبلاد إلى ما قبل عام 2011، وكانت الإمارات من أكثر هذه الدول نشاطًا في تونس لوأد تجربتها الناشئة، وأشار العديد من السياسيين إلى ذلك علنًا، على رأسهم الرئيس الأسبق محمد المنصف المرزوقي.

كما أكّد ذلك مؤخرًا الكاتب ورئيس تحرير موقع "ميدل إيست آي"، دافيد هيرست، الذي اعتبر أن سعيّد يسير على شاكلة الانقلاب المصري.

كما كان السياق الليبي نقطة تحول جوهري في قرار القوى الخارجية الداعمة للانقلاب إعلان ساعة الصفر، بعد دعم سعيّد في معركته الداخلية ضد باقي السُّلَط والأحزاب والتيارات السياسية الداعمة لها.

فمثلث الثورة المضادة قد خرج لتوّه من هزيمة مذلّة في الجارة ليبيا إلى جانب فرنسا، حيث راهنوا معًا على حصان حفتر الخاسر، والذي ألحق به التدخل التركي هزيمة واضحة إبّان هجومه العسكري على العاصمة طرابلس، حيث كانت الهزيمة في ليبيا والانتقام في تونس، لا سيما أن رئيس برلمانها هو رمز من رموز "الإسلام السياسي" الذي يحاربه مثلث الخليج ومصر، خوفًا من انتشار العدوى في بلادهم، خاصة أن نظام مصر العسكري قائم على الانقلاب على التيار الإخواني والرئيس الراحل محمد مرسي، الذي تمَّ انتخابه في انتخابات حرة نزيهة لم تشهد لها مصر مثيلًا من قبل.

فكان القرار الخارجي بإطلاق أولى سيناريوهات "الانقلاب" في تونس بتأثير خارجي خليجي مصري ودعم فرنسي، بينما تمَّ تجاهل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي من هذا المخطط، بسبب علم هذه القوى المسبق بحرص هذه الأطراف الدولية على نجاح تونس، كيف لا وقد أنفقت فيها على مدار السنوات العشر الأخيرة عشرات مليارات الدولارات لإنجاحها.

تقاطع المحاور

يبدو أن القرار الرسمي عوّل على محاولة إقناع دول وحلفائها على العمل من أجل إقناع الأميركيين والأوروبيين بجدوى الإجراءات التي تمَّ اتخاذها ضمن "إجراءات استثنائية ضرورية"، تحت عنوان تصحيح المسار ومحاربة الفساد، إلّا أن الأمور لم تجرِ كما أراد هؤلاء، وهو ما جعلَ التناقض والغموض والضبابية السمات البارزة على سياسة سلطة "الانقلاب" في تونس من يومها.

ذلك ما يفسّر تعبير عدة فاعلين دوليين منذ بداية الأزمة عن قلقهم ممّا أقدم عليه سعيّد، ودعوا إلى إعادة المؤسسات الديمقراطية وأمهلوا الرئيس بعض الوقت، على رأسهم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وتركيا، إلّا أن "الانقلاب" لقي دعم كل من فرنسا، في البداية على الأقل، والسعودية والإمارات ومصر، وهم معروفون بأنهم حاضنته الخارجية منذ البداية.

فيما بقيَ الموقف الجزائري يراوح مكانه إلى أن استقرَّ على دعم الرئيس سعيّد، كما ساندت روسيا وإيران والصين الانقلاب منذ البداية، وإن كان بشكل هادئ وغير ظاهر، إلّا أن كواليس عديدة تؤكِّد أن الدعم الإيراني والروسي والصيني للانقلاب تجاوز مجرد الموقف الرسمي.

 

بيد أن المواقف الأهم في ظلّ أزمات تونس الداخلية المتواصلة والخانقة وعلى رأسها الأزمة الاقتصادية، هي مواقف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، بسبب نفوذها القوي في صندوق النقد الدولي، الذي تأمل سلطة "الانقلاب" في تونس أن يوافق على تمويل ميزانيتها للسنة الراهنة، وتسديد أقساط قروضها المستحقة.

تسويف وهروب إلى الأمام

تواصلت قرارات وإجراءات المؤسسة الرئاسية في تونس، ولم تقف عند حلّ البرلمان وجمع السلطتَين التنفيذية والتشريعية فقط، حيث أكمل قيس سعيّد السلطة القضائية وحلَّ المجلس الأعلى للقضاء قبل أيام، وأعلنَ مجلسًا مؤقّتًا لإدارة الشأن القضائي الذي يتعامل معه كجزء من السلطة التنفيذية لا سلطة مستقلة في حد ذاتها، ما فاجأ مرة أخرى كل اللاعبين في البلاد وخارجها، حيث كان من المنتظر أن يقلِّل الرئيس التونسي من حدة خلافاته مع المنظومة الدولية.

إلا أن سعيّد قررَ المضي إلى الأمام والإصرار على عدم الخضوع لإرادة المنظومة، بل دخل معها مرة أخرى في سجال غير مباشر، عبر خطاباته التي أكّد فيها أن تونس ليست ضيعة ولا بستانًا وهي دولة ذات سيادة، ولا يحقّ لأحد القلق بشأنها في إشارة إلى البيان الجديد لمجموعة السبع، الذي عبّرت فيه هذه الدول عن قلقها البالغ ممّا حدث، في إشارة إلى حلّ المجلس الأعلى للقضاء من طرف واحد، وتفرُّد الرئيس بكل السلطات، لا سيما في ظلّ تسريبات أخيرة تفيد باعتراض أمريكا على تقديم مساعدات مالية لتونس من قبل السعودية والإمارات.

لكن الرئيس وعبر سياسة التسويف والتمطيط واللعب على عامل الزمن، وهو ما حذّر منه رئيس المنظمة الشغيلة نور الدين الطبوبي في مناسبات سابقة، يمنّي النفس بتراجع هاتين الدولتين وعدم خضوعهما للضغوط الأمريكية وتقديم يد المساعدة قريبًا، لا سيما في ظل وجود أنباء عن قرب زيارة ولي العهد السعودي لتونس قريبًا.

من ناحية أخرى، ومنذ الانقلاب الدستوري، لم يصدر بيان أمريكي واضح مثلما صدر عن مكتب شؤون الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الأمريكية، بتاريخ 14 فبراير/ شباط، من حيث نبرة الخطاب بشأن الوضع التونسي، ما يعني أن تغيُّر اللهجة مقدِّمة لتغيُّر المواقف لدى نائبَي مساعد وزير الخارجية ساساهارا وليمو، عقب لقائهما ممثلي المجتمع المدني بتونس لمناقشة التطورات السياسية والقضائية الأخيرة، حيث عبّرا عن وقوفهما "مع التونسيين الداعين لحكومة متجاوبة تدعم حقوق الإنسان وتعطي الأولوية لمستقبل البلاد الاقتصادي".

هذا بالتزامن مع حديث يدور عن مفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية قد تكون عبر وسطاء دوليين، من أجل القبول بالأمر الواقع، مقابل التعهُّد بحماية وخدمة المصالح الأمريكية في المنطقة، لا سيما أن الولايات المتحدة إلى حدّ الآن لم تصف إجراءات سعيّد رسميًّا بالانقلاب، وهو ما قد يفسِّر تصعيد سعيّد واستمراره في سياسة إخضاع باقي السلطات، لا سيما بعد أن قدّمَ خارطة الطريق للانتخابات التشريعية القادمة منتصف شهر سبتمبر/ أيلول الماضي.

إلا أنه ظاهريًّا على الأقل، ما زال الأمريكيون والاتحاد الأوروبي بمن فيه فرنسا، يشترطان الحوار الجدّي مع الجميع وعودة المؤسسات الديمقراطية للبلاد، كي تتقدّم مفاوضات المساعدات المالية والبنك الدولي، وبدا ذلك واضحًا قبل يومَين عندما صرّح ممثل الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، بأنه قد يقطع المساعدات المالية عن تونس بعد الخطوة الأخيرة تجاه السلطة القضائية، التي ستكون العَقبة الكَأدَاء أمام استخدام النفوذ.