يبدو أن الاستقبال اللافت للنظر للرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته للإمارات في 14 و15 فبراير/ شباط الجاري، والنتائج الاقتصادية التي تحقّقت من وراء تبريد الأجواء بين أنقرة وأبوظبي، قد أزعجا المعارضة التركية بصورة كبيرة، كونهما يضربان استراتيجيتها المناهضة لحكومة العدالة والتنمية في مقتل.

وبينما كان الشارع التركي، أو على الأقل شريحة كبيرة منه ترى في سياسة ترميم الأزمات التي تنتهجها أنقرة مع جيرانها خلال الآونة الأخيرة، خطوة جيدة نحو إصلاح العديد من الشروخات الناجمة عن فتح عدة جبهات للصدام بين تركيا وبعض القوى الإقليمية، كان نتاجها تراجعًا واضحًا في المستوى المعيشي جرّاء الحرب الاقتصادية التي تتعرض لها البلاد من خصومها؛ كان للمعارضة رأي آخر.

قوبلت زيارة أردوغان الأخيرة للإمارات بانتقاد شديد من المعارضة، التي تساءلت كيف للرئيس الذي كان قد اتّهم أبوظبي بدعم محاولة الانقلاب الفاشلة التي تمّت في يوليو/ تموز 2016، أن يزورها اليوم ويطوي صفحة الخلافات بين البلدَين دون التحقيق في مزاعم واتهامات الماضي؟

جدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي توجِّه فيها المعارضة انتقاداتها لتحركات أردوغان الخارجية في الفترة الأخيرة، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2020 شنَّ الناطق باسم حزب الشعب الجمهوري المعارض، فائق أوزتراك، هجومًا على الرئيس التركي خلال زيارته للدوحة، قائلًا إن الهدف من وراء تلك الزيارة هو طلب المال، وتابعَ: "على أردوغان أن يعلم أن من يتلقّى أموالًا من الخارج، عليه أن يتلقى تعليمات أيضًا".

وبعيدًا عن حقيقة ما إذا كان هذا هو السبب الحقيقي لانتقاد الزيارة، لكن من الواضح أن استراتيجية تصفير المشاكل، التي نجحت من خلالها الدبلوماسية التركية في فتح صفحات جديدة أكثر دفئًا مع خصوم الأمس -قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل-، أثارت حفيظة المعارضة بشكل كبير.. فلمَ الانزعاج؟

فوائد اقتصادية وسياسية

شهدت العلاقات التركية الإماراتية خلال الأشهر الست الأخيرة أجواء من الدفء والتعاون، طوت بها صفحة عقد كامل من الندّية والصراع، بداية من استقبال أردوغان لمستشار الأمن الوطني الإماراتي، الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، في 18 أغسطس/ آب 2021، مرورًا بالاتصال الهاتفي الذي أجراه مع ولي عهد أبوظبي في الـ 30 من الشهر ذاته، ثم تصريح وزير الخارجية التركي في 7 سبتمبر/ أيلول بأن "أجواء إيجابية" تخيّم على العلاقات بين البلدَين، وصولًا إلى زيارة 14 فبراير/ شباط 2022، ومن قبلها زيارة محمد بن زايد لأنقرة في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.

توِّجت تلك الأجواء الدافئة بحزمة من المكاسب الاقتصادية الكبيرة، البداية كانت بتأسيس الإمارات لصندوق بقيمة 10 مليارات دولار لدعم الاستثمارات والاقتصاد التركي وتوثيق التعاون بين البلدَين، أعقبها توقيع 12 اتفاقية تمَّ إبرامها على هامش الزيارة الأخيرة، في مجالات الاستثمار والدفاع والنقل والصحة والزراعة.

السيناريو ذاته تكرّر بين تركيا وقطر، حيث حقّق الجانبان العديد من المكاسب الاقتصادية من خلال تعزيز التعاون بينهما منذ عام 2016 وحتى اليوم، إذ تعدّ الدوحة أحد أبرز شركاء أنقرة في منطقة الشرق الأوسط، وكان لها دور محوري في إنقاذ الاقتصاد التركي من أزماته الأخيرة، نظير الدعم السياسي والعسكري الذي قدّمه الأتراك للقطريين في أزمتهم الخليجية عام 2017.

لم يكن الاقتصاد الدافع والمكسب الوحيد من وراء التقارب التركي الخليجي، فالتحديات الإقليمية والدولية التي فرضتها المستجدات الأخيرة، سياسيًّا واقتصاديًّا، كان لها مفعول السحر في دفع جميع الأطراف التي تعاني من خصومة مع جيرانها إلى إعادة النظر في تموضعاتها مرة أخرى بما يتماشى مع تلك المتغيّرات، وإلا فالجميع سيدفع ثمن البقاء على مواقفه القديمة.

تصفير المشاكل.. نهج أردوغاني جديد

لا يمكن قراءة زيارة أردوغان لأبوظبي، ومن قبلها زيارة ولي عهد أبوظبي لأنقرة، بمعزل عن سياسة "تصفير الأزمات والمشاكل" التي تنتهجها الدبلوماسية التركية خلال العامَين الماضيَين تحديدًا، تلك السياسة التي أعادت النظر في المواقف السياسية الصلبة إزاء الخصوم الإقليميين، ما يفتح نوافذ جديدة من التعاون والتواصل على أُسُس موضوعية تعزِّز التقارب وتزيح العداء.

دفعت أنقرة ثمنًا باهظًا جرّاء مواقفها السياسية الداعمة لثورات الربيع العربي، ووسّعت من دائرة الصراع مع بعض القوى الإقليمية، لا سيما المسيطَر عليها من أنظمة عسكرية وسلطوية، تلك القوى التي تعاملت مع تركيا كـ"عدو" يتطلب شحذ كافة الجهود للتصدي له على كافة المستويات. 

وبعد عقد تقريبًا من الحروب الباردة التي خاضتها أنقرة مع شركاء الأمس، جرّاء تباين وجهات النظر في العديد من الملفات الإقليمية، واستجابة للتحديات التي أفرزتها التغيرات التي شهدتها الخارطة الدولية، وجدت تركيا نفسها مدفوعة نحو دبلوماسية جديدة أكثر مرونة وبراغماتية من تلك المستخدَمة منذ عام 2011.

وعليه جاء الحراك الدبلوماسي المكثَّف للرئيس التركي ووزير خارجيته، والذي قوبل بلا شكّ بترحيب شديد من قبل خصوم الأمس، المدفوعين كذلك بالتحديات ذاتها، فكان التقارب مع الإمارات وفتح صفحة جديدة مع السعودية وبزوغ مؤشرات إيجابية نحو تطبيع مع القاهرة وتعزيز التعاون مع "إسرائيل"، ثم فتح قنوات اتصال مباشر وغير مباشر مع الجيران، قبرص واليونان وأرمينيا.

منطقيًّا، يفترض أن تقود السياسة التركية الجديدة نحو تخفيف درجة حرارة العديد من الصراعات المستعرة في المنطقة، والتي كانت تستنزف أنقرة سياسيًّا واقتصاديًّا، وهو ما كان ينعكس سلبًا على المواطن التركي الذي يعاني معيشيًّا جرّاء تداعيات سياسة الصدام القديمة.

هناك جزئية يجب التعريج عليها سريعًا، تتعلق بعدم شرطية أن يكون التقارب في العلاقات اقتصاديًّا، حيث لا بدَّ أن يترتّب عنه تطابق في المواقف السياسية إزاء الملفات المشتركة، إذ من المتوقع أن يبقى كلٌّ على مواقفه بشكل أو بآخر، لكن دون إرادة مباشرة في التصعيد مع الآخر، حيث يتم التركيز أكثر خلال المرحلة القادمة على نقاط الالتقاء التي توسِّع الأرضية المشتركة للتقارب.

المعارضة والسياسة الخارجية.. عكس عقارب الساعة

قدّمت المعارضة التركية نفسها طيلة السنوات الماضية بوصفها "الشريك المخالف" للنظام الحاكم، الذي إن حدد بوصلته يمينًا سارت المعارضة يسارًا، وربما يكون هذا التعارض مقبولًا في إطار التنافس السياسي الذي ينضوي في نهاية الأمر تحت مظلة مصالح الدولة العليا، غير أن الواقع يشير إلى غير ذلك بصورة لافتة للنظر، وهو ما يمكن قراءته في أكثر من ملف.

عراقيًّا، الوضع أشبه بساحة تنافس عكس عقارب الساعة، فبينما تحاول الحكومة التركية الحفاظ على مصالحها السياسية والاقتصادية والديموغرافية من خلال علاقات تشابكية مع إقليم كردستان العراق تبقي بها ملف الأكراد تحت الهيمنة التركية، إذ بالمعارضة تسارع الخطى لكسب ودّ الأكراد بصورة تهدِّد استقرار البلاد مستقبلًا.

ففي سبتمبر/ أيلول 2021، توجّه وفد من حزب الشعب الجمهوري المعروف بتوجهاته المعادية للأكراد، إلى إقليم كردستان، وأجرى خلالها سلسلةً من اللقاءات مع قادة الإقليم، على رأسهم زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، ورئيس وزراء حكومة الإقليم مسرور بارزاني، في زيارة لا تخرج عن إطار التقرُّب من الإقليم لقطع الطريق أمام حزب العدالة والتنمية الحاكم خلال الانتخابات القادمة.

وعلى المسار السوري، دومًا ما تواجه السياسة التركية في هذا الملف انتقادات حادة من المعارضة، التي تسعى قدر الإمكان لتشويه صورة حكومة بلادها، نظير تجميل صورتها والظهور بمظهر السلطة الدبلوماسية التي تميل إلى السياسة دون السلاح، رغم التهديدات التي تمثلها الكيانات المصنّفة إرهابية على أمن واستقرار البلاد.

ففي مارس/ آذار 2020، طالب رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كيليتشدار أوغلو، النظام الحاكم بإنهاء الوجود العسكري التركي بسوريا، لافتًا في مؤتمر صحفي له أن أولى الخطوات التي سيتّخذها حال الوصول إلى السلطة، هي إصلاح العلاقات مع النظام السوري وإرسال جميع اللاجئين السوريين في تركيا إلى بلادهم "بالطبل والمزمار" على حد وصفه.

أما الملف الأرميني، فقد رفضت المعارضة سياسة الباب المفتوح التي انتهجها أردوغان لفتح صفحة جديدة من تطبيع العلاقات مع يريفان، معلنة تحفظها عن قبول أي اتفاق ما لم تنسحب أرمينيا من مرتفعات قره باغ المتنازع عليها من أذربيجان، وذلك رغم المكاسب التي حققتها أنقرة من وراء تلك الخطوة، سياسيًّا واقتصاديًّا.

وفي الوقت الذي تتحفّظ فيه المعارضة عن تحركات الدبلوماسية التركية إزاء العالم العربي والإسلامي، ترتمي هي بصورة أو بأخرى في أحضان الغرب، لا سيما الولايات المتحدة، رغم احتضانها للعديد من المتورطين في قضايا إرهاب وتطرف، ويحملون مخططات لضرب الاستقرار وفق الرواية الرسمية التركية.

في تحليل له، اتّهمَ رئيس تحرير صحيفة "يني شفق" التركية، إبراهيم قراغول، المعارضة بأنها تخطط لتضييق نفوذ تركيا في آسيا الوسطى والشرق الأوسط وأفريقيا، وحبسها مرة أخرى داخل حاجز الأناضول الضيّق، واصفًا إياهم بأنهم يريدون تدمير كل ما تمَّ بناؤه.

ويوضِّح قراغول أن أجندة تيار المعارضة الداخلية تتناغم شكلًا ومضمونًا مع أجندة الغرب تجاه أنقرة، من حيث المطالبة بسحب القوات التركية من ليبيا والعراق وسوريا، والرضوخ في نهاية المطاف لإملاءات اليونان في بحر إيجة، وهو ما يفسِّر لماذا تنزعج المعارضة من تودُّد العدالة والتنمية للعالمَين العربي والإسلامي على حساب أوروبا وأمريكا.

كما اتّهم رئيسُ تحرير صحيفة "يني شفق" التركية رئيسَ زعيم الشعب الجمهوري، كمال كليجدار أوغلو، بالتواصل هاتفيًّا مع زعيم تنظيم "غولن" الإرهابي في واشنطن، مضيفًا: "إنهم يريدون من جديد إعادة تنظيم "غولن" الإرهابي إلى أجهزة الدولة، ليتمكّنوا بهذه الطريقة من تسهيل الوصاية الأمريكية وتلقّي الدعم الأمريكي والأوروبي".

إذًا، لماذا تنزعج المعارضة؟

في السلوك السياسي، وبمنطق ميكافيللي بحت؛ يبحث كل تيار عن مصالحه الخاصة، حتى لو كانت على حساب شعبه وربما بلاده أحيانًا، وفي الحالة التركية الأمور تسير نسبيًّا في هذا الاتجاه، بحسب قراءة المعارضة للتحركات الدبلوماسية الأخيرة وسياسة التصفير.

وقبل الإجابة عن التساؤل "لماذا تنزعج المعارضة من توجُّه ترميم العلاقات التركية الخارجية؟"، لا بدَّ من الإشارة أولًا إلى مرتكزات أحزاب المعارضة في مناهضة الحزب الحاكم، والمداخل التي يمكن من خلالها تهديد شعبيته وسحب البساط من تحت أقدام كتلته التصويتية في أي استحقاق انتخابي.

المرتكز الأول هو الاقتصاد، وهو الأكثر تأثيرًا وواقعية، فالوضع المعيشي يتصدّر قائمة أولويات المواطن التركي، شأنه شأن بقية مواطني العالم، ومن ثم ينحصر تقييمه لأي حكومة أو نظام في إطار قدرتهما على تحسين المستوى المعيشي وتنمية اقتصاد البلاد.

التوتر الذي كان يخيّم على العلاقات التركية مع جيرانها في الآونة الأخيرة، لعب دورًا محوريًّا في تهديد اقتصادها القائم في المقام الأول على عوائد السياحة والاستثمار، هذا بخلاف التأثيرات الناجمة عن حملات المقاطعة التي شنّها خصوم تركيا مؤخرًا، فضلًا عن حرب الاستقلال الاقتصادي التي خاضتها أنقرة ضد القوى الغربية وكان لها ارتدادات اقتصادية سلبية، ثم جاءت الجائحة لتلقي هي الأخرى بظلالها القاتمة على المشهد.

الفترة المتبقية على الانتخابات كفيلة أن تعيد رسم المعادلة مرة أخرى، في ظلّ العديد من التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه التحالف الحاكم، كارتفاع معدلات التضخم.

في تلك الوضعية، المناخ مهيَّأ تمامًا لتجييش الشارع ضد أردوغان وحكومته وتحالف الجمهور بالكلية، ومن ثم استمدَّت المعارضة ثقة خطابها الشعبي في الفترة الماضية استنادًا إلى هذا المحور، الذي بلا شكّ سيكون له تأثيره داخل صناديق الاقتراع.

وعليه، إن ترميم العلاقات مع الخصوم وإنعاش الاقتصاد التركي بالاستثمارات الأجنبية، من المتوقع أن يُسفرا عن تحسُّن نسبي يشعر به المواطن العادي، فضلًا عن تراجع استهداف أنقرة عبر منصات إعلام الدول المعادية قديمًا، ما سيشجّع رؤوس الأموال العالمية للعودة مرة أخرى إلى السوق التركي بما يتمتع به من مغريات استثمارية.

من هنا يبدو انزعاج المعارضة منطقيًّا، إذ من المحتمل أن تفقد السلاح الأبرز الذي كانت تعتمد عليه في نيل ثقة الناخب التركي، لا سيما بعد فشل تجربتها الحزبية في 5 بلديات كبرى فازت بها في الانتخابات الأخيرة، وعدم قدرتها على الوفاء بوعود الانتعاش الاقتصادي والرخاء المجتمعي الذي قطعته على نفسها، ما يمكن أن يكون له دور في تشكيك الناخب في قدرة التجربة برمّتها على الحكم إذا ما سنحت لها الفرصة.

في ضوء ما سبق، من الواضح أن أردوغان وحكومته قد بدآ الماراثون الانتخابي مبكرًا، حيث تفتيت مرتكزات المعارضة الاقتصادية والسياسية، لكن ليس معنى ذلك أن الأمور قد حُسمت، فالفترة المتبقية على الانتخابات كفيلة بأن تعيد رسم المعادلة مرة أخرى، في ظلّ العديد من التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه التحالف الحاكم، كارتفاع معدلات التضخم وزيادة الأعباء على كاهل الأسر وارتفاع معدلات الفائدة والبطالة، وهي الملفات التي يمكن أن تعتمد عليها المعارضة في حربها القادمة على الحكم.