لم يتوقف قطار التطبيع مع نظام بشار الأسد رغم جهود بعض الدول مثل أمريكا وقطر وتركيا ودول أوروبية لعرقلته، إذ تواجه هذه الجهود توجهًا مضادًا يحث الخطى لإعادة تأهيل بشار الأسد وتعويمه وفق سياسة الأمر الواقع، وتقود هذه التوجهات روسيا بالإضافة إلى عدة دول عربية منها الأردن والإمارات والجزائر، يأتي هذا في ظل تراخ أو عجز من مؤسسات المعارضة السورية الرسمية لمواجهة الموضوع.

يرى الكثير من السوريين الذين تأثروا بفعل إجرام نظام الأسد أن التطبيع مع الأخير خيانة للسوريين وتضحياتهم، وأنه لا طائل من التعامل مع نظام لا يُرتجى منه أي مصلحة على المستويات كافة، وفي هذا السياق نظمت شخصيات سورية مستقلة مؤتمرًا لمواجهة التطبيع مع الأسد، ويتمحور هذا اللقاء الذي انعقد أمس الأحد في إسطنبول حول قيادة نشاط دولي لقطع الطريق على إعادة تعويم الأسد ضمن المنظومة العربية أو الدولية على حد سواء.

المؤتمر حمل شعار "لا للتطبيع مع الأسد"، وشاركت بأعماله شخصيات مستقلة وممثلين عن هيئات ومنظمات سورية، بالإضافة إلى دبلوماسيين غربيين، وأشار زيد كيالي أحد منظمي المؤتمر إلى أن التطورات الأخيرة من بعض الدول العربية الساعية لإعادة تطبيع العلاقات مع النظام السوري، "استدعت ضرورة العمل على إيجاد حراك منظم شعبيًا لمواجهة هذا المسار لما له من تداعيات خطيرة على مستقبل سوريا خصوصًا والمنطقة عمومًا".

يرى معاذ مصطفى المدير التنفيذي "لفريق عمل الطوارئ السورية"، أحد المنظمات المشاركة بالمؤتمر، أن المنتدى تكلل بالنجاح خاصة أنه وصل للنتيجة المطلوبة وهي تذكير العالم والشعب السوري بأن التطبيع مع بشار الأسد جريمة بحد ذاتها وأن كل من طبع مع الأسد مشارك في جرائم النظام وأعوانه، ويشير مصطفى خلال حديثه لـ"نون بوست" أن المؤتمر هذا سيمهد لحراك أكبر على المستوى السوري بخصوص عزل نظام الأسد أكثر فأكثر.

العرب والتطبيع

كان عام 2021 بمثابة ترويج لفكرة التطبيع مع الأسد، فقد بدأ الأردن وعلى أعلى مستوياته السياسية بالترويج للفكرة، إضافة إلى الإمارات التي أوفدت وزير خارجيتها لإجراء مباحثات مع رأس النظام السوري بشار الأسد في دمشق، عدا عن النقاش بإعادة النظام إلى مقعده في الجامعة العربية ودعوته إلى القمة المقبلة في الجزائر، وتقود الجزائر حراكًا حثيثًا من أجل حضور دمشق في القمة المقرر انعقادها على أراضيها، ودعا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، إلى رفع التجميد عن عضوية سوريا في جامعة الدول العربية.

في ذات السياق، عقدت اجتماعات بين وزير خارجية النظام ووزراء خارجية مصر والأردن والعراق وتونس وعُمان وموريتانيا وفلسطين المحتلة على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك في إشارة واضحة إلى عودة الأسد للتعويم عبر البوابة العربية.

هذا التطبيع يعزوه مراقبون إلى ضعف أداء المعارضة السياسية السورية خلال 10 سنوات وإغراقها بتفاصيل عمل اللجنة الدستورية واجتماعات أستانة دون التفاتها إلى ما يحصل من إعادة تدوير للنظام، وبالطبع يأتي ذلك مع تراجع حاد لموجة الربيع العربي وظهور الثورات المضادة التي تدعو لإعادة تعويم الأنظمة القمعية ودعمها.

حراك خجول للمعارضة

المعارضة السورية لجأت للاجتماع مع المسؤولين في عدد من الدول لكبح جماح التطبيع مع النظام، فقد عقدت خلال السنة الماضية اجتماعات مع مسؤولين من قطر وتركيا وأمريكا من أجل المساهمة في إيقاف التوجه نحو إعادة العلاقات مع نظام الأسد، والأخيرة وعدت برفضها القاطع للتطبيع مع استمرارهم بتطبيق العقوبات وفقًا لما قاله سالم المسلط رئيس الائتلاف السوري المعارض، وكذا كان الموقف القطري والتركي قويًا بخصوص قطع الطريق بخصوص التطبيع ورفض إعادة العلاقات مع نظام الأسد.

أما خارج مؤسسات المعارضة وعلى صعيد غير رسمي، فقد عقدت شخصيات معارضة سورية الشهر الماضي ندوة تحت عنوان "سوريا إلى أين" في العاصمة القطرية الدوحة، ومن بين الملفات التي ناقشتها الندوة تعويم نظام الأسد، وفي كلمة له قال رئيس الوزراء السوري المنشق رياض حجاب: "الادعاء بأن رأس النظام بشار الأسد انتصر على الشعب السوري أبعد ما يكون عن الحقيقة ومحاولات التطبيع تتعثر أمام تفشي الفساد وسوء الإدارة والتدهور الأمني والاقتصادي وفقدان القيم الأخلاقية"، معتبرًا أن "داعمي بشار الأسد يخوضون معركة دبلوماسية يائسة لإعادة تعويم نظام فقد شرعيته".

كما دفع حراك المعارضة الخجول ضد التطبيع، إلى تنظيم مؤتمر إسطنبول المناهض للتطبيع الذي تكلمنا عنه في المقدمة، وهاجم زيد كيالي المعارضة وموقفها، وأشار إلى أن تحركات المعارضة متدنية المستوى كانت سببًا أساسيًا بالدعوة لهذا المؤتمر، وأعرب كيالي عن "أسفه الشديد لتدني مستوى رد فعل وصمت مؤسسات المعارضة السورية التي تدعي في بعض الأحيان تمثيل الشعب السوري وحراكه الثوري"، وقال كيالي إن المبادرة لتنظيم هذا المنتدى "محاولة لإيجاد الصيغة التي تعبر عن موقف الشعب السوري، في المخيمات والمناطق المحررة والمهجر، الرافض لخطوات التطبيع وإيصال صوت الشعب السوري الحر إلى المنظمات الدولية المعنية عبر كافة الوسائل المتاحة".

الدور السوري هو الأهم

في سياق أهمية التحرك السوري لمواجهة التطبيع، يقول معاذ مصطفى: "إننا كسوريين جميعًا يجب علينا مواجهة هذا التطبيع من خلال استمرارية مطالبتنا بحقوق الشعب السوري وحريته وكرامته" ويشير إلى أن "مواجهة التطبيع تحتاج إلى عدة أدوات منها تسليط الضوء على جرائم بشار الأسد والتواصل مع دول العالم والإعلام العالمي للتذكير بحقيقة هذا النظام".

لكن يبدو أن المعارضة السورية الرسمية تعوّل بشكل كبير على الموقف الأمريكي من التطبيع مع النظام، فإدارة بايدن تؤكد في كل مناسبة أنها "لن تدعم أي تطبيع مع النظام السوري، أو أي جهود لدعمه وتأهيله"، كما صدرت تصريحات أمريكية تدعو الدول إلى النظر للأعمال الوحشية التي ارتكبها نظام الأسد.

في هذا الصدد يدعو معاذ مصطفى، إن النشطاء السوريين المقيمين في أمريكا فتحوا قنوات اتصال مع صناع القرار في واشنطن للضغط على الإدارة الأمريكية لكي تكون أكثر وضوحًا برفضها لأي خطوات تطبيعية مع نظام الأسد، ويشير إلى أنهم بنفس الوقت يعملون على الضغط باتجاه تطبيع العقوبات الاقتصادية مثل إنجاز قانون قيصر.

وهنا يبرز دور المنظمات السورية والنشطاء في تفعيل أدوات الضغط على الدول من أجل عزل نظام الأسد ومقاضاته، ويركز مصطفى في حديثه على أن "دور السوريين هو الأهم في مواجهة التطبيع خاصة في أمريكا، فقد عملوا لسنوات على مشاريع مثل مشروع قيصر الذي كان أكبر تهديد لمن يفكر بالتطبيع مع النظام"، ويشير مصطفى إلى أن من أولويات منظمتهم "وقف قطار التطبيع ومقاضاته"، مضيفًا "وجود الناس المكلومة في المخيمات وبلاد المهجر من الأطفال والنساء وكبار السن وحتى مناطق سيطرة الأسد هو دافع لنا لكي نجابه إعادة العلاقات مع نظام الأسد".

إذن، على الرغم من هرولة بعض الدول للتطبيع مع الأسد، يمكن للسوريين وبأدوات مختلفة قطع الطريق عليهم والضغط باتجاه عدم تعويم الأسد، وهنا لا نتكلم عن مؤتمرات أو ندوات مستقلة فحسب، إنما يجب على المعارضة الرسمية التحرك أكثر بهذا الصدد والتكامل مع المبادرات المطروحة من النشطاء وأعضاء منظمات المجتمع المدني، وبذلك تكون الإجراءات المتخذة أكثر فاعلية، أما ما دون ذلك فيبقى في فلك الشعارات غير القابلة للتطبيق في الإطار السوري العملي.