استمرار الهجوم الروسي على كييف من جميع الجهات

تسابق القوات الروسية الزمن لحسم معركة كييف قبل وصول الدعم العسكري الخارجي للأوكرانيين، وسط مقاومة شرسة من الجيش الأوكراني والقوات الشعبية الرديفة، الأمر الذي ربما يزيد من أمد الحرب بما يتعارض مع ما ذهبت إليه كل المؤشرات الأولية بأن المواجهة لن تكون أكثر من نزهة خلوية لجنرالات الروس لاستعراض عضلاتهم وقوتهم القتالية.

ومع اليوم الرابع للحرب، دخلت القوات الروسية مدينة خاركيف، العاصمة القديمة، وثاني أكبر المدن في البلاد من حيث المساحة والسكان، بجانب أنها تعد أكبر المراكز الصناعية والثقافية في أوكرانيا، حيث شهدت مناوشات حادة مع الجيش الأوكراني فيما أعلنت وزارة الدفاع الروسية حصار مدينتين أخرتين بالقرب من كييف.

يتزامن هذا التصعيد العسكري مع تصعيد آخر، على مسار العقوبات الغربية، فقد لوحت الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا وألمانيا والمفوضية الأوروبية، بعزل روسيا عن نظام سويفت المالي، فيما أكدت بعض الدول فصلها فعليًا لعدد من البنوك الروسية، الأمر الذي سيكون له تداعيات اقتصادية خطيرة على الداخل الروسي.

الروس يسابقون الزمن

على مدار ساعات مطولة ليلة أمس وصباح اليوم سمع دوي رشقات رشاشة متبادلة بين القوات الروسية ونظيرتها الأوكرانية على حدود العاصمة وبعض المدن المجاورة لها، فيما تناقلت بعض المصادر الإعلامية تفاصيل المشهد الذي يبدو كأنه يسير نحو "حرب شوارع" حقيقية.

وزارة الدفاع الروسية أصدرت أوامرها لجميع قواتها بالهجوم على الاتجاهات كافة، في إشارة إلى صعوبة الحسم الميداني سريعًا كما كان يتوقع الغالبية العظمى من المتابعين للمشهد في ظل الفارق الكبير في القدرات التسليحية والقتالية لجيشي البلدين.

الوزارة في بيان لها قالت إن قواتها تحاصر مدينتي خيرسون (290 ألف نسمة) وبيرديانسك (110 آلاف نسمة) جنوب أوكرانيا، فيما نقلت وكالات الإعلام الروسية عنها تطويقها تمامًا للمدينتين، بجانب سيطرتها على بلدة هينيشيسك ومطار بالقرب من خيرسون.

وتحاول القوات الروسية دخول قلب العاصمة بشتى السبل، مستخدمة في ذلك كل ما لديها من إمكانات عسكرية، مستهدفة البنايات المدنية والعسكرية على حد سواء، برًا وجوًا، فيما نقلت وسائل الإعلام الأوكرانية استهداف الروس للمدنيين وسقوط بعضهم ما بين قتيل وجريح.

وفي إطار القصف الروسي العشوائي، ذكرت وزارة الدفاع الأوكرانية ورئيسة بلدية فاسيلكيف (جنوب غرب كييف) أن البلدة تعرضت لصواريخ روسية، ما أدى إلى اشتعال النيران في خزانات النفط بقاعدة "كلو" الخاصة النفطية، وتصاعد ألسنة النار والدخان في العاصمة، في تطور يعكس استهداف روسي ممنهج للمنشآت النفطة والنووية، كما حدث قبل يومين حين استهدفت مخزنًا لحفظ النفايات النووية في كييف لحظة وجود عمال داخله.

وعلى مدار الساعات الماضية خلت كييف تمامًا من المارة المدنيين فيما تحولت إلى ساحة عسكرية لا يرى فيها إلا العربات العسكرية والجنود، ولا يسمع فيها إلا صوت الرصاص والرشقات وصافرات الإنذار، فيما قبع من تبقى من السكان في الملاجئ لا سيما مترو الأنفاق الذي أغلقته بلدية العاصمة وحولت منشآته كملاجئ للسكان.

مقاومة غير متوقعة

تواجه القوات الروسية مقاومة شرسة من الجيش الأوكراني والتدعيمات التي يتلقاها تباعًا من القوات الشعبية الرديفة، وهي المقاومة التي وصفها مسؤولان أمريكيان بارزان بأنها "أشد مما كان متوقعًا"، حسب تصريحاتهما لشبكة "سي إن إن" (CNN) الأمريكية، مرجعة ذلك إلى أن الدفاعات الجوية الأوكرانية كان أداؤها أفضل مما كان متوقعًا في تقييمات الاستخبارات الأمريكية قبل الهجوم الروسي، الأمر الذي كبد الروس الكثير من الخسائر في الأرواح والعتاد.

وأضاف المسؤولان أن ما يثار بشأن التفوق العسكري الروسي جويًا عار تمامًا عن الصحة، فأنظمة الدفاع الجوي والقوات الجوية الأوكرانية ما زالت تسيطر على مجالها الجوي، لافتين إلى أن الدفاعات الجوية بما فيها الطائرات تعمل بكفاءة وتواصل اشتباكها مع الطائرات الروسية.

يومًا تلو الآخر تزداد المقاومة الأوكرانية شراسة، في مقابل تراجع التمدد الروسي وتعرض جنوده للإحباط، الأمر ربما ينقلب رأسًا على عقب، أو على الأقل تُرسم سيناريوهات جديدة غير السقوط السريع لكييف، إذا صدقت الأنباء الواردة عن حصول الأوكرانيين على دعم عسكري خارجي، سواء من التشيك أم فرنسا كما أعلن الرئيس زيلينسكي، فضلًا عما أعلنته وزارة الدفاع البرتغالية مساء أمس بأنها سترسل مساعدات عسكرية لأوكرانيا بناءً على طلب من كييف، بحسب "رويترز".

الرئيس الأوكراني - في تصريحات له خلال الساعات الماضية تحمل الكثير من الدلالات والتبعات ميدانيًا -، قال إنه سيفتح باب التطوع للأجانب من خارج أوكرانيا، الأمر الذي سيحول المعركة - وفق ما ذهب خبراء عسكريون - إلى حرب شوارع، وهو المستنقع الذي ربما تغوص فيه أقدام الروس بشكل لا يمكن الخروج منه دون إصابات وخسائر فادحة.

تصعيد العقوبات الغربية.. سويفت كلمة السر

في تصعيد ربما يكون الأخطر خلال السنوات الأخيرة لتضييق الخناق على موسكو للضغط من أجل وقف هجماتها ضد أوكرانيا، قررت كل من أمريكا وكندا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا وألمانيا والمفوضية الأوروبية، فصل بنوك روسية من نظام سويفت العالمي لتحويل الأموال، وهي الخطوة التي تحمل الكثير من الأبعاد التي ربما تجمد الاقتصاد الروسي على المدى البعيد (حال تنفيذها فعليًا).

وقالت جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك "سويفت" إنها بصدد الاستعداد خلال الأيام المقبلة لاتخاذ إجراءات قاسية ضد بعض البنوك الروسية كنوع من العقاب بسبب الاعتداء على دولة ذات سيادة، وأضافت الجمعية في بيان لها أنها تتواصل مع "السلطات الأوروبية، لمعرفة التفاصيل المتعلقة بالكيانات التي ستخضع للإجراءات الجديدة، ونستعد للامتثال وفقًا للتعليمات القانونية"، هذا بجانب تجميد أرصدة البنك المركزي الروسي، بهدف منعه من الوصول إلى احتياطاته.

الرئيس الأمريكي في تعليقه على تلك العقوبات التصعيدية قال إن الخيارات المتاحة الآن أمام بلاده في مواجهة روسيا أحد اثنين، إما بدء حرب عالمية ثالثة وإما دفع موسكو ثمن انتهاك القانون الدولي عبر عقوبات قاسية، وهي التصريحات التي تلقى قبولًا لدى الكثير من دول أوروبا وإن كانت بدرجة أقل مع ألمانيا وفرنسا نظرًا لارتباطات وتشابكات معقدة من المصالح المشتركة مع روسيا.

يذكر أن سويفت عبارة عن شبكة عالمية عالية الأمان والدقة والحساسية تربط بين 11 ألف مؤسسة مالية في العالم، تبعث لهم برسائل وطلبات الدفع بأمان، ما يجعل تحركات الأموال العالمية من وإلى الدول تمر بشكل سلس وبضمانات كبيرة، هذا بجانب السرعة والإنجاز وما يعكسه من تعزيز لمصادر الثقة والسمعة العالية.

التلويح بفصل روسيا عن هذا النظام الذي يقع مقر جمعيته في بلجيكا، سيجعل عملية إرسال واستقبال الأموال في البلاد شبه مستحيلة، وهو ما سينعكس بالطبع على الشركات ورؤوس الأموال الروسية، خاصة أن العملة الأكثر انتشارًا في حركة بيع وشراء الغاز الروسي هي الدولار الأمريكي.

الباحثة بمؤسسة Finnish Institute of International Affairs، ماريا شاغينا، في ورقةٍ بحثية لمؤسسة Carnegie Moscow Center العام الماضي، علقت على مسألة فصل روسيا من سويفت قائلة إن هذا الإجراء سيتسبب في قطع كل المعاملات الروسية الدولية ويحدث هزة كبيرة في سعر العملة المحلية، بجانب ما يعكسه من صورة مشوهة للاقتصاد الوطني تدفع الكثير من رؤوس الأموال إلى الخارج، كما أنه سيؤدي إلى انكماش الاقتصاد بنسبة لا تقل عن 5% بحسب التقديرات التي نقلتها وكالة "الأناضول".

ومنذ 2014 حين بدأ التلويح بتلك العقوبة لأول مرة، حاولت روسيا اتخاذ بعض الخطوات لامتصاص تداعيات تلك الصدمة، أبرزها إنشاء نظام مدفوعات خاص بها يعرف باسم نظام SPFS، ويمتلك حاليًّا نحو 400 عميل، وهناك قرابة 20% فقط من التحويلات المالية تتم من خلاله، لكن هذا النظام رغم ما يمثله من تخفيف لمثل هذا الإجراء ليس كافيًا لتجنب الأزمة، نظرًا لوجود بعض الثغرات مثل محدودية حجم الرسائل المرسلة من خلاله كما أن عمليات النظام مقصورةٌ على أيام العمل الأسبوعية.

فتح باب الحوار

كلما طال أمد الحرب لا شك أن ذلك سيحسن من وضعية الأوكرانيين مقابل وضع الروس في مأزق حقيقي، خاصة إذا وصلت التعزيزات العسكرية الخارجية، التي من المرجح أن تجعل من النزهة الروسية معركة شرسة من الصعب حسمها وفق السرديات القديمة.

وبالتزامن مع تلك المعادلة المتشابكة عسكريًا، هناك محاولات موازية لتعزيز الجهود الدبلوماسية وفتح باب الحوار للوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، فبرز على السطح بعض الوساطات الدولية وفي المقدمة منها تركيا وربما قطر بحكم العلاقات الجيدة التي تجمعهما بطرفي النزاع.

موسكو هي الأخرى كشفت عن فتح باب الحوار مع الجانب الأوكراني، لكن يبدو أن الشروط الموضوعة مسبقًا لم تلق قبول الرئيس الأوكراني الذي رفض التفاوض مع الروس في مدينة غوميل البيلاروسية، لافتًا في الوقت ذاته إلى أنه منفتح على الحوار في أماكن أخرى لا تبدي عدوانية تجاه بلاده.

ربما من الصعب تنفيذ قرار عزل روسيا عن نظام سويفت عمليًا في ظل التشابكات الاقتصادية المعقدة بين موسكو وعشرات الشركات الأوروبية، لا سيما داخل ألمانيا وفرنسا، غير أن التلويح بتلك العقوبة التي إن طبقت جزئيًا على بعض البنوك، سيكون لها صداها العاجل على الجدار الاقتصادي الروسي الذي يعاني بطبيعة الحال من شروخ غائرة طيلة السنوات الماضية.

وفي الأخير.. فإن تأخير الحسم العسكري الروسي وإطالة أمد الحرب سيصب في صالح الجانب الأوكراني الذي تزداد وضعيته الميدانية تحسنًا يومًا تلو الآخر، ما قد يحول أوكرانيا إلى مستنقع من الصعب على الروس الخروج منه بسهولة، إلا أن هذا يتوقف على ما تحمله الساعات القادمة من تطورات.