يلبي الغاز الروسي 40 % من احتياجات أوروبا

قالت رئيسة مجلس النواب (البرلمان) الأمريكي نانسي بيلوسي، الأحد 6 مارس/آذار الحاليّ، إن البرلمان يدرس قانونًا لحظر استيراد النفط الروسي، لافتة أن "مشروع القانون سيحظر استيراد النفط ومنتجات الطاقة الروسية إلى الولايات المتحدة ويفسخ العلاقات التجارية الطبيعية مع روسيا وبيلاروسيا" في إطار جهود الضغط على موسكو بسبب الحرب التي شنتها على أوكرانيا منذ 24 فبراير/شباط الماضي.

تزامن ذلك مع تصريح لوزير الخارجية أنتوني بلينكن، لشبكة "سي إن إن" الأمريكية، أعلن فيه عن مشاورت تجريها واشنطن مع حلفائها الأوروبيين بخصوص وقف محتمل لواردات النفط القادم من روسيا بطريقة منسقة، منوهًا إلى استمرار عملية البحث عن بدائل عبر الأسواق العالمية الأخرى.

التصريحان الأمريكيان تناغما بشكل أو بآخر مع الدعوات المتكررة التي اعتاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تكرارها منذ اندلاع الحرب بشأن حث حكومات أوروبا والولايات المتحدة على فرض حظر على النفط والغاز الروسيين، بصفته السلاح الأكثر تأثيرًا مقارنة بالعقوبات الاقتصادية التقليدية الأخرى.

وقد أسفرت الحرب الروسية الأوكرانية عن قفزات جنونية في أسعار الطاقة عالميًا، إذ اقترب سعر النفط من حاجز 130 دولارًا للبرميل، وهي الزيادة الأكبر منذ عام 2014، فيما قفز سعر الغاز الطبيعي الأوروبي بنسبة 62%، وسط توقعات باستمرار تلك القفزات كلما طال أمد الأزمة.

وتلعب روسيا دورًا محوريًا في سوق الطاقة العالمي، إذ تشكل إمداداتها النافذة الكبرى لسد احتياجات أوروبا من الغاز تحديدًا، ليبقي السؤال: هل من الممكن أن ينفذ الغرب تهديداته بحظر النفط الروسي؟ وما تداعيات هذا القرار؟ وأي بدائل يمكن الاعتماد عليها؟ ثم أخيرًا: ما سيناريوهات الرد الروسي على تلك الخطوة في ظل اعتماد موسكو على عائدات النفط كضلع أساسي لاقتصادها الوطني المتأزم بطبيعة الحال؟

الغاز والنفط الروسيان.. ماذا يعنيان لموسكو؟

تعد صناعة الغاز والنفط الركيزة الأساسية للاقتصاد الروسي ومصدر النقد الأجنبي الأكبر، إذ بلغت عائداته عام 2021 قرابة 9.1 تريليون روبل روسي (79 مليار دولار)، فيما ارتفعت بداية العام الحاليّ لتصل إلى 119 مليار دولار، وتمثل تلك الصناعة أكثر من 36% من الموازنة السنوية للبلاد، وعليه توليها موسكو عنايةً فائقةً لما تلعبه من دور إستراتيجي لا سيما في ظل العقوبات الغربية المفروضة على البلاد منذ 2014.

وتعد روسيا ثاني أكبر مصدر للنفط الخام في أسواق العالم، بحصة تتجاوز 10 ملايين برميل يوميًا، كما أنها أكبر مصدر للغاز الطبيعي إذ تمتلك قدرة إنتاجية تقدر بنحو 300 مليار متر مكعب سنويًا، وهو ما أهلها لتكون واحدةً من أكثر اللاعبين المؤثرين في سوق الطاقة العالمي.

ويمثل الغاز الروسي المصدر الأول للكثير من البلدان، إذ يلبي 40% من احتياجات أوروبا، ويوفر 200 مليار متر مكعب من إجمالي ما يستهلكه الأوروبيون المقدر بـ550 مليار متر، وفي السنوات الأخيرة بدأت موسكو في زيادة صادراتها من هذا المورد لدول العالم، لترتفع العام الماضي فقط بنحو 54.2 مليار دولار مقارنة بـ25.7 مليار دولار في 2020.

الأهمية الإستراتيجية للغاز بالنسبة لروسيا لا تتوقف عند حاجز قيمته الاقتصادية فحسب، إذ يمثل ورقة ضغط قوية تساعد بشكل أو بآخر في تنفيذ الأجندة التوسعية الروسية وتحمي مصالحها القومية إن تعارضت مع القوى العظمى

واتبعت شركة غازبروم الروسية سياسة جديدة منذ العام الماضي في إطار مساعيها للتوسع أكثر داخل الأسواق الأوروبية، حيث زادت من صادراتها لدول القارة بنسب تتراوح بين 13 و300%، فزادت إمداداتها لألمانيا بنسبة 41.5% وصربيا 121% وبلغاريا 48.9% واليونان 17.5% ورومانيا بنسبة 332%.

الأهمية الإستراتيجية للغاز بالنسبة لروسيا لا تتوقف عند حاجز قيمته الاقتصادية فحسب، إذ يمثل ورقة ضغط قوية تساعد بشكل أو بآخر في تنفيذ الأجندة التوسعية الروسية، وحماية مصالحها القومية إن تعارضت مع القوى العظمى، وفي الوقت ذاته حائط صد قوي ضد الغضب الدولي إزاء السياسة الروسية الإقليمية والدولية المثيرة للجدل، لذا يعد أحد المرتكزات الأساسية في خريطة السياسة الخارجية الروسية.

يتفق مع هذا الرأي الخبير الألماني المتخصص في الشؤون الروسية، هانيس ادومايت، الذي أشار إلى أن السياسة الخارجية لروسيا تعتمد في الأساس على 3 أركان محورية "عضويتها الدائمة في مجلس الأمن الدولي وامتلاكها للسلاح الإستراتيجي النووي ثم ـ وهذا هو الركن الثالث ـ امتلاكها لمصادر للطاقة" وفق تصريحاته لـ"Dw عربي".

وماذا يعنيان لأوروبا؟

يمثل الغاز الروسي نسبة 44.4% من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز، يليه النرويج بنسبة 17.5% ثم الجزائر بـ8.1% ومن خلفها قطر بنسبة 5.6% ثم من بقية الدول الأخرى بنسبة 24%، وتعد ألمانيا الدولة الأوروبية الأكثر اعتمادًا على روسيا في تلبية احتياجاتها من الطاقة بنسبة 16% تليها إيطاليا بنسبة 12% ثم فرنسا 8% وخلفها تركيا بـ6%.

أما على مستوى مصادر الطاقة الأخرى، فتحصل دول أوروبا على نحو %30 من وارداتها من النفط ومشتقاته من روسيا، بمعدل واردات يومية بنحو 6.5 مليون برميل، فيما تذهب التوقعات إلى ارتفاع تلك النسبة خلال الأعوام المقبلة مع تزايد الاحتياجات الأوروبية للطاقة في ظل التغيرات المناخية الأخيرة وعدم جدوى سياسة التحول للطاقة البديلة حتى اليوم.

هذا الاعتماد شبه الكامل على الغاز الروسي كان خنجرًا في ظهر الأوروبيين عند مناقشة تصعيد حزم العقوبات المفروضة اقتصاديًا على روسيا لإثنائها عن غزوها لأوكرانيا، وهو ما أثار التساؤلات بشأن قدرة وإمكانية تخلي أوروبا عن هذا السلاح الروسي بشكل كبير، وقد تعززت تلك التساؤلات بعد تعليق تشغيل خط أنابيب الغاز (نورد ستريم 2).

السنوات الماضية حاول الاتحاد الأوروبي قدر الإمكان تقليل الاعتماد على الغاز الروسي الذي بدأت موسكو في توظيفه كسلاح ضغط في مواجهة الغرب والمجتمع الدولي

هل يستطيع الغرب التخلي عنهما؟

لم تقع أوروبا قبل ذلك تحت مقصلة الاختبار المسبق بشأن تخليها عن الغاز الروسي لتقييم مدى قدرتها على ذلك، ففي أسوأ الأحوال لم تنقطع الإمدادات الروسية من الطاقة ولم تتوقف دول أوروبا عن الاستيراد نظرًا لحاجة كل طرف إلى ديمومة هذا المسار مهما كانت الخلافات السياسية.

أمام أوروبا خيارات محدودة لتعويض الغاز الروسي، أبرزها النرويج، لكنها وفي أقصى مستويات إنتاجها لم تتجاوز حصتها 17.5% من احتياجات القارة الأوروبية، كذلك الجزائر وقطر وربما مصر ومعها "إسرائيل"، لكن كل ذلك لا يتمتع بالبنية التحتية التي تؤهله لسد العجز المتوقع بعد وقف الإمدادات الروسية.

السنوات الماضية حاول الاتحاد الأوروبي قدر الإمكان تقليل الاعتماد على الغاز الروسي الذي بدأت موسكو في توظيفه كسلاح ضغط في مواجهة الغرب والمجتمع الدولي، ما كان له أبلغ الأثر في تهديد السيادة الغربية وتوسيع دائرة النفوذ الروسي على حساب أوروبا وأمريكا، لكنها المحاولات التي قوبلت بتحديات جسيمة.

معروف أن روسيا تنقل غازها عبر خطوط الأنابيب البالغ عددها 13 أنبوبًا (4 إلى فنلندا وإستونيا ولاتفيا وألمانيا، ومثلهم إلى بيلاروسيا وليتوانيا وبولندا، و5 عبر أوكرانيا إلى سلوفاكيا ورومانيا وهنغاريا وبولندا (أوروبا الشرقية))، وقد ساعد نقله عبر تلك الأنابيب في أن يكون بحالته الغازيه دون الحاجة إلى تسييله.

أما في حال الاعتماد على الدول الأخرى المُصدّرة للغاز الطبيعي المسال (LNG) مثل قطر وأمريكا والجزائر و"إسرائيل" ومصر، فيرى الخبراء أن الأمر يتطلب بنية تحتية مكلفة، من أجل تسييل الغاز أولًا ثم تحويله إلى سائل حتى يمكن نقله عبر الناقلات البحرية، ليتم تفريغه في الموانئ المخصصة وإعادته إلى حالته الغازية مرة أخرى، وهذا الأمر مكلف جدًا وربما يرهق ميزانيات الدول في ميزانيات الطاقة لديها، ما يعطي الغاز الروسي أفضلية نسبية في النقل والسعر.

الأستاذ في معهد الدراسات السياسية في باريس والمتخصص في صناعة الغاز، تييري بروس، يرى أنه من الصعب أن تجد أوروبا بديلًا لكل كمية الغاز التي تستوردها من روسيا، مضيفًا في تصريحاته لـ"الحرة" أنه يمكنها فقط التخلي عن 75% من الواردات الروسية واستبدالها بالغاز الطبيعي المسال، وذلك عبر خط الأنابيب العابر للبحر الأدرياتيكي إلى إيطاليا، وخط أنابيب الغاز الطبيعي العابر للأناضول من خلال تركيا.

ووفق هذا السيناريو سيكون هناك عجز بنحو 25% من الغاز الروسي بما يمثل 10% من احتياجات أوروبا، وهو ما يتطلب بحسب بروس "حرق المزيد من الفحم لتوليد الطاقة وإغلاق بعض الصناعات"، وتلك معضلة أخرى، فمعظم الدول الأوروبية اضطرت في الآونة الأخيرة لغلق محطات الطاقة القديمة لديها التي كانت تعمل بالفحم تحت ضغوط الأهداف المناخية.

مغامرة حظر الغاز الروسي

هناك محوران رئيسيان يجعلان اللعب بورقة حظر التعامل مع النفط الروسي رسميًا مغامرة في الوقت الحاليّ، هذا بجانب استبعادها مرحليًا نظرًا لما يمكن أن يترتب عليها من تداعيات ستلحق الأضرار بالجميع، الأول يتعلق بعدم قدرة الغرب على إيجاد البديل حتى اليوم، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي لفتح قنوات اتصال مع الدول المنتجة للنفط لبحث مدى إمكانية زيادة معدلات الإمدادات المقدمة للدول الغربية.

وعليه فإن لجوء الغرب إلى هذا الخيار حاليًّا سيجمد معظم مدن وعواصم أوروبا ويوقف تشغيل الشريحة الكبرى من المصانع التي تعتمد على الغاز والنفط، هذا بجانب الهزة المتوقعة في أسعار الطاقة العالمية والمرجح أن تصل لأرقام فلكية ليست أوروبا باقتصاداتها الحاليّة مستعدة لها.

أما المحور الثاني فيتعلق برد الفعل الروسي حال اتخاذ تلك الخطوة، فذلك يعني خسارة موسكو ثلث مواردها الاقتصادية، وإحداث حالة من الشلل التام لكل مجالات الحياة، وهنا قد لا يجد الروس بدًا من اللجوء إلى الورقة الأخطر، السلاح النووي، حتى ولو من باب التهديد، لكنه التهديد المحتمل، لإجبار العالم على عدم التمادي في التصعيد ضد موسكو، وهو السلاح الذي له تأثيره بلا شك.

هناك آراء تشير إلى أن الروس خلال السنوات الأخيرة بدأوا في البحث عن بدائل للسوق الأوروبية وذلك عبر فتح أسواق جديدة في آسيا، وفي المقدمة منها الصين وإيران وكوريا، لكن تلك الأسواق من الصعب أن تمتص كل الإنتاج الروسي من الغاز والنفط، فضلًا عن الضغوط التي قد تتعرض لها تلك البلدان بما يؤثر على تعاملها مع مصادر الطاقة الروسية، وهو ما بدأ يلوح في الأفق مؤخرًا وإن كان بشكل نسبي.

هناك تخوف أمريكي آخر يتعلق بالقلق من خروج روسيا وحلفائها من عباءة "البترو دولار" إلى التعامل بالعملات الأخرى، كما يثار مؤخرًا، وهي الخطوة التي إن تمت سيكون لها ارتداداتها العكسية على العملة الأمريكية وربما تهدد النفوذ الاقتصادي الأمريكي بصفة عامة، وهذا عامل ليس بالهين يلجم واشنطن وعواصم أوروبا إزاء المزيد من التصعيد ضد موسكو.

من المحتمل  أن تعيد روسيا النظر في خريطة حلفائها في ظل "الغربلة" التي شهدتها خلال الأيام الماضية، وربما يكون للخليج وإفريقيا وجنوب ووسط آسيا دور محوري في تلك الخريطة مستقبلًا

ما السيناريوهات؟

بدايةً لا بد من الاعتراف بأن الحرب الروسية الأوكرانية وتطوراتها ألقت بظلالها القاتمة على منسوب الثقة بين موسكو والغرب كشركاء متبادلين في سوق الطاقة العالمي، وهو ما سيدفع أوروبا لإعادة النظر في سياستها المعتمدة على الغاز الروسي كمصدر رئيسي، ومنها تنويع مصادر الحصول على الطاقة وتوسيع خطوط إمداداتها من مناطق أخرى بحيث لا تكون في معظمها في أيدي الروس الذين سيبحثون هم كذلك بطبيعة الحال عن أسواق بديلة تعوضهم نسبيًا عن السوق الأوروبي.

وستحاول الدول الغربية تحقيق أهدافها قدر الإمكان من خلال التصعيد ضد روسيا دون المساس بخط الطاقة الأحمر، تجنبًا لأي استفزاز من شأنه أن يقلب الطاولة، هنا وهناك، ويندرج تحت ذلك التحذير من شراء النفط الروسي كأسلوب ضغط غير مباشر يضع موسكو في حرج كبير.

وشهدت السنوات الماضية تحذيرات من بعض العواصم الأوروبية مع واشنطن من خطورة النفوذ الروسي في أوروبا عبر سلاح الطاقة، وكانت هناك محاولات لتقزيم هذا النفوذ قدر الإمكان، ومن المتوقع أن يفرض هذا التحذير نفسه مرة أخرى بعد الأزمة الأخيرة التي كشفت حجم وتأثير أوراق الضغط بيد كل طرف وكيفية توظيفها لصالح أجنداته ومصالحه.

من المحتمل كذلك أن تعيد روسيا النظر في خريطة حلفائها في ظل "الغربلة" التي شهدتها خلال الأيام الماضية، وربما يكون للخليج وإفريقيا وجنوب ووسط آسيا دور محوري في تلك الخريطة مستقبلَا، الأمر ذاته مع واشنطن وعواصم الاتحاد الأوروبي، وهو ما بدأ مبكرًا من خلال الحديث عن زيارات مكوكية لمسؤولين أمريكيين وأوروبيين لبعض عواصم الشرق الأوسط.

إن كان المؤرخون يميلون في تأريخهم للحرب الباردة التي اندلعت نهاية الحرب العالمية الثانية (1941-1945) بأنها انتهت رسميًا بداية تسعينيات القرن الماضي، فإن الأجواء الحاليّة وتطوراتها المتلاحقة تشير إلى أن العالم على أبواب حرب باردة جديدة، لكنها هذه المرة أكثر قسوةً وتطرفًا، ولم تعد تقتصر على أدواتها التقليدية الناعمة، إذ باتت الدبلوماسية الخشنة سمتها الأبرز.