قالت وكالة "رويترز" في 2 مارس/آذار الحاليّ إن المستثمرين الأجانب سحبوا 3 مليارات دولار من مصر خلال الأسبوع الأول من الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في 24 فبراير/شباط الماضي، وسط توقعات بزيادة معدلات خروج الاستثمارات الأجنبية من البلاد خلال الآونة المقبلة.

الوكالة نقلًا عن مصرفيين أشارت إلى شعور المستثمرين الأجانب في مصر بالقلق خشية التأثر المبالغ فيه نتيجة صدمة الحرب، والإجراءات التي قد تضطر الحكومة المصرية لاتخاذها لمواجهة تلك الصدمة، لا سيما في ظل الارتباط الكبير بين السوق المصري من جانب والروسي الأوكراني من جانب آخر، إذ يعتمد الأول على الأخير في الجزء الأكبر من سلته الغذائية، وهو ما قد ينعكس على استقرار وآمان رؤوس الأموال الموجودة في الاقتصاد المصري.

خبراء الاقتصاد أشاروا إلى أن الأزمة التي تحياها البلاد حاليًّا هي امتداد لحزم التحفيز التي أطلقتها الحكومة العام الماضي لمواجهة جائحة كورونا، التي أثرت بشكل كبير على حجم السيولة النقدية ومعدلات الاحتياطي الأجنبي، في مقابل آراء أخرى تشير إلى أن البيئة الاستثمارية الحاليّة في ظل المستجدات الطارئة عليها باتت طاردة لكثير من رؤوس الأموال الأجنبية رغم التقارير الإيجابية الصادرة عن مؤسسات التقييم المالي والاقتصادي العالمية.

وتشير البيانات الصادرة عن البنك المركزي المصري بداية العام الحاليّ إلى تهاوٍ كبير في قيمة الأصول الأجنبية في مصر، التي انخفضت من 186.3 مليار جنيه نهاية سبتمبر/أيلول 2021 إلى 11.8 مليار جنيه في يناير/كانون الثاني من العام الحاليّ، مسجلة أدنى مستوى لها منذ أبريل/نيسان 2017.

يذكر أنه وبينما تتبنى الحكومة المصرية توجهًا لتحويل القاهرة إلى أحد أهم المراكز الاستثمارية في الشرق الأوسط، إذ بشركة "سويفل" للنقل التشاركي تعلن نقل مقرها الرئيسي من مصر إلى دبي، وهو ما أثار العديد من علامات الاستفهام، وأثار الشكوك بشأن الأرقام والبيانات الإيجابية الخاصة بتطور حجم الاستثمار خلال الأعوام الماضية.

ليست الحرب السبب

المتابع للخريطة الاستثمارية المصرية يلاحظ أن موجة هروب الاستثمارات الأجنبية ليست وليدة الحرب الروسية الأوكرانية إنما تعود بشكل ممنهج إلى بداية عام 2019، ففي الربع الأول من هذا العام بلغت قيمة رؤوس الأموال الأجنبية الخارجة من مصر قرابة 2.1 مليار دولار، ارتفعت إلى 2.2 مليار دولار في الربع الثاني، ثم تراجعت في الربع الثالث إلى 1.9 مليار دولار، لكنها عاودت الارتفاع مجددًا مع الربع الأخير لتصل إلى 2.3 مليار دولار.

وفي الأشهر الثلاث الأولى من عام 2020 بلغ حجم الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين الحكومية التي خرجت من البلاد نحو 8.5 مليار دولار، حسبما كشف وزير المالية المصري محمد معيط، في لقاء متلفز له على تليفزيون"العربية" في أبريل/نيسان من نفس العام، ويعد هذا أعلى معدل لخروج الاستثمارات المباشرة منذ عام 2012.

من المتوقع أن يشهد السوق المصري موجة نزوح جديدة لرؤوس الأموال الأجنبية، تقدر بنحو 15 مليار دولار كان يستثمرها الأجانب في أذونات الخزانة

ومع نهاية مارس/آذار 2020 بلغ إجمالي الاستثمارات المغادرة للسوق المصري 10 مليارات دولار بجانب 4 مليارات أخرى من أدوات الدين المصري، ما أدى إلى تراجع واضح في قيمة الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية، ما انعكس بطبيعة الحال على حجم السيولة في السوق.

ثم عاودت التدفقات ارتفاعها مرة أخرى مع بداية الربع الثالث من العام 2020/2021، فقد سجل 1.9 مليار دولار بنسبة ارتفاع بلغت 21.7% وبنهاية يونيو/حزيران من العام نفسه زادت نسبة صافي التدفقات بنحو 25.72%، وفق البيانات التي أعلنتها الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة في مصر.

وبحسب خبراء الاقتصاد فإن السوق المصري من المتوقع أن يشهد موجة نزوح جديدة لرؤوس الأموال الأجنبية، تقدر بنحو 15 مليار دولار كان يستثمرها الأجانب في أذونات الخزانة، كما أشار المحلل الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب، الذي أرجع هذا الهروب، في تصريحاته لـ"بي بي سي" إلى رغبة المستثمرين في الحصول "على مزيد من الربح في دول أوروبية والولايات المتحدة".

شكوك المستثمرين تتصاعد 

بعيدًا عن اختصار ظاهرة الهروب الجماعي لرؤوس الأموال في شعار "الأجواء الساخنة" التي يشهدها العالم، وهي السردية التي يحاول الإعلام الرسمي المصري بشقيه، العام والخاص، الترويج لها، هناك دوافع وأسباب أكثر واقعية ومنطقية بحسب الاقتصاديين أدت إلى تلك الوضعية الحرجة للاقتصاد المصري.

الخبير الاقتصادي، ممدوح الولي، يرى أن البيئة المصرية تفتقد لكثير من أبجديات البيئة المؤسسية كأحد متطلبات مؤشر جاذبية الاستثمار بدول العالم، لافتًا إلى الانتقادات الدولية التي تتعرض لها معايير تلك البيئة المتمثلة في "الاستقرار السياسي وغياب العنف، ومدى المشاركة والمحاسبة وسيادة القانون ومدى السيطرة على الفساد".

واستطرد في مقال له أن العديد من الإجراءات التي اتخذتها السلطات المصرية خلال العامين الماضيين كانت لها تأثيرها الواضح في إثارة الشكوك والمخاوف لدى المستثمرين الأجانب، ومن ثم تحولت إلى محرك قوي لخروج رؤوس الأموال من البلاد، من بينها التعديلات التي أجريت على قانون الطوارئ، التي أعطت الضباط وضباط الصف اختصاصات مأموري الضبط القضائي، بجانب إجازتها للنيابة العسكرية التحقيق في الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام قانون الطوارئ.

تتزامن ظاهرة مغادرة الاستثمارات الأجنبية مع مشاعر فقدان الثقة في قدرة الحكومة على السيطرة على السوق المحلي الذي يعاني من سيولة مفرطة في تموجاته السعرية

هذا بجانب تضييق الخناق على الاجتماعات العامة والاحتفالات والتظاهرات وغيرها من أشكال التجمعات التي تنسحب بطبيعة الحال على الاجتماعات الخاصة، هذا بخلاف التدخل الحكومي في تحديد خريطة السلع المصدرة والمستوردة وحظر بعض المنتجات وتحديد أسعار أخرى، وهو ما يهدد استقرار وحرية تحركات رؤوس الأموال الأجنبية العاملة في السوق المصري ويضعها في مرمى الاستهداف تبعًا لتطورات الأحداث، وكلها "أمور تتنافى مع أسس الاقتصاد الحر وحرية الأسواق" بحسب الخبير المصري.

ومن المؤشرات التي أثارت قلق المستثمرين في الآونة الأخيرة ودفعتهم إلى بيع أصولهم في مصر، الخوف من تقلص قيمة تلك الأصول حال اتخاذ الحكومة قرارًا جديدًا بتعويم آخر للعملة المحلية (الجنيه) وكانت بعض التقارير المنشورة قد نقلت عن بنك الاستثمار "جي بي مورغان" الذي يصدر مؤشرًا للأسواق الناشئة، احتمالية خفض القاهرة لقيمة الجنيه أمام الدولار الأمريكي بنسبة تصل إلى 15% .

بعض الآراء الاقتصادية أشارت إلى أن رفع البنوك المركزية في بعض العواصم الأوروبية والأمريكية لسعر الفائدة، ربما يسيل لعاب المستثمرين في الأسواق الناشئة التي تعاني من وضعية غير مستقرة، لنقل استثماراتهم إليها، خاصة بعد الحديث عن انخفاض أسعار الفائدة في مصر، وهي الميزة التي كان يتمتع بها السوق المصري سابقًا لتعويض ارتفاع المخاطر، ما كان يشجع المستثمرين الأجانب على ضخ استثماراتهم في البنوك المصرية.

السوق المصري.. الحكومة خارج نطاق الخدمة

تتزامن ظاهرة مغادرة الاستثمارات الأجنبية مع مشاعر فقدان الثقة في قدرة الحكومة على السيطرة على السوق المحلي الذي يعاني من سيولة مفرطة في تموجاته السعرية، ما يتوقع أن يكون له صداه الكبير على معدلات التضخم المحتملة، وهي المؤشرات التي تثير قلق المستثمرين، المحليين والأجانب، على حد سواء.

الأيام الماضية، شهدت خريطة أسعار السلع والخدمات تحركات بنسب كبيرة، وصلت في بعض الأحيان إلى أكثر من 100%، وهو ما دفع الشريحة الكبرى من المصريين، محدودي ومتوسطي الدخل، للإحجام عن عمليات البيع والشراء، واللجوء جبرًا إلى خيار التقشف، وسط أحاديث تتناقل عن تراجع قيمة الجنيه وانخفاض معدل الأمن الغذائي للسلع الإستراتيجية وعلى رأسها الخبز (تستورد مصر 80% من وارداتها السنوية من القمح من روسيا وأوكرانيا).

البعض كان يتوقع تدخلًا حكوميًا عاجلًا لطمأنة المستثمرين عبر حزمة من القرارات المالية السريعة التي تعيد الثقة للسوق المصري، إلا أن الأمر جاء عكس عقارب الساعة الاقتصادية، إذ اكتفت الحكومة برسائل التحذير النظرية للتجار من احتكار السلع، وهي الرسائل المعتاد توجيهها مع كل موجة تضخم جديدة، دون التطرق إلى لب المشكلة ومحورها الأساسي.. ما أعطى انطباعا سلبيًا لدى كثير من أصحاب رؤوس الأموال إزاء قدرة السلطات المصرية على حماية استثماراتهم وتوفير البيئة المناسبة لهم، وعليه كان الخيار الأصعب والأسهل في آن واحد، البحث عن أسواق أخرى أكثر استقرارًا وجاذبية.

وفي الأخير.. رغم المؤشرات الإيجابية - ورقيًا - الصادرة عن المؤسسات العالمية بحق الاقتصاد المصري، تبقى الحالة الرخوة التي تخيم عليه نقطة ضعف محورية تهدد استقراره وثقة رساميل العالم به، ما يجعله فوق رمال متحركة قد تهتز من تحت الأقدام في أي وقت، في ظل غياب البنية التشريعية والسياسية والمجتمعية القادرة على إحداث الفارق، ليدفع المواطن وحده ضريبة تلك الأجواء التي أثقلت كاهل البلاد حتى اليوم بأكثر من 137 مليار دولار ديونًا خارجية.