تمتلك الجزائر أوراقًا كثيرةً للرد على الخطوة الإسبانية

تمتلك الجزائر أوراقًا كثيرةً للرد على الخطوة الإسبانية

حملت نهاية الأسبوع الماضي تطورات كثيرة على ضفتي البحر الأبيض المتوسط، مع اعتراف إسبانيا بجدية الموقف المغربي بخصوص الصحراء الغربية والإشادة المغربية بهذا التحول التاريخي في الموقف الإسباني من القضية الأبرز للمملكة.

في المقابل كان وقع الاعتراف الإسباني شديدًا على الجزائر التي تُعتبر طرفًا أساسيًا في أزمة الصحراء، لاصطفافها إلى جانب جبهة البوليساريو التي تنازع المغرب السيطرة على المنطقة وتطالب بالانفصال والاعتراف بما يسمى "الجمهورية الصحراوية".

تحول تاريخي

التزمت مدريد خلال العقود الأربع التي أعقبت خروجها من الصحراء الغربية "الحياد" بخصوص قضية الصحراء، فمصالحها كانت تقتضي منها الوقوف في الوسط حتى لا تُغضب أي طرف من أطراف الصراع.

هذا الحياد كان في بعض الأوقات "حيادًا إيجابيًا" وهو ما أزعج الرباط، من ذلك استضافة مدريد إبراهيم غالي زعيم جبهة البوليساريو، أواخر أبريل/نيسان الماضي، بـ"هوية مزيفة" للعلاج إثر تدهور وضعه الصحي جراء إصابته بفيروس كورونا.

نتيجة ضغوطات عديدة وأملًا في تحقيق مكاسب أخرى، غيرت إسبانيا موقفها من هذه القضية، إذ أقرت أن مبادرة الحكم الذاتي التي يطرحها المغرب هي الأكثر واقعية وجدية ومصداقية لحل النزاع المتواصل منذ أكثر من 40 سنة، ما نتج عنه عودة السفيرة المغربية إلى مدريد، بعد أزمة دبلوماسية امتدت لأشهر.

يُفهم من ردة فعل الجزائر، أننا مقبلون على أزمة دبلوماسية جزائرية إسبانية على خلفية قرار مدريد الأخير

يعد موقف إسبانيا - المستعمر السابق للصحراء الغربية - من قضية الصحراء مهمًا لمختلف الأطراف المتدخلة في الصراع، ذلك أنها تعتبر مؤثرةً تاريخيًا وحاملةً لمسؤولية تاريخية تجاه ملف الصحراء الغربية، لذلك فإن الجميع يأمل في دعم مدريد له والدفاع عن موقفه من القضية، أو في أبسط الأحوال بقاء مدريد على الحياد.

ويدور نزاع منذ عقود بين المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر بخصوص الصحراء الغربية التي تصنفها الأمم المتحدة بين "الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي"، وتقترح الرباط التي تسيطر على ما يقرب من 80% من هذه المنطقة، منحها حكمًا ذاتيًا تحت سيادتها، بينما تدعو البوليساريو إلى استفتاء لتقرير المصير.

ردة فعل الجزائر

تغيير الحكومة الإسبانية موقفها المتعلق بقضية الصحراء الغربية ودعمها موقف الرباط علنًا للمرة الأولى، أنهى الخلاف الدبلوماسي الكبير بين البلدين، لكنه في الوقت ذاته أحدث خلافًا أعمق مع الجزائر التي سارعت بالتنديد بالخطوة الإسبانية.

وفي أول ردة فعل منها على الخطوة الإسبانية، أعلنت الجزائر استدعاء سفيرها في مدريد للاحتجاج على ما وُصف بـ"انقلاب مفاجئ"، وجاء في بيان لوزارة الخارجية الجزائرية نشرته وسائل الإعلام الحكومية، أن السلطات الجزائرية "استغربت الانقلاب المفاجئ والتحول في موقف السلطة الإدارية السابقة بالصحراء الغربية، وعليه قررت الجزائر استدعاء سفيرها في مدريد فورًا للتشاور".

بدوره أعلن مجلس الأمة (الغرفة العليا للبرلمان الجزائري) في بيان له، أن ما وصفه بـ"جنوح موقف الحكومة الإسبانية" "منافٍ للواقع على الأرض وللأعراف ومفاهيم القانون الدولي، الرافضة لكل أشكال الاستعمار والهيمنة، وانحراف مفاجئ وجنوح وانحياز غير مقبول ضد قضية صنفتها الأمم المتحدة كآخر مستعمرة في إفريقيا"، وفق لغة البيان.

كما وصف المجلس القرار بـ"التحول المشبوه الذي تُقايض فيه المصالح بحق الشعوب في تقرير مصيرها، لتعيد إلى الأذهان مواقف متواطئة شبيهة حدثت عام 1975، تتحمل إسبانيا فيها المسؤولية التاريخية والسياسية والمعنوية من أجل محو آثارها الوخيمة على الشعب الصحراوي وعلى المنطقة ككل منذ ما يزيد على أربعة عقود ونصف".

التنديد بالخطوة الإسبانية لم يقتصر على الجانب الرسمي فقط بل ضم الأحزاب أيضًا، فقد هاجمت مجموعة من الأحزاب السياسية الجزائرية إسبانيا، فمن جهتها اعتبرت "جبهة التحرير الوطني" القرار الإسباني "انقلاب ومقايضة مشبوهة بين إسبانيا والنظام المغربي، على حساب قضية شعب يكافح من أجل تحقيق استقلاله".

أما "حركة مجتمع السلم"، فقد وصفت ما حصل بأنه محاولة "للضغط والابتزاز تتعرض له الجزائر من طرف القوى الاستعمارية التقليدية، على خلفية الصدام الدولي بين روسيا والغرب، وهو ما يدعونا إلى الدفع باتجاه عالمٍ متعدِّد الأقطاب، وهشاشة سياسة النأي بالنفس أمام حدة الاستقطاب الدولي الذي لا مكان فيه للضعفاء".

كما استغرب حزب "جبهة المستقبل" الموقف الإسباني إزاء قضية الصحراء، ووصفه بـ"غير المتوقع" وبـ"الخيانة التاريخية"، وأنه "موقف يتعارض مع قرارات الشرعية الدولية"، واعتبرت "حركة البناء الوطني" أن تبني إسبانيا لموقف جديد بشأن قضية الصحراء "يثير الكثير من الاستغراب والدهشة لما سبق أن التزمت به، على الدوام، من حياد، مع المرافعة من أجل حل سياسي عادل تحت إشراف الأمم المتحدة".

توتر العلاقات الإسبانية الجزائرية

يُفهم من ردة فعل الجزائر، أننا مقبلون على أزمة دبلوماسية جزائرية إسبانية على خلفية قرار مدريد الأخير، أزمة من شأنها أن تضع حدًا للهدوء الذي ميّز العلاقة بين البلدين في العقود الأخيرة، ذلك أن الجزائر تنزل بكل ثقلها في موضوع الصحراء.

وقبل نحو أسبوعين من الآن، عبر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيث لنظيره الجزائري عبد المجيد تبون، عن تطلعه لتطوير وتعزيز التعاون في مجال الطاقة مع الجزائر باعتبارها شريكًا موثوقًا، وفق بلاغ صادر عن الرئاسة الجزائرية.

وتُرجم التقارب الكبير بين البلدين في الفترة الأخيرة في مجالات عديدة، كان آخرها ضمانات جزائرية بمد إسبانيا بكميات إضافية من الغاز تحسبًا لانعكاسات الأزمة الأوكرانية على تدفق الغاز الروسي لدول أوروبا، كما استلمت الجزائر من مدريد مطلوبين لديها من المعارضين السياسيين.

يذكر أن الجزائر تزود إسبانيا بالغاز الطبيعي عبر خط أنابيب "ميدغاز" الذي يربط البلدين مباشرة، وتبلغ طاقة الخط 8 مليارات متر مكعب سنويًا، وتجري عليه حاليًّا أشغال توسعة لرفعها إلى 10.6 مليارات متر مكعب سنويًا، خاصة بعد غلق الخط الثاني الذي يصل جنوب المملكة مرورًا بالمغرب الخريف الماضي.

من المرتقب أن تشهد العلاقات الجزائرية الإسبانية في الفترة المقبلة تطورات كبيرة، فمن الصعب أن تقف الجزائر مكتوفة الأيدي

إلى جانب ذلك، تصل إمدادات الغاز المسال الجزائري إلى إسبانيا عبر أسطول مكون من 6 ناقلات تابعة لشركة سوناطراك الحكومية للمحروقات، وقبل 3 سنوات جددت سوناطراك عقود توريد الغاز الطبيعي والغاز المسال مع شركة "ناتورجي" الإسبانية بكميات سنوية تقدر بـ8 مليارات متر مكعب لمدة 9 سنوات.

ويرى الناشط السياسي عبد الله كمال في حديث لنون بوست، أن "القرار الأخير سيؤزم العلاقات بين إسبانيا والجزائر بصورة عميقة رغم نمو هذه العلاقات في الفترة الأخيرة وحدوث توافق ثنائي في العديد من القضايا المشتركة بين البلدين".

بدوره يرى الناشط السياسي حمزة خروبي أن قرار الجزائر باستدعاء سفيرها لدى مدريد للتشاور كما جاء على لسان الخارجية ما هو إلا خطوة أولى لبداية تشنج العلاقات بين البلدين لا سيما أن الجزائر تعتبر المورد الأساسي لنصف احتياجات إسبانيا من الطاقة".

التوجه نحو تحالفات جديدة

هذا الوضع سيؤدي بالجزائر، وفق عبد الله كمال إلى "إعادة مراجعة حساباتها فيما يخص التحالفات الإستراتيجية وقد يؤدي إلى إعادة النظر في موضوع الحدود البحرية في حوض المتوسط كما قد يدفع بها للتقارب أكثر فأكثر مع الصين وروسيا".

يضيف محدثنا "قضية الصحراء الغربية بالنسبة للمنظور الجزائري مبدأية وإستراتيجية في نفس الوقت، لذلك لن تهضم القيادة في المرادية القرار الإسباني بسهولة وستبحث الرد المباشر بخطوات غير متوقعه ويتم دراستها بجدية".

ومن المرتقب أن تسعى الجزائر للتقرب من بعض القوى الإقليمية في إطار سعيها لإيجاد تحالفات غير تحالفاتها التقليدية في ضوء سياساتها الجديدة الرامية لرسم صورة داخلية وخارجية غير التي عهدها عنها المجتمع الدولي.

يتوقع حمزة خروبي أن تتجه الجزائر بعد القرار الإسباني الأخير لتوطيد علاقاتها مع دول أخرى على غرار روسيا والصين، وهذا ما لمسناه من زيارة وزير الخارجية الجزائري رمضان لعمامرة الذي طار على جناح السرعة نحو الصين وفي أجندته 5 ملفات مهمة أبرزها التوافق الصيني الجزائري بشأن الحرب الروسية وقضية الصحراء الغربية.

ويتوقع محدثنا أيضًا أن تتخذ الجزائر موقفًا أكثر صرامة للرد على الخطوة الإسبانية، فالسياسة الخارجية الجزائرية في الآونة الأخيرة أصبحت تتخذ مواقف حاسمة في مختلف القضايا الإقليمية على غرار موقفها الأخير مع المغرب وفرنسا.

ويسجل للسلطات الجزائرية انفتاحها أكثر من ذي قبل على شراكات مع دول جديدة على غرار تركيا والصين وروسيا، وهو ما يفسر ارتفاع حجم الاستثمارات التركية في الجزائر لتلامس سقف 5 مليارات دولار، متجاوزة الاستثمارات الفرنسية.

من المرتقب أن تشهد العلاقات الجزائرية الإسبانية في الفترة المقبلة تطورات كبيرة، فمن الصعب أن تقف الجزائر مكتوفة الأيدي، خاصة أنها الآن في موقف قوة ولها أن تستغل حاجة الدول الغربية للغاز، لفرض شروطها على الغرب ونسج تحالفات جديدة في غمرة الحرب الروسية الأوكرانية.