الفساد وسوء التسيير وراء تأزم الوضع في موريتانيا

الفساد وسوء التسيير وراء تأزم الوضع في موريتانيا

لا نُبالغ إذا قلنا إن موريتانيا هي بلد المفارقات، ففي الوقت الذي تزخر فيه البلاد بثروات باطنية كبرى، يصرح رئيسها بأن بلاده فقيرة وشعبها يواجه الموت جوعًا، بالتزامن مع طلب حكومته التي تسلمت الحكم قبل نحو سنتين ونصف المساعدة من صندوق النقد الدولي علّها تستطيع التخفيف من حدة الأزمة. هنا لنا أن نتساءل عن السبب الذي يقف وراء هذه المفارقة وما الذي أوصل بلدًا لا يتعدى عدد سكانه 4 ملايين نسمة إلى هذه الدرجة من "البؤس الاجتماعي"؟

فقر مدقع

بدا الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني، في جلسة له مع ممثلين عن الجالية الموريتانية في إسبانيا الأسبوع الماضي، صريحًا إذ قال: "دولتكم تعرفها الأمم المتحدة، وقد صنفتها دولة فقيرة.. دولتكم لا يمكن لأي كان أن يقف عند إشارة المرور إلا وتدفق عليه المتسولون، وهم لا يفعلون ذلك ترفًا، وإنما بسبب الجوع".

تابع ولد الغزواني حديثه قائلًا: "هناك أماكن لا يجد سكانها مياهًا للشرب، كما أنهم يعيشون في الظلام، لأنهم دون كهرباء، وحتى في المدن التي توجد فيها خدمة الكهرباء فإنها تتقطع، فكيف نقول إن دولتنا دولة غنية، وليست بحاجة لأي شيء، هذا بعيد من الواقع".

تبلغ نسبة الفقر في موريتانيا 31%، أي أن قرابة ثلث الشعب لا يجد قوت يومه، فيما ترتفع نسبة البطالة في البلاد خاصة بين صفوف الشباب وفي القوى العاملة النشطة بشكل عام، ويبلغ عدد السكان المحتاجين للعمل 443 ألف عاطل عن العمل، ما يمثل 36.9% من السكان، وهي من بين النسب الأعلى في العالم.

تشكل الثروة السمكية ربع ثروة موريتانيا الطبيعية، إلا أنها تتعرض للاستغلال المفرط من الشركات الأجنبية

كما أن 44.2% من الشباب الموريتاني دون سن الخامسة والعشرين من العمر لم يتلقوا تعليمًا أو تكوينًا مهنيًا، ما يجعلهم يواجهون مشاكل كبرى للحصول على فرص عمل تناسب مؤهلاتهم التعليمية والمهنية، ما يزيد متاعبهم.

من مظاهر البؤس الاجتماعي في موريتانيا، وجود نحو 600 ألف شخص يعانون الجوع، فيما يعاني طفل من بين كل 5 أطفال من سوء التغذية، ونهاية شهر فبراير/شباط الماضي، قال برنامج الغذاء العالمي إن أكثر من 10.5 مليون شخص في منطقة الساحل التي تضم موريتانيا يعانون الجوع، موضحًا أن "1.1 مليون من بينهم يوجدون في مرحلة طوارئ حرجة".

من المؤشرات الواجب ذكرها أيضًا أن متوسط الدخل السنوي للمواطن الموريتاني يعد من أقل المتوسطات عالميًا ولا يتجاوز 1670 دولارًا لسنة 2020، أي أن المواطن الموريتاني من بين الأكثر فقرًا على المستوى العربي والإفريقي، وقد سبق أن صنفت الأمم المتحدة موريتانيا من الدول الفقيرة التي يعيش سكانها حياة خالية من مظاهر الحضارة الحديثة.

ليس هذا فحسب، إذ تعاني البلاد أيضًا من ارتفاع الديون، فتجاوزت نسبة الدين الخارجي العام من إجمالي الدخل القومي، حاجز 100% خلال السنوات الماضية وتظهر قاعدة بيانات البنك الدولي أن إجمالي رصيد الدين الخارجي المستحق على موريتانيا، انتقل من ملياري دولار في 2008 إلى 5.21 مليارات دولار عام 2018.

تُصنف موريتانيا ضمن الدول الأقل سعادة في العالم، إذ حلت في المرتبة 133، وجاء تحديد مستوى السعادة فيها وفق عدة مؤشرات من أبرزها متوسط العمر المتوقع للسكان ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي وتفشي الفساد وثقة الجمهور ومستوى التضامن والحرية الفردية.

تظهر مظاهر البؤس والفقر أيضًا في البنية التحتية للبلاد، فأغلب مدن وقرى موريتانيا ما زالت بدائية، حتى العاصمة نواكشوط، إذ تغيب عن البلاد الطرقات السيارة والجسور والمنشآت الحيوية وتحضر البيوت القصديرية البدائية، التي يتطلع ساكنوها لربطها بالكهرباء والماء الصالح للشراب دون أن يفكروا في شبكات الصرف الصحي.

ثروات كبيرة

مشهد الفقر والبؤس يقابله مشهد آخر مغاير تمامًا له، وهو انتشار الثروات في أغلب مناطق موريتانيا على رأسها الذهب الذي بدأ استخراجه في البلاد سنة 2005 مع إنشاء شركة مناجم النحاس الموريتانية، وهي الشركة التي يصل متوسط إنتاجها السنوي من الذهب إلى 50 ألف أونصة، حسب بيانات الشركة.

كما تعمل شركة "كينروس" الكندية أيضًا في هذا المجال، وتستغل منجم "تازيازت" الواقع في شمال البلاد، وتقوم الشركة باستخراج الذهب من صخور "تازيازت" بعد المعالجة، وقد وصل إنتاجها في أول عام من الاستغلال إلى 150 ألف أونصة من الذهب، فيما تجاوزت قيمة أعمالها مليار دولار، 65% منها تمثل أرباحًا للشركة، وتقول الشركة إن انتاجها لسنة 2019 قد بلغ 391 ألف أونصة من الذهب، أي ما يعادل 11 طنًا، بزيادة قدرها 56% عن عام 2018، لكن الحكومة الموريتانية تحصل على نسبة 3% فقط من الإنتاج.

وتقدر اللجنة الموريتانية للشفافية في الصناعات الاستخراجية، احتياطي موريتانيا من الذهب بـ25 مليون أونصة، وتضم البلاد 900 مؤشر للتعدين والمعادن الموثقة، ما يؤهلها لأن تكون لديها قدرة كبيرة لتصبح لاعبًا رئيسيًا لإنتاج المعادن في العالم.

إلى جانب الذهب تمتلك موريتانيا ثروةً هائلةً من الحديد، وتمكنت البلاد من تصدير 12.5 مليون طن من الحديد الخام سنة 2020 ما يمثل زيادة معتبرة مقارنة بمبيعات سنة 2019 وفق المدير العام للشركة الوطنية للصناعة والمناجم في موريتانيا، المختار ولد أجاي.

تعتبر موريتانيا من أكبر مصدري خام الحديد في العالم بفضل وجود مناجم في شمال البلاد تم اكتشافها واستغلالها من شركات فرنسية في خمسينيات القرن الماضي قبل تأميمها سنة 1973، ويبلغ حجم احتياطات موريتانيا من الحديد 1.5 مليار طن.

كما تجاوز إنتاج النحاس في موريتانيا سنة 2016، 31 ألف طن، ويبلغ احتياطي البلاد من هذا المعدن 28 مليون طن، كما يبلغ احتياطي موريتانيا من الكوارتز 11 مليون طن، ومن الجبس 100 مليون طن، فيما يبلغ احتياطيها من الملح 245 مليون طن، وفق وزير المعادن والطاقة والبترول السابق محمد سالم ولد البشير.

إلى جانب ذلك، يوجد بموريتانيا واحد من أغنى الشواطئ العالمية بالأسماك والأنواع البحرية الأخرى وذلك على امتداد قرابة 800 كيلومتر على المحيط الأطلسي، وعرف إنتاج السمك طفرةً كبيرةً بين سنة 2009 وسنة 2016 من 90 ألف طن إلى 773 ألف طن سنة، أي بزيادة قدرها 759%.

بحسب أرقام وزارة الصيد، تحوي مياه موريتانيا الإقليمية نحو 300 نوع من الأسماك، بينها 170 نوعًا قابلًا للتسويق عالميًا، وتعد موريتانيا أكبر مُصدّر عربي للأسماك بنحو 44% من إجمالي الصادرات العربية، ويصدر 95% من مجموع إنتاجها من الأسماك للاتحاد الأوروبي.

وتستخرج موريتانيا نحو 840 مليون طن من الأسماك سنويًا ذات جودة تجارية عالمية، ما مكنها من امتلاك 18% من إنتاج الأسماك العربية، وتمثل الأسماك نحو 58% من صادرات موريتانيا، كما أن عائدات بيعها تمثل 10% من الناتج المحلي القومي و29% من الميزانية ونحو نصف مصادر العملة الصعبة.

تعاني موريتانيا أيضًا من سوء تسيير المؤسسات والمال العام، وذلك من خلال اتباع المحسوبية والمحاباة في التشغيل وإدارة الشأن العام

تشكل الثروة السمكية ربع ثروة موريتانيا الطبيعية، إلا أنها تتعرض للاستغلال المفرط من الشركات الأجنبية على غرار الشركات الأوروبية والصينية في غياب سياسات منهجية فعالة في الصفقات العمومية الموقعة من هذه الشركات الأجنبية.

كما تمتلك موريتانيا ثروات حيوانية وفيرة ومتنوعة، بمساحات رعوية شاسعة، ما مكن البلد من تحقيق الاكتفاء الذاتي من المنتجات الحيوانية، وتقدر الثروة الحيوانية في موريتانيا بأكثر من 22 مليون رأس (إبل وبقر وماعز وضأن) وتتزايد هذه الثروة بشكل مستمر بنسبة تفوق 3.5% سنويًا.

وتقدر الأراضي الصالحة للزراعة في موريتانيا بأكثر من 500 ألف هكتار، منها أكثر من 135 ألف هكتار من الأراضي القابلة للري على الجانب الموريتاني من نهر السنغال، لم يستصلح منها حتى الآن إلا 46 ألف هكتار، وتتنوع الزراعة في هذا البلد العربي بين الحبوب والأرز، بالإضافة إلى قصب السكر والخضراوات.

هذا دون الحديث عن النفط والغاز المكتشف حديثًا، إذ عرفت موريتانيا في السنوات الأخيرة حركية كبيرة في مجال الطاقة، نتيجة الاكتشافات المهمة للغاز في أراضيها وحدودها البحرية التي من شأنها أن تؤهل هذا البلد العربي الواقع غرب القارة الإفريقية لدخول نادي كبار منتجي الغاز الطبيعي في العالم.

فساد وسوء تسيير

رغم كل هذه الثروات، فإن موريتانيا تعيش في فقر مدقع ويعود ذلك إلى انتشار الفساد في البلاد حيث تعاني جميع القطاعات من تفشي هذه الظاهرة الخطيرة، حسبما تشير إليه العديد من التقارير الصادرة في موريتانيا، أو عن بعض منظمات محاربة الفساد في العالم وهو ما يعرقل أي جهود تنموية داخل موريتانيا.

يعود تفشي ظاهرة الفساد بهذه الصورة داخل أروقة أجهزة الدولة إلى السياسات الفاشلة للأنظمة المتعاقبة على البلاد، لكن معدلات الفساد زادت خلال السنوات العشرة التي حكم فيها الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز (2009-2019).

تحول الفساد الذي يقوض أسس الديمقراطية ودولة القانون الذي يحد من جودة الخدمات العمومية ويربك حياة المواطن، منذ وصول الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز للسلطة، إلى كارثة بل إلى نمط للحكم، ما جسدته القضايا المرفوعة ضده.

وتحتل موريتانيا المرتبة 140 عالميًا من أصل 180، في مؤشر "مدركات الفساد" لسنة 2021، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، إذ أحرزت 28 نقطة من أصل 100 نقطة، في ظل ارتفاع منسوب الفساد في البلاد وعدم جدية الحكومة في التصدي له.

إلى جانب الفساد، تعاني موريتانيا أيضًا من سوء تسيير المؤسسات والمال العام، وذلك من خلال اتباع المحسوبية والمحاباة في التشغيل وإدارة الشأن العام، نتيجة خضوع الدولة لسلطة القبلية واللوبيات التي تشترك في المنافع الاقتصادية.