على مدار أكثر من ستين عامًا كانت المقاومة الفلسطينية تجتهد في تسليح أبنائها وتدريبهم على استخدام أحدث أنواع الأسلحة وعندما تطور الأداء لدى المقاومة أصبح من أحد أهم أولوياتها هي التصنيع.

وفي السنوات الأخيرة شهد أداء المقاومة الفلسطينية تطورًا سريعًا وملحوظًا في صناعة الأسحلة، بدايةً من الأسلحة الخفيفة وصولاً للصواريخ  بعيدة المدى.

وعند تلك اللحظة التي بدأ يظهر للصراع الفلسطيني الصهيوني المسلح طرفان بدلاً من الطرف الصهيوني الذي كان دائمًا من يوجه الضربات والطرف الفلسطيني يتلقاها، وبزيادة القدرات العسكرية للمقاومة الفلسطينية في غزة بدأ التضييق يزداد من الجانبين المصري والإسرائيلي، لكن في المقابل كانت الأنفاق في ازدياد سواء من ناحية العدد أو المسافة التي يقطعها المقاوم تحت الأرض لينفذ عمليته والتي وصلت إلى الداخل الإسرائيلي.

وكما هو الحال في كل المعارك المسجلة، البقاء دائمًا للأقوى والأسرع في الفعل ورده، لكن المقاومة الفلسطينية على مدار السنوات القليلة الماضية أثبتت أن قواعد اللعبة يمكن أن تتغير بتغيير استراتيجية الحرب، فكان لها السبق في استخدام استراتيجيات الأنفاق وبدأت في تصنيع الأسلحة بدلاً من شرائها، بل ودخلت أيضًا في خضم الحرب النفسية والإعلامية فكانت تحدد ميعاد تنفيذ العملية وتنشر فيديوهات لعمليات القتل والخطف لتكون بذلك ولأول مرة من صناع الخبر لا من سامعيه.

إلا أن الاعتداءات الأخيرة على المسجد الأقصى والتي وصلت لمحراب الأقصى لأول مرة منذ عام 1967 جعلت القضية الفلسطينية تتخذ شكلاً آخر من أشكال الصراع في القدس، فبدأ شباب الأقصى بتغيير قواعد المعركة وبدلاً من البحث عن أسلحة ابتكروا أسلحة جديدة في متناول يد الجميع لتشهد القدس خلال الأيام الماضية عمليات فلسطينية نوعية لم تشهد لها مثيل منذ سنوات عديدة.

وبدأت اقتحامات المسجد الأقصى آواخر أكتوبر الماضي من طرف بعض المتطرفين الصهاينة كذلك عدد من نواب الكينيست الإسرائيلي على رأسهم نائب رئيس الكنيست "موشيه فيغلين".

واختلفت ردود الأفعال من الجانبين على حالات الاقتحام؛ فمن الجانب الإسرائيلي كانت هناك آراء بضرورة تلك العمليات وأهميتها في تهويد القدس، إلا أن هناك بعض الآراء الأخرى التي رأت أن ما يحدث من قبل أعضاء الكنيست ما هو إلا دعاية رخيصة ستكون سببًا في إشعال فتيل حرب دينية في القدس.

وكان من ضمن من يرفضون عمليات الاقتحام وزير الخارجية الإسرائيلي "أفيغدور ليبرمان" الذي وجه بدوره انتقادات شديدة اللهجة إلى نواب الكنيست الإسرائيلي الذين قاموا باقتحام المسجد الأقصى واصفًا عمليات الاقتحام بأنها "قلة حكمة"، كان ذلك في حديثه مع الإذاعة الإسرائيلية العامة في السادس من الشهر الجاري.

كذلك كان الحال عند الفلسطينيين فقد رابط رجال القدس في المسجد الأقصى لمحاولة منع أي عملية اقتحام أخرى إلا أن بعض الشباب كان يرى أنه من الأفضل تحويل ساحة المعركة إلى مكان آخر وإبعادها عن ساحات المسجد الأقصى المبارك فخرجت حملة "داعس" لتكون أول حملة من نوعها في القدس وتكون طريقة المقاومة الأكثر رعبًا للجانب الصهيوني في الآونة الأخيرة.

والحملة تهدف إلى قتل المستوطنيين الصهاينة عن طريق "الدهس" بالسيارات، وجاءت التسمية لأن الفلسطينيين عادة ما يقولون "دعس" بدلاً من "دهس"، فصارت الحملة "داعس" كنوع من أنواع السخرية على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق و الشام (داعش).

وقد بدأت العمليات على أرض الواقع في القدس ثم في الخليل قبل بلورتها على مواقع التواصل الاجتماعي في شكل الحملة الحالي، فالعمليات بدأت على يد الاستشهادي "إبراهيم العكاري" في القدس بقتل مسطونيْن وإصابة ثلاثة عشر.
http://www.youtube.com/watch?v=GxRECq0Ed3s

ثم تلتها عملية أخرى في الخليل أسفرت عن إصابة ثلاثة.
http://www.youtube.com/watch?v=5VqcB0x8eUs

وقد وصل الصراع إلى أشده حتى كانت العملية الكبرى يوم أمس، حيث دخل شابان فلسطينيان كنيسًا يهوديًا بالسكاسين والبلطات وقاما بالهجوم على الحاخامات؛ وأسفرت العملية عن مقتل خمسة إسرائيلين و أهمهم كبير الحاخامات في المعبد وأصيب أربعة آخرون.

وقد لاقت عملية غسان محمد أبو جمل (27 عامًا) وعدي عبد أبو جمل (22 عامًا)، وهما أبناء عمومة من بلدة جبل المكبر بالقدس المحتلة ترحيب كافة الفصائل الفلسطينية وسط تنديد من الرئيس محمود عباس للحادث الذي وصفه بالإرهابي مستنكرًا في الوقت نفسه عمليات الاستفزاز اليهودية وعمليات اقتحام ساحات الأقصى.

أظهرت العملية اختلافًا في رد الفعل الرسمي الإسرائيلي، فقد أشار "بنيامين نتنياهو" رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى أن الحادثة جاءت نتيجة تحريض من الرئيس محمود عباس، وقد شارك نتنياهو في رأيه عدد كبير من كبار الوزراء في الحكومة الذين أدلوا بتصريحات في نفس السياق.

إلا أن رئيس جهاز الأمن العام (شاباك) "يورام كوهين" لم يحمل الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" مسئولية الحادث، فيما أشار إلى أن عملية "حجيج النواب" إلى حرم الأقصى قد أثرت سلبيًا في تفاقم الأزمة الراهنة، كما دعا في حديثه خلال جلسة عقدتها لجنة الشئون الخارجية والأمن في الكنيست الإسرائيلي؛ مما أظهر الخلاف بين البيانات الرسمية ليظهر ذلك الخلاف واضحًا في الصحف المحلية الإسرائيلية ويكون العنوان الأول في صحيفة معاريف العبرية "رئيس المخابرات ضد نتنياهو".

ويُظهر هذا التضارب عند الجهات الرسمية الإسرائيلية مدى الأزمة والارتباك في القدس وعدم قدرتها على السيطرة على الوضع رغم الاستنفار الأمني المفروض في المدينة وحالات التأهب الشديدة.

وقد خرجت دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي بمنع العرب من قيادة السيارات خوفًا من استغلالها في عمليات دهس جديدة، إلا أن عملية الأمس جعلت من الأمر أكثر خطورة على الجانب الصهيوني، فمنع السيارات ممكن إلا أن السكاكين متاحة في كل منزل.

وقد تباينت ردود الأفعال على مواقع التواصل الاجتماعي لكل من دعوات الدهس والطعن:

الآن تُشكل كل من "داعس" و"طاعن" الخطر الأكبر على أمن إسرائيل من الداخل، فالحرب تلك المرة ليست بأسلحة والمنفذون الآن ليسوا من أصحاب السوابق الأمنية أو أعضاء التنظيمات الأمنية، فإسرائيل لن تستطيع منع شاب بات ليلته وقد قرر صباحًا تنفيذ عملية "دعس" أو "طعن" لمستوطنين.