تقول القوات الروسية إنها سيطرت على معظم مدينة ماريوبول (جنوب شرق أوكرانيا)

تسارع القوات الروسية الخطى لإحكام قبضتها على مدينة ماريوبول الأوكرانية (جنوب شرق)، حاشدة لأجل هذا الهدف كل قواتها وعتادها، وصل الحال إلى استخدام الأسلحة الكيماوية المحرمة دوليًا، في محاولة لتغير قواعد اللعبة ميدانيًا بعد فشلها في إخضاع العاصمة كييف التي أبدت مقاومة غير متوقعة لموسكو.

وقالت وزارة الدفاع الروسية إنها قضت على المقاومة الأوكرانية في المدينة، وأنه تم السيطرة على منطقة ماريوبول الحضرية بالكامل، فيما بقى المقاتلون الأوكرانيون الموجودن هناك حاليًا تحت الحصار، متعهدة بالحفاظ على حياتهم شريطة تسليم أسلحتهم ابتداءً من الساعة السادسة صباحًا بتوقيت موسكو (03:00 بتوقيت غرينتش) يوم الأحد، حسبما نقلت وكالة "تاس" الروسية.

فشل روسيا في إسقاط كييف في ظل الدعم الغربي المستمر للقوات الأوكرانية التي كبدت الروس خسائر فادحة في الأرواح والعتاد العسكري، دفع موسكو لتغيير خطتها العسكرية تزامنًا مع تشديد العقوبات الاقتصادية التي فرضتها أمريكا وأوروبا، لتتحول الوجهة خلال الأسبوعين الماضيين صوب إقليم الدونباس، تحديدًا في الجنوب الشرقي من البلاد حيث ماريوبول.. فما أهمية تلك المدينة؟ ولماذا تسعى روسيا للسيطرة عليها في أسرع وقت؟

محاصرة ماريوبول

تكثف القوات الروسية من هجماتها خلال الأيام الماضية على جميع أنحاء المدينة الساحلية، فيما أشارت وزارة الدفاع أن القوات الأوكرانية فقدت أكثر من أربعة آلاف من قواتها في العمليات الأخيرة، فيما استسلم 1464 جنديًا أوكرانيًا، ولم يتبق إلا 2500 مجند داخل أراضي مصنع آزوفستال للصلب.

البيانات الواردة من موسكو تشير إلى القضاء على معظم القوات الأوكرانية الموجودة فيما تواصل القوات الروسية عروضها المقدمة للجنود الأوكرانيين المتبقين داخل المصنع بالاستسلام، وحسبما جاء في بيان وزارة الدفاع فإن العرض المقدم من روسيا للجنود في أزوفستال سيعاد بثه كل نصف ساعة لحثهم على الاستسلام وإلقاء أسلحتهم، دون اشتراط العودة إلى قيادة القوات المركزية في كييف للحصول على الإذن.

تمثل ماريوبول العمق الإستراتيجي الأهم لأوكرانيا في الجنوب والجنوب الشرقي، كونها المنفذ الأبرز والوحيد على بحر أزوف والرئة الاقتصادية التي تمنح البلاد قيمة ومكانة اقتصادية مهمة

من جانبه أقر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بأن الوضع في ماريوبول خطير للغاية وأن الروس أحكموا سيطرتهم شبه الكاملة على المدينة ولم يتبق إلا جزء صغير منها، غير أنه أكد أن الأمور لم تحسم بعد وأن الحكومة على اتصال مستمر مع القوات المتمركزة هناك للحث على مواصلة القتال والدفاع عن المدينة بأي ثمن، مضيفًا "جنودنا محاصرون والجرحى محاصرون. هناك أزمة إنسانية.. ومع ذلك الرجال يدافعون عن أنفسهم".

وفي السياق ذاته أعلن رئيس بلدية تروستيانتس الأوكرانية يوري بوفا، أنه قد عثر على بقايا أسلحة كيماوية وغاز السارين استخدمتها القوات الروسية في عملياتها ضد قرية "بيلكا" بمدينة سومي شرقي البلاد، مضيفًا خلال مشاركته في برنامج عبر "راديو أوكرانيا" أن دائرة الأمن الأوكرانية تعمل حاليًّا على تلك المواد، مرجحًا أن يكون الروس قد أرادوا استخدام تلك المواد المحرمة دوليًا لضرب كييف وبولتافا ومدن أخرى، على حد قوله.

أهمية إستراتيجية

تمثل ماريوبول العمق الإستراتيجي الأهم لأوكرانيا في الجنوب والجنوب الشرقي، كونها المنفذ الأبرز والوحيد على بحر أزوف، والرئة الاقتصادية التي تمنح البلاد قيمة ومكانة اقتصادية مهمة وتتحكم بشكل كبير في شريان التجارة الخارجية للشعب الأوكراني بأكمله.

ورغم صغر المدينة، فهي العاشرة من حيث الحجم، فإنها تمثل نقطة محورية في خريطة أوكرانيا الاقتصادية واللوجستية على حد سواء، فهي قلعة صناعة الحديد والصلب في البلاد ومرتكز ثروتها السمكية الهائلة، وأحد روافد الدخل القومي الحيوية التي تنعش خزائن أوكرانيا سنويًا.

الأهمية الجيوسياسية الإستراتيجية للمدينة جعلتها مطمعًا للروس طيلة العقود الماضية، إذ كانت واحدة من أهم الوحدات الإدارية للاتحاد السوفيتي قديمًا، وبعد التحرر من القبضة الروسية عام 1932 لم تسلم المدينة من التحرش العسكري الروسي بين الحين والآخر.

ومنذ اندلاع الحرب الروسية الحاليّة في 24 فبراير/شباط الماضي تحولت ماريوبول إلى هدف إستراتيجي للقوات الروسية المقاتلة داخل الأراضي الأوكرانية، غير أن التركيز على العاصمة كييف سحب البساط من تحت الأقدام، ومع تغير التكتيك الروسي في إدارة المعركة وفق المعطيات الميدانية عادت المدينة للأضواء مرة أخرى لتحتل المكانة الأبرز الآن في قائمة الأولويات الروسية في أوكرانيا.

السيطرة على ماريوبول سيعطي الروس دفعة معنوية قوية، ويعالج نسبيًا الآثار السلبية المترتبة على فشل السيطرة على كييف

لماذا الإصرار الروسي على إسقاطها؟

لوجستيًا.. تعد ماريوبول حجر العثرة الوحيد والعائق أمام القوات الروسية في تقدمها باتجاه الشمال من شبه جزيرة القرم، إذ تبعد تقريبًا 10 كيلومترات فقط عن المناطق التي يسيطر عليها الانفصاليون المدعومون من روسيا، ومن ثم فإن السيطرة عليها سيُمكن الروس من توحيد الانفصاليين في شرق أوكرانيا مع قواتها في القرم.

أما على الجانب الاقتصادي فإن سقوط المدينة يعني فقدان أوكرانيا 80% تقريبًا من ساحلها على البحر الأسود، ما يعني خنق البلاد وعزلها اقتصاديًا، لما تمثله من أهمية كبيرة في ظل تعدد الأنشطة الصناعية والتجارية التي تتميز بها، وهو ما تخطط له موسكو خلال الأيام القادمة، لقطع شريان الاتصال مع العالم الخارجي، اقتصاديًا وعسكريًا، بما يغير قواعد اللعبة على أرض الواقع.

سياسيًا.. فإن السيطرة على ماريوبول سيعطي الروس دفعةً معنويةً قويةً، ويعالج نسبيًا الآثار السلبية المترتبة على فشل السيطرة على كييف، كما سيدفع القوات الروسية إلى بذل المزيد من الجهد بعد حالة الإحباط التي خيمت بداية الحرب بسبب التساقط غير المتوقع للجنود على أيدي القوات الأوكرانية.

وفي الجانب المقابل فإن سقوط المدينة الحيوية بالنسبة للأوكرانيين سيكون صدمة كبيرة من المتوقع أن يكون لها صداها على القوات في العاصمة، لا سيما حال تسليم القوات المتبقية في مصنع آزوفستال للصلب، بما يمهد الطريق إلى التفكير في كييف مرة أخرى بعد الانسحاب من حدودها في ظل المقاومة الشرسة.

جانب نفسي آخر يلعب الروس على تعزيزه من خلال رسالة التدمير التي يسعون لتوصيلها لبقية المدن الأوكرانية، فتحويل ماريوبول إلى مدينة ركامية، لم يتبق منها إلا أطلال وأشلاء، في استدعاء تاريخي لذكريات غروزني وحلب، فإنه من شأنه أن يزرع الهلع في نفوس سكان المدن الأخرى، ما قد يدفعهم إلى النزوح والهجرة، بما يُفقد القوات الأوكرانية رافدًا كبيرًا من أذرعها القتالية فيما عرف بـ"الجيش الرديف" من أبناء وسكان المدن والمناطق.

عمدة مدينة ماريوبول الأوكرانية، فاديم بويشينكو، كان قد حمّل القوات الروسية مسؤولية مقتل أكثر من 10 آلاف مدني في المدينة منذ بدء الحرب، لافتًا في حديث صحفي له أن الجثث مغطاة بالسجاد في شوارع ماريوبول، متهمًا موسكو بعرقلة وصول القوافل الإنسانية إلى المدينة لأسابيع "من أجل إخفاء المذبحة التي ارتكبتها في المدينة"، حسبما نقلت وكالة "أسوشيتيد برس".

وكان الرئيس الأوكراني قد كشف عن حجم الخسائر التي تعرضت لها قواته مع دخول الحرب يومها الثاني والخمسين، كاشفًا أن ما بين 2500 و3 آلاف جندي أوكراني قتلوا وأصيب نحو 10 آلاف آخرين خلال الحرب الجارية، بحسب تصريحاته لشبكة CNN الأمريكية.

لا شك أن سقوط ماريوبول في أيدي الروس سيغير كثيرًا من ملامح المعادلة الميدانية، فيما يتوقع أن تبدأ مرحلة جديدة من الحملة العسكرية الروسية خلال الأيام المقبلة حسبما نقلت شبكة NBC عن مسؤولين عسكريين أمريكيين، وسط استمرار الغرب في تصعيده الاقتصادي ضد موسكو وإن تراجع الزخم نسبيًا عما كان عليه في البداية، الأمر الذي انعكس على أداء القوات الروسية التي استطاعت تحقيق بعض الانتصارات خلال الأيام الأخيرة.