اقتصاديًّا، يُعرّف الفقر على أنه حالة يفتقر فيها الفرد أو المجتمع إلى الموارد المالية والأساسيات اللازمة للحدّ الأدنى من مستوى المعيشة، كما يعني الفقر أن مستوى الدخل من التوظيف منخفض جدًّا، بحيث لا يمكن تلبية الاحتياجات البشرية الأساسية.

قد يعيش الأشخاص والأسر المنكوبة بالفقر دون سكن لائق ومياه نظيفة وغذاء صحي ورعاية طبية، وقد يكون لكل أمة معاييرها الخاصة لتحديد عدد سكانها الذين يعيشون في فقر، ولا يزال الكثير من الناس حول العالم يكافحون لتغطية نفقاتهم.

وفقًا للبنك الدولي، يعيش ما يقدَّر بنحو 711 مليون شخص في فقر مدقع -يعرّف بالعيش على أقل من 1.90 دولارًا في اليوم- في عام 2021، وهو ما يعادل حوالي 10% من سكان العالم.

في العراق، تتضارب الأرقام الرسمية حول نسبة الفقر الحقيقية في البلاد، خاصة أن هذه الأرقام تحرج الجهات الرسمية التي يتبع أغلبها لأحزاب تروّج لنفسها على أنها تحظى بشعبية عالية بين الجماهير.

فضمن مؤشرات العام 2021، تقول وزارة التخطيط العراقية إن معدل الفقر وصل إلى 27%، بزيادة 3% عن المعدل الأصلي نتيجة قرار الحكومة خفض قيمة العملة أواخر عام 2020، لكن تقريرًا لمنظمة الأغذية والزراعة "الفاو" والبنك الدولي وبرنامج الأغذية العالمية، يقول إن هناك ما بين 7% و14% زيادة بعد قرار الحكومة بخصوص الدينار.

ويضيف التقرير أن قرار خفض قيمة العملة المحلية سيؤدي على المدى القصير إلى زيادة أعداد الفقراء في البلاد بين 2.7 مليون و5.5 ملايين عراقي، وأن هذه الأعداد ستضاف إلى نحو 6.9 ملايين عراقي موجودين أصلًا قبل اندلاع أزمة جائحة كورونا.

التقرير الذي حمل عنوان "أثر فيروس كورونا المستجد على الأمن الغذائي في العراق"، أشار إلى أن الحكومة العراقية تواجه "مهام صعبة في محاولة احتواء الفيروس وحماية صحة الناس وإعادة تشغيل الاقتصاد المتداعي".

وقال التقرير إن الفئات الأكثر ضعفًا وهشاشة، فيهم النازحين داخليًّا واللاجئين والعائدين من المخيمات، هم الأناس الأكثر تضررًا من جرّاء جائحة كورونا والإجراءات الحكومية التي ترافقت معها.

وتضاعفَ معدل الفقر في العراق في العام 2020، حيث بات 40% من السكان البالغ عددهم 40 مليونًا، يعتبرون فقراء وفق البنك الدولي.

الفقر في العراق

موارد كبيرة رغم الفقر

البترول

يملك العراق خامس احتياطي للنفط في العالم، بواقع 143 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة، واعتبارًا من عام 2012 ينتج العراق 3.4 ملايين برميل من النفط يوميًّا من 2000 بئر نفط تمَّ حفرها بالفعل.

في سبعينيات القرن الماضي، أنتجَ العراق براميل أكثر قليلًا في اليوم، لكن العقوبات التي فُرضت على البلاد عام 1990 بعد غزوها للكويت أثّرت بشكل كبير على قطاع النفط، حيث مُنعت من تصدير النفط حتى عام 1996، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج بنسبة 85%.

رغم رفع العقوبات في عام 2003، إلا أن الصراعات المستمرة أعاقت تنمية الموارد النفطية في العراق، وأدت عقود من الحرب والاضطرابات إلى حالة من عدم اليقين بشأن احتياطيات النفط في البلاد، حيث تقدِّر وزارة الطاقة الأمريكية أن العراق لديه 112 مليار برميل، بينما تقدِّر هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية 78 مليار برميل.

غاز طبيعي

يقدَّر الاحتياطي الطبيعي من الغاز العراقي بـ 132 تريليون قدم مكعب -حسب منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)-، أُحرق 700 مليار قدم مكعب منه نتيجة ضعف القدرة على استغلاله، مع بلوغ إنتاجه اليومي من الغاز الطبيعي المصاحب 2.7 مليار قدم مكعبة، ويستهدف وصوله إلى 3.1 مليارات قدم مكعبة، ويقدَّر بنسبة 1.5% من الاحتياطي العالمي من أوبك، و1.8% للاحتياطي العالمي، ويحتل المرتبة 11 عالميًّا بالنسبة إلى الترتيب الدولي.

ومع ذلك، يعتقد العديد من الباحثين أن آفاق احتياطيات الغاز الطبيعي في العراق قد تصل إلى ضعف التقديرات الحالية، حيث توجد احتياطيات الغاز الطبيعي في العراق بشكل رئيسي في مناطق قريبة من احتياطيات النفط.

فوسفات

الشرق الأوسط منطقة فوسفاتية معروفة، ومع ذلك لا تحظى احتياطيات الفوسفات في العراق بشعبية مثل الاحتياطيات الأخرى في المنطقة نفسها.

تُعتبر رواسب الفوسفات في البلاد جزءًا من حزام تيثيان الفوسفاتي، وتستضيفها الصخور الرسوبية الأيوسينية والباليوسينية وأواخر العصر الطباشيري التي تحيط بالجعارة، حيث أبلغ العراق عن وجود 22 حقلًا من الفوسفات، مع وجود جميع الاحتياطيات في المنطقة الغربية من البلاد.

كبريت

بحسب وزارة الصناعة العراقية، يملك العراق أكثر من نصف احتياطيات العالم من الكبريت في الشمال، وتقول الوزارة إنه بينما يُقدَّر الاحتياطي العالمي بـ 600 مليون طن، تقدَّر حصة العراق منها بقرابة 360 مليون طن.

وعن مساحة الحقول وأعدادها، تقول الوزارة إن كبريت المشراق شمال العراق يتكوّن من 3 حقول، حيث يقدَّر احتياطي الحقل الأول بـ 65 مليون طن، فيما يبلغ احتياطي الحقل الثاني 66 مليون طن، أما الثالث (الأكبر) فتبلغ احتياطاته 224 مليون طن.

الأراضي زراعية

يتمتّع العراق بوجود أجود أنواع التربة وأكثرها خصوبة على مستوى العالم، ومثّلت الزراعة 18% من الناتج الاقتصادي المحلي عام 1995، إلا أنه وبعد 30 عامًا من الحروب والنزاعات تدهور هذا القطاع بشدة، إلى أن أصبح بالكاد يمثل 2% من الناتج الاقتصادي عام 2019.

رغم أن العراق جافّ بشكل رئيسي على مدار العام، إلا أن الزراعة لا تزال تلعب دورًا رئيسيًّا في تنمية الاقتصاد، واعتبارًا من عام 2014 يعمل ما يقارب 12% من إجمالي مساحة الأراضي بالزراعة، حيث تعتبر السهول الرسوبية الخصبة على طول ضفاف نهرَي دجلة والفرات مناطق زراعية مهمة وتخضع للزراعة المكثفة.

ومع ذلك، يستخدم المزارعون في مناطق أخرى نظام الريّ لمواجهة المناخ الجاف الشبيه بالصحراء، وتشمل المنتجات الزراعية الأولية في العراق الأرز والقمح والشعير، بالإضافة إلى ذلك تنتج الدولة أيضًا نسبة كبيرة من تمور العالم.

خط الفقر يحصد المزيد

رغم الموارد الكبيرة التي يتمتّع بها البلد، إلا أن خط الفقر آخذٌ بالازدياد بصورة متصاعدة، خاصة مع تأثر العراق بالأزمات الداخلية والخارجية، فما أبرز أسباب الفقر في العراق؟

1. الفساد

الفساد منتشر على جميع مستويات الحكومة في العراق، ففي عام 2021 قال الرئيس برهم صالح إن 150 مليار دولار من أموال النفط تمَّ تهريبها من العراق في صفقات فاسدة منذ الغزو عام 2003.

منذ عام 2013 إلى عام 2021، أظهر مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية تصورًا بأن القطاع العام العراقي فاسد بشكل خطير، فعلى مقياس من 0 إلى 100، ظلت أرقام العراق منخفضة وتراوحت ما بين 16 -23 نقطة، وهي درجات منخفضة جدًا تدل على انعدام الشفافية. فمثلًا في عام 2021 كانت أدنى وأعلى الدرجات في المؤشر حول العالم هي 11 و88، وعندما تمَّ تصنيف 180 دولة في مؤشر عام 2021 حصل العراق على 23 درجة في المرتبة 157 من أصل 180.

إن الفساد في العراق ليس ظاهرة فردية، بل تحول إلى قانون بُنيت عليه الدولة برمّتها، خير مثال على ذلك عدم قيام مجلس النواب بالتحقيق مع أي وزير منذ بداية الفترة التشريعية السابقة وحتى انتهاء عملها بحلول الانتخابات، رغم وجود عدد من الطلبات للتحقيق في عدة وزراء قدموا إلى رئاسة المجلس، حيث يلجأ بعض الممثلين إلى التلويح بورقة التحقيق الخاصة بوزير أو آخر لتحقيق مكاسب ذاتية.

فوفقًا لتقرير عام 2021 الصادر عن هيئة النزاهة، تمَّ إصدار مذكرات استدعاء لـ 52 وزيرًا أو من في حكمهم، كما تمَّ إصدار حوالي 491 استدعاء ضد 329 من كبار المسؤولين من ذوي الدرجات الخاصة، كما ذكر تقرير المفوضية لعام 2018 أن أكثر من 3000 متّهم أُحيلوا للقضاء، بينهم 11 وزيرًا و157 فردًا من ذوي الدرجات الخاصة.

بصورة عامة، تساعد المعاملات الفاسدة والمنافسة بين الكتل السياسية في دفع الفساد داخل الحكومة، وفي كثير من الأحيان تضغط الكتل السياسية العراقية على بعضها لقبول صفقات المصلحة الذاتية أو تقديم تنازلات، والتي تعود بالفائدة على تلك الكتل أكثر ممّا تعود بالفائدة على الدولة العراقية وشعبها.

هذا الاستبداد في المنافسة بين الأحزاب والكتل السياسية له عواقب سلبية بطبيعة الحال على تحسين وصيانة خدمات الدولة، وبالتالي على الظروف المعيشية للشعب العراقي، ما يؤثر على الوصول إلى المرافق الأساسية والتعليم والرعاية الصحية، وما يفضي في النهاية إلى إنفاق كبير -دون نتيجة- على البنية التحتية، وانعدام إمكانية افتتاح مشاريع تساعد على رفع المستوى المعيشي للمواطنين.

تعدّ أزمة الكهرباء واحدة من أبرز حالات الفساد في عراق ما بعد عام 2003، ففي عام 2016 أعلنت إدارة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي عن بناء محطة كهرباء في البصرة بقدرة 400 مليون دولار بطاقة 500 ميغاواط، لكن المحطة الجديدة كانت تعمل بالغاز بدلًا من النفط، رغم كون العراق دولة منتجة للنفط، ما يكلف العراق ملايين الدولارات سنويًّا من واردات الغاز.

في مثل هذه الصفقات، المافيات هي المسيطرة على الوزارات وصنّاع القرار الحكوميين الذين يستفيدون من مثل هذه الصفقات الفاسدة التي أضعفت الدولة وأفلست الخزينة، وقادت البلاد إلى معدل مرتفع من الاقتراض الخارجي أدى إلى زيادة الديون الكبيرة بالفعل.

وبالرغم من أن مليارات الدولارات جرى إنفاقها في السنوات الماضية على قطاع الكهرباء، وكانت كافية لبناء شبكات كهربائية حديثة، لكن الفساد والهدر المالي وسوء الإدارة حالت دون حل هذه المشكلة، إذ بقي المواطنون يعانون من حرارة الصيف دون كهرباء، وهي نتيجة طبيعية لحجم الفساد في وزارة الكهرباء والذي وصل إلى قرابة 41 مليار دولار منذ عام 2003.

وبالمثل، يشلّ الفساد في العراق المؤسسات الصحية في البلاد، والتي أصبحت هشاشتها وعيوبها واضحتَين خلال جائحة كوفيد-19، حيث لا يزال المواطنون العراقيون يفتقرون إلى إمكانية الحصول على العلاج والرعاية الصحية الملائمَين في المستشفيات الحكومية.

في عام 2019، خلال فترة الأمن والاستقرار المقارن، كانت ميزانية العراق 106.5 مليارات دولار، لكن الحكومة العراقية في ذلك الوقت خصصت 2.5% فقط من الميزانية لوزارة الصحة، بينما أعطت 18% للأمن و 13.5% للوزارة.

وفقًا لتقرير وكالة "رويترز" للأنباء، الذي أشار إلى بيانات منظمة الصحة العالمية، أنفقت الحكومة العراقية على الرعاية الصحية للفرد مبلغًا أقل بكثير من الدول الأكثر فقرًا خلال السنوات العشر الماضية، وبلغ نصيب الفرد العراقي من هذا الإنفاق ما يقارب 161 دولارًا في المتوسط، مقابل 304 دولارات في الأردن و649 دولارًا في لبنان.

كما أثّر الفساد على المؤسسات التعليمية، بعد ريادتها للمنطقة في مجال التعليم خلال السبعينيات، حيث أهمل العراق منذ ذلك الحين نظامه التعليمي، وغابت البلاد عن مؤشر جودة التعليم العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس لعام 2015-2016.

ونتيجةً للفساد والإهمال اللذين أدّيا إلى انخفاض مستوى التعليم وانعدام فرص العمل لخريجي الجامعات العراقية، غالبًا ما يختار الخريجون العمل في مجالات أخرى مختلفة عمّا درسوه في الجامعة أو المعهد.

 يُضاف إلى ذلك، ظاهرة ترك الدراسة للالتحاق بالعمل، إذ تتوفر العديد من فرص العمل بالوظائف الحكومية بفضل نظام المحاصصة الطائفي الذي يسمح لكثير من غير المؤهلين من الالتحاق بالمكاتب الحكومية بناءً على الانتماء الطائفي أو الحزبي، بينما يفتقد الآخرون هذه الميزة، حتى لو كانوا من المؤهلين.

لذلك، شهد الشباب العراقي ارتفاع معدلات البطالة في بلادهم في ظل الحكم الفاسد، ففي عام 2018 بلغ معدل الفقر في العراق نحو 20%، لكنه ارتفع في العام الحالي إلى 31.7%، بحسب بيان إعلامي لوزير التخطيط العراقي خالد بتال النجم.

يتزايد معدل الفقر بشكل ملحوظ في المحافظات الجنوبية الفقيرة أصلًا، ففي محافظة المثنى بلغ معدل الفقر 52%، وارتفع معدل البطالة من 22.6% عام 2018 إلى 40% هذا العام.

ومن عواقب الفساد الأخرى في العراق عدم الاستقرار الأمني ​​وخوف الشركات العالمية من دخول العراق للاستثمار، بعد تعرض العديد منها للابتزاز وإجبارها على القيام بصفقات وهمية، ما يعقّد عملية تنمية البلاد، لا سيما في المناطق التي دمّرها النزاع المسلح الأخير، حيث لا تزال المدن في حالة خراب، وعملية إعادة بنائها متعثّرة.

 مع هذه النكسات المؤسسية، من المرجّح أن يستمرَّ تأثير الفساد في دفع العراقيين إلى الشوارع في حركة مستمرة بدأت في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، حيث رغم ارتفاع معدلات الإصابة بفيروس كورونا، يواصل المتظاهرون حركتهم الشعبية من أجل تسريع تحقيق مطالب عجزت الحكومات السابقة عن تحقيقها.

وأبرز هذه المطالب القضاء على الفساد وإتاحة فرص العمل، في وقت تعاني فيه مؤسسات الدولة من وجود عمّال عاطلين عن العمل، تمَّ تعيينهم حسب المحاصصة الحزبية والمحسوبية أو الانتماء الديني والطائفي.

2. السياسات الاقتصادية والحكومية

تقدِّر وزارة المالية أن 7 ملايين عراقي (من حوالي 40 مليون مواطن)، يتلقون رواتب حكومية أو معاشات تقاعدية، وتواجه الحكومة عادة مشكلة في دفع الرواتب مع حصول أزمات اقتصادية، تمامًا كما حصل وقت الجائحة، حين انخفضت عائدات النفط بشكل كبير، إذ كانت الحكومة تدفع رواتبها ومعاشاتها بشكل متقطع أو لا تدفع على الإطلاق، ويقول الاقتصاديون إن هذه السياسات هي أحد أهم أسباب ارتفاع معدل الفقر بشكل متواصل في العراق.

على مدى العقدَين الماضيَين، خلق الفساد مشكلة ذات رأسَين للعراق، حيث عنى وجود الحكومات الضعيفة والشمولية أن كل حزب سياسي كبير يمكنه إدارة وزارة واحدة أو أكثر، كما أنهم لا يديرون هذه البيروقراطيات لصالح البلاد، إنما كشبكات محسوبية ضخمة.

إنهم عبارة عن آلات فساد تمتصّ عائدات النفط من الخزانة وتمررها إلى جمهورها في شكل وظائف وعقود وامتيازات أخرى، وقد أدّى انتشار الكسب غير المشروع إلى خنق ما كان يمتلكه القطاع الخاص الصغير في العراق من قبل، ما يعني أنه لا يوجد الكثير من البدائل لوظائف القطاع العام.

نتيجة لذلك، أصبحت الحكومة الآن أكبر وكالة توظيف في البلد، حيث تعتمد نسبة كبيرة من السكان على الدولة لكسب عيشها، إمّا بشكل مباشر من خلال الرواتب والمعاشات التقاعدية، وإمّا بشكل غير مباشر من خلال العقود أو توفير السلع والخدمات لمن هم في كشوف المرتّبات الحكومية.

حتى الشركات الصغيرة في العراق تعتمد في النهاية على الحكومة، لأن الكثير من عملائها -خاصة في المدن الكبرى- يتلقّون رواتبهم من الحكومة بطريقة أو بأخرى، علاوة على ذلك لا تزال الحكومة العراقية تقدم "سلة غذاء" شهرية عبر نظام التوزيع العام، وتظل عنصرًا مهمًّا في الحياة اليومية للطبقة العاملة والفقراء العراقيين.

لذلك ليس من المستغرب أن تكون هناك زيادة بمقدار 3 أضعاف في عدد العاملين بالقطاع العام منذ عام 2004، وتدفع الحكومة رواتب تزيد بنسبة 400% عمّا كانت عليه قبل 15 عامًا، وهكذا أصبحت الحكومة وعائداتها النفطية المحركَين الرئيسيَّين للاقتصاد العراقي والمزوّد للشعب العراقي.

وقد تسبّبت هذه السياسة في مركزية شديدة في إدارة الاقتصاد وربط المستوى المعيشي بأداء الحكومة مباشرة، وهو ما أدّى إلى أمرَين:

- وجدت الحكومة نفسها مطالبة بزيادة عدد الموظفين في كل عام، في ظل انحسار القطاع الخاص الناتج عن سياساتها الاقتصادية.

- مطالب مستمرة بزيادة الموازنة العامة، وهو ما جعل الاقتراض بندًا ثابتًا منذ العام 2010، وصلت معه قسمة الديون إلى 114 مليار دولار.

طوال تلك السنين، بدأت الفجوة تتسع شيئًا فشيئًا، فكانت الطبقة السياسية في العراق تحاول تأخير اتّساعها من خلال الاقتراض لا أكثر، ومع إضافة الخسائر المهولة نتيجة الفساد في "عدد الموظفين، مزاد العملة، المنافذ الحدودية، المنافذ الداخلية التي تقيمها الميليشيات، دخول "داعش"، الفساد في المشاريع الخدمية"، وصلت الدولة إلى الحد الذي أصبحت فيه خزانتها التشغيلية خاوية، وكان أول ما فعلته هو الاقتراض من الاحتياطي الوطني، ثم تخفيض سعر الصرف لتقليل الفجوة بين العجز والمصاريف.

يقول الخبير الاقتصادي زياد داوود لوكالة "بلومبيرغ": "كان التخفيض في قيمة العملة حتميًّا نظرًا إلى انخفاض أسعار النفط وضغوط الميزانية التي يواجهها العراق. تقول الحكومة إن هذا حدث لمرة واحدة ولن يتكرر، لكننا سنرى ما إذا كان الأمر كذلك. من المهم أيضًا مشاهدة الاستجابة الشعبية والزيادة الناتجة في تكاليف المعيشة وبرنامج التقشف الحكومي".

هذه الخطوة ليست إلا إبرة تخدير تحول دون الوصول إلى مرحلة ستضطر فيها الحكومة يومًا ما إلى إنفاق آخر دولار في الاحتياطي النقدي الذي يغطي العملة.

الزراعة في العراق

المستقبل: المآلات والتوقعات

في تقرير له، قال معهد كارنيجي للدراسات إن العراق يواجه خطرًا حقيقيًّا يهدده بالانهيار المالي، إذا ظلَّ الوضع على ما هو عليه، حيث على مدى الحكومات المتعاقبة، نما حجم القطاع العام لدرجة أن العراق يحتاج إلى إنفاق أكثر من إجمالي إيراداته على المدفوعات الأساسية (رواتب القطاع العام والمعاشات التقاعدية والمساعدات الغذائية والرعاية الاجتماعية)، لإبقاء غالبية سكان العراق خارج العوز.

يقول علي الصفار من وكالة الطاقة الدولية: "يمكن وصف الوضع الاقتصادي في العراق بأنه سيّئ للغاية"، وهو يغطي المنطقة بأسرها، ويرى أن الوضع في العراق "هو الأكثر إثارة للقلق حقًّا" من حيث احتمال زعزعة الاستقرار فيه، كما يقول إن "الجذور هي أن هيكل الاقتصاد كان متزعزعًا لعقود من الزمن".

ويوضّح أن العراق يعتمد على النفط بنسبة كبيرة من عائداته، وتذهب جميعها تقريبًا إلى الدولة، و"هذا يعني بشكل أساسي أن الدولة قد نمت أكبر ممّا يجب أن تكون عليه، وأن القطاع الخاص لم ينمُ بالحجم الذي ينبغي أن يكون عليه، وأن الحكومة يُعتمد عليها لخلق الوظائف".

تكمن مشكلة العراق بأن الاقتصاد فيه تحوّل إلى أشبه ببالون لا بدَّ من نفخه بالمتعينين الجدد في القطاع العام كل عام، لمنع طوفان الاحتجاجات المطالبة بالتعيين في القطاع الحكومي.

عامًا بعد عام، كان رؤساء الوزارة المتعاقبون يحقنون الاقتصاد العراقي بإبر الاقتراض، لتغطية الزيادة الحاصلة في الجهاز البيروقراطي للدولة، وهي عملية لن تفعل شيئًا إلا تأخير الموت السريري القادم لا محالة.

في هذه الأثناء اقتصرَ عمل الدولة على بيع النفط وتوزيع عائداته على شكل رواتب للموظفين، مع جعل البلد رهن وضع النفط في السوق العالمية: تزيد الواردات عند ارتفاع الأسعار، وهو ما يعني تعيينات وحمل جديدَين على الاقتصاد المضغوط أصلًا؛ وينحدر الوضع سوءًا عند انخفاض الأسعار، إلى درجة عدم القدرة على دفع الرواتب، كما حصل مع فترة جائحة كورونا.

في تقرير بعنوان: "الشرق الأوسط الكبير.. من الربيع العربي إلى محور الدول الفاشلة"، يقول معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية إن الفساد وفشل منظومة الحكم الاقتصادية أحد أهم أسباب تحوُّل دول الشرق الأوسط، وبينها العراق، إلى دول فاشلة، حيث "تعاني جميعها تقريبًا من الفساد وفشل الحكم، ومن الفشل في تحديث اقتصادها وانفتاحه، ومن الضغط السكاني والمشاكل الحادة في التعامل مع "تضخم الشباب" ونقص الوظائف".

مكملًا: "إن التجاوزات الاستبدادية وانتهاكات حقوق الإنسان هي القاعدة وليست الاستثناء، والتفاوتات الكبيرة في توزيع الدخل والعقيدة والعرق كلها شائعة جدًّا، ويبدو أن العديد من البلدان في المنطقة غير قادرة على مساعدة نفسها، فقد وصلت إلى النقطة التي تتحول فيها المساعدات الخارجية إلى سبب لإطالة أمد المشاكل بدلًا من حلّها، وتسمح لمشاكلهم بالتفاقم والنمو بدلًا من أن تؤدي إلى تقدم حقيقي وحلول".

وكما تخبر الأرقام حقيقة وطبيعة المشكلة، تخبر أيضًا حجم التحديات المنتظرة في المستقبل، ففترات الازدهار التي عاشها العراق في الماضي من خلال طريقة إدارة الموارد الكبيرة على عدد قليل من السكان، سينقلب نقمة في المستقبل مع الزيادة المتوقعة في عدد السكان، وازدياد المطالب بالتعيينات الحكومية والخدمات، دون أن تكون هناك فرصة لتلبيتها. 

بالمحصلة النهائية، هناك خياران أمام الحكومة العراقية لا ثالث لهما: أولًا، خفض الاعتماد على النفط وتطوير موارد أخرى مثل القطاع الزراعي، وما يرتبط به في مجالات الموارد المائية والنقل والصحة الغذائية، والتوجُّه نحو إصلاحات طويلة ومتوسطة الأمد بإشراك القطاع الخاص، وتقليل الملاك الحكومي البالغ أكثر من 6.5 ملايين موظف ومتقاعد.

يطابق ذلك توصيات قدّمتها ممثلة البنك الدولي في العراق، يارا سالم، إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء مطلع عام 2018، أشارت فيها إلى أن الشركات العامة تعاني من تكاليف إنتاج عالية تمثل عائقًا رئيسيًّا يعترض الإصلاح وإعادة الهيكلة.

ثانيًا، المضي فيما دأبت عليه الحكومة منذ عام 2003 في توسيع الهيكل البيروقراطي باستيعاب موظفين جدد لامتصاص الضغط الشعبي، وهو ما يعني الاستمرار بزيادة الضغط على الاقتصاد، وإنفاق مدخرات الدولة حتى الوصول لمرحلة الانهيار، وإعادة ضبط الاقتصاد من الصفر.