يعين قيس سعيد جميع أعضاء هيئة الانتخابات الجديدة

يعين قيس سعيد جميع أعضاء هيئة الانتخابات الجديدة

يواصل الرئيس التونسي قيس سعيد خطواته الحثيثة لتثبيت انقلابه وفرض سياسة الأمر الواقع، دون أن يكترث للضغوطات الممارسة عليه، لكن الغريب في الأمر حالة "اللامبالاة" التي تظهر على التونسيين واعتزال العديد منهم الشأن العام واكتفاؤهم بالتندر على قرارات سعيد "الخطيرة" دون أن يحركوا ساكنًا للتصدي لها، رغم يقينهم بخطورتها على بلادهم.

هيئة "سعيد للانتخابات"

قلنا في تقرير سابق إن سعيد لن يتوقف عند حل البرلمان وحل المجلس الأعلى للقضاء، فالقائمة أمامه طويلة، وتحدثنا حينها على أن الدور القادم سيكون على الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وتوقعنا حلها وهو ما حدث بالفعل أمس الجمعة.

ضمن آخر قراراته الانقلابية، أصدر سعيد مرسومًا رئاسيًا يقضي باستبدال أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات (هيئة دستورية) بسبعة أعضاء جدد، رغم أنه لا يمكن تغيير المنظومة الانتخابية خلال السنة التي تجرى فيها الاستفتاءات أو الانتخابات.

من بين الأعضاء الجدد ثلاثة من أعضاء هيئات الانتخابات السابقة يختارهم الرئيس نفسه وثلاثة قضاة تقترحهم مجالس القضاء العدلي والإداري والمالي (سبق أن عينهم سعيد بشكل فردي)، إضافة إلى مهندس تكنولوجيا يقترحه المركز الوطني للإعلامية (التكنولوجيات).

غالبية التونسيين غير مباليين بما يحدث في بلادهم، ولا يكترثون لقرارات قيس سعيد

يعني هذا أن جميع أعضاء الهيئة الجديدة سيعينهم الرئيس بمفرده، ليس هذا فقط، فسعيد هو من يملك صلاحية تعيين رئيس الهيئة من بين الأعضاء الثلاث للهيئة العليا المستقلة للانتخابات السابقة، رغم حديثه في أكثر من مرة عن أهمية حيادها واستقلاليتها، لكن يبدو أن للحياد والاستقلالية تعريفًا آخر لا يعلمه إلا سعيد الذي يتحرك لفرض حكم الرجل الواحد.

لطالما افتخرت تونس بهيئة الانتخابات التي أفرزتها ثورة يناير/كانون الثاني 2011، حيث أشرفت هذه الهيئة على العديد من المحطات الانتخابية التي أشاد بنزاهتها الداخل والخارج، لكن لسعيد حسابات أخرى، فأصبحنا الآن أمام "هيئة سعيد للانتخابات".

وعُرف عن سعيد في الفترة الأخيرة تكرر انتقاداته لهيئة الانتخابات ووصفها بأنها غير مستقلة رغم أنه فاز بانتخابات الرئاسة في سنة 2019 في تصويت أشرفت عليه نفس هذه الهيئة، لكن يبدو أنه ينتقم من رئيس الهيئة نبيل بفون الذي سبق وأكد أنه لا يمكن إجراء انتخابات مبكرة في ظل فراغ دستوري.

حتى بورقيبة وبن علي لم يجرؤا على ذلك

هذا القرار الذي اتخذه سعيد، لم يجرؤ حتى الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي على اتخاذه رغم أنهما كانا مستبدين ولا يؤمنا بالديمقراطية، لكن مع ذلك كانا يحرصان على أن تكون هناك انتخابات شكلية تشرف عليها وزارة الداخلية.

لكن سعيد فاق بورقيبة وبن علي "دهاءً وخبثًا"، وقرر تشكيل هيئة انتخابات بمفرده ووفق مقاسه، فهو لا يأمن أحد، حتى وزارة الداخلية التي ساندته منذ أول يوم في انقلابه على دستور البلاد ومؤسسات الدولة الشرعية.

يُريد سعيد استفتاءً وانتخابات على المقاس، ذلك أن النتائج جاهزة مسبقًا ولا يُريد لهيئة الانتخابات أن تكون مشرفةً على أي عمل يقوم به، وهو ما يفسر عدم التشاور معها بخصوص الاستشارة التي انطلقت في منتصف يناير/كانون الثاني الماضي.

ولم يلتق سعيد رئيس الهيئة منذ وصوله قصر قرطاج، ما يوضح أن له موقف مسبق منها، يذكر أن هيئة الانتخابات نظمت منذ سنة 2011، 4 محطات انتخابية، تم الإشادة بها رغم النواقص والاختلالات البسيطة التي عرفتها.

ترسيخ حكم الفرد

تؤكد خطوات سعيد المتتالية، رغبة الرجل في المضي بتونس نحو حكم الفرد الواحد، ما يعني أن تونس ستكون أو بالأحرى أصبحت على موعد مع ديكتاتورية جديدة أشد وطأة - ربما - على التونسيين من ديكتاتورية بن علي وبورقيبة.

يدعي الرئيس التونسي سعيه إنقاذ البلاد من أزماتها المتعددة، لكنه في حقيقة الأمر يسعى لمجد شخصي خاص، إذ بدأ أولًا بتجميد عمل البرلمان ومن ثم قرر حله "حفاظًا على الدولة ومؤسساتها" وفق قوله، رغم أن سعيد أصبح المهدد الأول للدولة التونسية.

كما علق العمل بالدستور باستثناء التوطئة والبابين الأول (المبادئ العامة) والثاني منه (الحقوق والحريات)، إلا أنه يستدعي بعض الفصول المعلقة بين الفينة والأخرى لتبرير بعض قراراته، فالمهم عنده "إضفاء الطابع الدستوري على كل قرار"، أي أنه يعلق العمل بالدستور متى أراد ويستدعيه متى اقتضت الحاجة لذلك.

أكد انقلاب قيس سعيد أن الفاعلين السياسيين لم يفلحوا في ترسيخ الديمقراطية خاصة عند الفئات التي لم تستفد من الناحية الاجتماعية والاقتصادية من التحول الديمقراطي

فضلًا عن البرلمان، حل سعيد المجلس الأعلى للقضاء وهيئة مراقبة دستورية القوانين وجمد هيئة مكافحة الفساد وفرض قيودًا على حرية الصحافة وأحال نواب وصحفيين ونشطاء مدنيين إلى القضاء دون أن يكترث للقانون ولا للدستور، ضاربًا بدعوات الحوار عرض الحائط.

أظهرت خطوات سعيد المتتالية منذ توليه رئاسة البلاد أنه يسعى لترسيخ برنامجه الشخصي الغامض والاستحواذ المطلق على السلطة، فلا مكان عنده لمصلحة الشعب رغم ادعائه إنقاذ تونس من الخطر الداهم المحدق بها.

لا مبالاة التونسيين

الغريب في الأمر، أن غالبية التونسيين غير مبالين بما يحدث في بلادهم، ولا يكترثون لقرارات قيس سعيد، ولك أن تستخلص ذلك من أحاديث التونسيين في المقاهي أو مواقع التواصل الاجتماعي، فغالبًا ما يُقابلون قرارات سعيد بشيء من اللامبالاة وفي أحيان أخرى يتخذون هذه القرارات محل "تندر" ليس أكثر.

من السهل وفق المحلل السياسي التونسي سعيد عطية "ملاحظة لا مبالاة التونسيين مع الوضع السياسي الراهن ومع القرارات والمراسيم المتتالية لرئيس الجمهورية التي ما فتئت تضرب الحرية والديمقراطية في مقتل"، وفق قوله لنون بوست.

تعود أسباب ذلك، وفق عطية أولًا إلى "عامل نفسي حيث كره غالبية التونسيين السياسة والسياسيين نتيجة قصف إعلامي ممنهج لترذيل العمل السياسي ونتيجة الإحباط من منجزات ما بعد الثورة حيث كانت الآمال كبيرة والمنجز شبه منعدم".

أشار عطية في حديثه لنون بوست إلى "تأثير العامل الاقتصادي والاجتماعي، إذ يكابد التونسي اليوم مهما كانت مهنته أو منصبه لتوفير قوته وقوت أبنائه وبالتالي تتراجع السياسة لآخر اهتماماته، إن لم ينقم عليها أصلًا ويعتبرها سبب البلاء الرئيسي".

أما العامل الثالث، فيتمثل وفق محدثنا في "زعامات الشق المناهض لمشروع الرئيس، فهم من المنبوذين شعبيًا ومن المكروهين والأهم أنهم من الذين جربوا ولم ينجحوا سابقًا وبالتالي فإن فشل الساحة السياسية في الدفع بجيل جديد لتصدر مشهد التصدي للانقلاب مثل خدمة العمر لقيس سعيد ودفع شرائح واسعة من الشعب للتشبث به كخيار وحيد وأوحد".

أكد انقلاب قيس سعيد أن الفاعلين السياسيين لم يفلحوا في ترسيخ الديمقراطية خاصة عند الفئات التي لم تستفد من الناحية الاجتماعية والاقتصادية من التحول الديمقراطي، فالتنشئة السياسية على مدى السنوات العشرة الماضية لم تسفر عن مواقف ديمقراطية واسعة النطاق، يمكن لها أن تكون سدًا لتوجه سعيد الفردي.