تتهم نادية عكاشة وزير الداخلية التونسي بالاستيلاء على الحكم

تتهم نادية عكاشة وزير الداخلية التونسي بالاستيلاء على الحكم

منذ بداية حكمه نهاية في أكتوبر/تشرين الأول 2019، أحاط الرئيس التونسي قيس سعيد نفسه بـ"زمرة" من الحاشية يستمد منها قوته وينفذ لها بعض مصالحها. أظهرت هذه الحاشية لعموم التونسيين أنها تعمل كفريق واحد في صف الرئيس بغية "محاربة الفساد" و"تخليص تونس من الفاسدين" وفق تعبيرهم.

انقلاب قيس سعيد على دستور البلاد ومؤسسات الدولة الشرعية وسيطرته على دواليب الحكم في تونس، أثرت في العلاقة بين حاشية الرئيس، فأصبحنا أمام أجنحة يسعى كل واحد منها على حدة للاستفادة من الحكم، حتى بدأ الصراع بينهم.

هذا الصراع بقي كثيرًا في الكواليس ولم يُلاحظه إلا قلة قليلة، لكن الرئيس سعى دائمًا لإظهار المحيطين به كقوة واحدة، لكن ذلك لم يدم طويلًا، فحرب الأجنحة والشقوق أصبحت علانية وأمام مرأى الجميع وتجلياتها في مواقع التواصل الاجتماعي.

عكاشة تتهم شرف الدين

نهاية شهر يناير/كانون الثاني 2022، أعلنت أقرب مساعدي قيس سعيد استقالتها من منصبها، بسبب ما وصفته "اختلاف وجهات النظر"، إلا أن سعيد سارع إلى إصدار مرسوم رئاسي بالجريدة الرسمية يعلن بموجبه إقالتها، بدل "قبول استقالتها".

أيًّا كان الأمر استقالة أم إقالة، فقد غادرت نادية عكاشة قصر قرطاج، وهي التي كانت تُوصف بأنها أقرب مستشار لسعيد وأكثر من يثق به منهم، فكل التعاملات مع سعيد كانت تجري تقريبًا من خلالها، وكانت سابقًا - قبل أن تحظى بأي منصب سياسي - أحد طلبة سعيد في الكلية وفيما بعد أصبحت زميلته.

غادرت عكاشة القصر وقد كانت المتحكم الأبرز فيه، واختارت الصمت لأشهر حتى يوم أمس حين كتبت تدوينة وجهت من خلالها انتقادات لاذعة لـ"زمرة من الفاشلين" لم تسمهم، وحمّلتهم مسؤولية فشل قرارات 25 يوليو/تموز الماضي التي يصفها غالبية التونسيين بأنها انقلاب على الدستور.

استبعاد نادية عكاشة عن قصر قرطاج لا يعني بتاتًا انتهاء دور الجناح الذي تعمل في صفه، فهذا الجناح الذي يخدم مصالح فرنسا ما زال موجودًا بقوة

قالت نادية عكاشة في تدوينة على حسابها في فيسبوك: "ما جرى في يوليو/تموز الماضي كان لحظةً حاسمةً ومسارًا وطنيًا كان من المفروض أن يقوم على منهجية واضحة وعلى أسس ثابتة لبناء دولة القانون التي تحترم فيها الحريات والمؤسسات".

لكنها استدركت قائلة: "تم الاستيلاء على هذه اللحظة، وعلى هذا المسار، من قبل من لا شرف ولا دين ولا وطنيه له، ومن قبل زمرة من الفاشلين الذين لا يفقهون شيئًا غير احتراف الابتذال والتشويه والتضليل".

لم تسمّ عكاشة هؤلاء الفاشلين، لكنها تقصد بالأساس وزير الداخلية رضا شرف الدين أبرز رجال قيس سعيد في الوقت الحاليّ، وقد كان المنسق الجهوي لحملته التفسيرية بجهة سوسة في الانتخابات الرئاسية وهو أيضًا رجل قانون.

يُفهم من تدوينة عكاشة أن وزير الداخلية الحاليّ استولى على ما تعتبره "تصحيح مسار"، ويعتبره التونسيون انقلابًا ووجه بوصلته للظفر بالامتيازات وتحقيق مصالحه، وقد كان ذلك سببًا في "أزمة سياسية خانقة أصبحت تمثل خطرًا داهمًا وجاثمًا لم تشهد له تونس مثيلًا في تاريخها الحديث"، وفق عكاشة.

يُفهم من صديقة سعيد القديمة أن الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة التي تمر بها تونس، خاصة مع "تعثر إيجاد برنامج إصلاح اقتصادي جدي واضح ومبني على معطيات صحيحة يمكننا من مناقشة اتفاق مع صندوق النقد الدولي"، سببها استيلاء رضا شرف الدين ومن معه على الحكم.

صراع شقوق

أرادت نادية عكاشة من خلال هذه التدوينة الظهور في ثوب الوطني الغيور على بلاده والمنبه لخطورة ما يُحاك لتونس على يد "زمرة من الفاشلين" كما قالت، فهي تلعب على العاطفة وتسعى لتبيض صورتها، خاصة أنها عُرفت لدى التونسيين بأنها "عرابة الانقلاب" الذي أنهى الانتقال الديمقراطي في البلاد.

وتسعى مديرة ديوان سعيد السابقة إلى حماية نفسها من أي تبعات قانونية، حتى إنها اختارت الذهاب إلى فرنسا والاستقرار هناك منذ استقالتها، خوفًا من قرار إقامة جبرية قد يصدر بحقها أو ملاحقات قضائية أو محاسبة، سواء من جماعة سعيد أم في حال سقوط الانقلاب.

لكن حديث عكاشة أكد ما سبق أن تحدثنا عنه في "نون بوست" من وجود صراع أجنحة وشقوق - وفق ما يحلو للبعض تسميته - داخل قصر قرطاج بين المحيطين بالرئيس قيس سعيد الذي حل البرلمان ومجلس القضاء وهيئة الانتخابات تكريسًا لنظام الحكم الواحد.

أكدت عكاشة بحديثها الأخير أن سبب خروجها من القصر لم يكن نتيجة وجود "اختلافات جوهرية في وجهات النظر المتعلقة بالمصلحة الفضلى للوطن" وإنما كان نتيجة صراع بين جناح العائلة القريب من سعيد وفيه وزير الداخلية توفيق شرف الدين المدعوم من العائلة.

ويتزعم وزير الداخلية رضا شرف الدين شق العائلة، ويضم هذا الشق زوجة الرئيس وابنه بعد أن تم إقصاء شقيقه نوفل سعيد، وأثبتت المعطيات الأخيرة انتصار هذا الشق على الجناح الذي تمثله نادية عكاشة والداعمين لها خاصة من فرنسا.

انتصار شق العائلة وإقصاء عكاشة، جعل رضا شرف الدين يتصدر المشهد بحكم ما يحظى به من ثقة، ومن تفويض منحه إياه الرئيس، حتى إنه أصبح الداعم الأبرز للانقلاب لذلك يأتمنه سعيد على وزارة الداخلية التي يسيطر سعيد من خلالها على الوضع في تونس.

من الكواليس للعلن

الجديد هذه المرة أن الصراع انتقل من الكواليس إلى العلن كأننا دخلنا في مرحلة تصفية حسابات بين أجنحة قصر قرطاج، ومن المنتظر أن تتصاعد المواجهة نحو كشف كل جناح عن أوراقه بشكل واضح للظهور في "ثوب المنحاز لتطلعات التونسيين".

وبدأ الصراع بين جناح عكاشة أو بالأحرى من تمثلهم وجناح العائلة مع تصاعد دور مديرة ديوان الرئيس السابقة في قرطاج وتحكمها في التعيينات والإقالات بحكم دورها المهم في انقلاب قيس سعيد على دستور البلاد.

توجد العديد من الوجوه الثانوية التي يعتمد عليها سعيد كمحافظ بنزرت وأيضًا بن عروس وبعض المشرفين على صفحات الفيسبوك

إلا أن هذا الدور المتصاعد لعكاشة لم يرق لجناح العائلة، ما جعلهم يسارعون لتقليم أظافرها من خلال إحالة شرف الدين لقيادات أمنية في الداخلية وفي بعض السفارات، محسوبة على نادية عكاشة إلى التقاعد الوجوبي، وموافقة سعيد على ذلك، ما اعتبر حينها ضربةً قويةً لظل الرئيس.

أثبت ذلك أن رضا شرف الدين لم يكن مجرد وزير داخلية، بل تجاوز منصبه وأصبح الضامن لنفوذ عائلة سعيد في قرطاج، ما جعل العديد من التونسيين يستذكرون مرحلة حكم "الطرابلسية" أي عائلة زوجة الرئيس المخلوع بن علي، ليلى الطرابلسي.

انتصار شرف الدين يعود إلى تنامي نفوذ عكاشة ورغبة الرئيس في الحد من ذلك، وأيضًا إلى حاجة سعيد للهيمنة والقبضة الأمنية بعد انفضاض العديد من الحلفاء من حوله وتنامي الضغوطات الداخلية والخارجية ضده.

وجوه يعتمد عليها سعيد في الحكم

استبعاد نادية عكاشة من قصر قرطاج لا يعني بتاتًا انتهاء دور الجناح الذي تعمل في صفه، فهذا الجناح الذي يخدم مصالح فرنسا ما زال موجودا بقوة ويعتمد عليه قيس سعيد في فرض حكمه بالقوة، وأحد الوجوه البارزة في هذا الشق مدير الأمن الرئاسي خالد اليحياوي الذي يمسك - إلى جانب باريس - بخيوط عديدة.

ويضمن اليحياوي، ولاء قيادات أمنية لقيس سعيد، للحد من تحركات المعارضة والتضييق على الإعلاميين والناشطين بهدف السيطرة على الفضاء العام وتهيئة الطريق أمام الرئيس لفرض برنامجه الغامض على التونسيين.

من بين الأجنحة الأخرى نجد جناح التنظير بزعامة شقيق الرئيس نوفل سعيد الذي طلب منه السكوت وعدم لفت الانتباه بتدوينات أو تصريحات إعلامية مقابل تعيين بعض أنصاره في مراكز قرار، وأيضًا الجناح الإيديولوجي الذي يديره صديق سعيد المقرب رضا لينين.

ومن بين الشخصيات التي يرتكز عليها حكم سعيد أيضًا نجد رئيس أركان جيش البرّ اللواء محمد الغول الذي يعتبر من بين أهم القيادات العسكرية التي اعتمد عليها سعيد في فرض الإجراءات الاستثنائية غير المسبوقة التي أعلنها ليلة 25 يوليو/تموز الماضي.

كما يعتمد سعيد أيضًا على الأميرال المتقاعد في الجيش التونسي والمستشار السابق للأمن القومي في رئاسة البلاد، كمال العكروت الذي ساهم عبر علاقاته في مد خيوط قيس سعيد في الجيش التونسي وتطويعه لخدمة برنامجه الاستبدادي.

يعتبر الجيش بمثابة الداعم المؤسسي الرسمي الوحيد لقيس سعيد، ويظهر اعتماد سعيد عليه في تعيين الجنرال المتقاعد علي مرابط وزيرًا للصحة في حكومة نجلاء بودن وضم ضيغم بن حسين، وهو مسؤول أمني سابق، إلى قائمة مستشاري الرئيس قيس سعيد، واعتماده على القضاء العسكري لملاحقة معارضي الانقلاب.

أما في القضاء، فيعتمد قيس سعيد على زوجته إشراف شبيل وبعض المؤمنين بفكرة الهدم، إذ أسندت لها مهمة صناعة أذرع داخل القضاء باعتبار أنها قاضية، وتستعين شبيل في هذه المهمة بالقاضية ليلى جفال التي تقلدت منصب وزيرة أملاك الدولة في مرحلة أولى ثم وزيرة للعدل في حكومة نجلاء بودن، مستغلين بعض الملفات التي بحوزتهم وتورط بعض القضاة الفاسدين بهدف ابتزازهم.

كما يعتمد سعيد على رجال قانون على غرار الصادق بلعيد وأمين محفوظ وذلك لشرعنة القرارات والمراسيم التي يتخذها أمام الرأي العام، حتى يمهد الطريق أمامه لبسط نفوذه وحكمه والسيطرة على كل مؤسسات الدولة التونسية وتطويعها خدمة له.

إلى جانب ذلك، توجد العديد من الوجوه الثانوية التي يعتمد عليها سعيد كمحافظ بنزرت وأيضًا بن عروس وبعض المشرفين على صفحات الفيسبوك التي تمتهن تشويه معارضي الانقلاب والتمجيد لسعيد وتبيض صورته أمام التونسيين.

هذا الأمر لا يعني أن سعيد يمسك بزمام الأمور وأنه المتحكم في كل صغيرة وكبيرة في البلاد، ذلك أن العديد من الجهات والشخصيات المتنفذة في قصر قرطاج الآن تعمل لصالحها أو لصالح قوى داخلية وخارجية تستغل سعيد خدمة لها.