تضم جبهة الخلاص الوطني في صفوفها حركة النهضة إلى جانب أحزاب أخرى

تضم جبهة الخلاص الوطني في صفوفها حركة النهضة إلى جانب أحزاب أخرى

تواصل مختلف المكونات الحزبية والمدنية المناهضة لانقلاب قيس سعيد جهودها لوضع حد للانقلاب وعودة المسار الدستوري الديمقراطي في تونس، إلا أن ذلك يتطلب منهم جهدًا أكبر ونبذًا للخلافات حتى يتحدوا ويكونوا قوة أكبر، ذلك أن نظام سعيد يستغل تفرقهم لمزيد من التمدد والتمكين.

تشكلت منذ ليلة الانقلاب في يوليو/تموز الماضي، العديد من التشكيلات المدنية والحزبية المعارضة، لكن جميعها لم تصل إلى توحيد المعارضة وجعلها قوة يمكنها أن تُسقط انقلاب قيس سعيد، ما دفع السياسي اليساري أحمد نجيب الشابي لخوض نقاشات عميقة بهدف تشكيل جبهة وطنية تضم معارضي سعيد.

جبهة معارضة جديدة

هذه الجبهة المعارضة التي أطلق عليها الشابي اسم "جبهة الخلاص الوطني" في طور التأسيس حاليًّا، وفق قوله، والشابي هو شخصية يسارية التوجه، عُرف بمواقفه النضالية زمن حكم بن علي وكان له دور مهم في تأسيس هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات.

وتضم الجبهة حتى الآن، وفق الشابي 10 مكونات حزبية وسياسية مختلفة، عبارة عن 5 أحزاب هي: حركة النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة وحراك تونس الإرادة وحزب أمل، إضافة إلى حملة "مواطنون ضد الانقلاب" ومبادرة اللقاء من أجل تونس، وعدد من البرلمانيين.

من شأن هذا التحالف السياسي أن يجذب تكتلات سياسية وشخصيات "مؤثرة" قبل إطلاق حوار وطني بخصوص الإصلاحات من أجل "إنقاذ البلاد"، وفق الشابي، وتم الإعلان عن هذه الجبهة في وقت ضاعف فيه قيس سعيد تحركاته ومراسيمه بهدف التأسيس لنظام الحكم الواحد في تونس.

يسعى الشابي والمحيطون به إلى أن تكون جبهة الخلاص الوطني المظلة الجامعة لعموم المعارضين، حتى تزداد قوة المعارضة

يعود تاريخ الإعلان عن هذه الجبهة إلى يوم 18 فبراير/شباط الماضي، حينها دعا الشابي الذي يرأس الهيئة السياسية لحزب "أمل"، خلال تجمع لشخصيات سياسية وبرلمانية نظمته حملة "مواطنون ضد الانقلاب" إلى تكوين "جبهة للخلاص الوطني".

وقال الشابي آنذاك: "تجمع كل تونسي اليوم، مهما كان رأيه واتجاهه، مهم، فكل شيء مؤجل إلى أن يتحقق خلاص تونس من أزمتها السياسية وتبعاتها الاقتصادية والاجتماعية"، وفي 10 أبريل/نيسان الحاليّ، طرح الشابي مبادرة تشكيل جبهة معارضة بشكل رسمي، وذلك بعد إعلان الرئيس قيس سعيّد، في 30 مارس/آذار الماضي، حلّ البرلمان.

إسقاط الانقلاب

يسعى المنضمون إلى هذه الجبهة إلى وضع حد لانقلاب قيس سعيد وإعادة إرساء المسار الديمقراطي والدستوري وضمان الحقوق والحريات في البلاد، خاصة أن تونس تعيش منذ يوليو/تموز الماضي ارتدادًا واضحًا على الديمقراطية بعد حلّ المؤسسات المنتخبة بالكامل وتجميع السلطات التشريعية والتنفيذية بيد الرئيس.

إسقاط الانقلاب يكون أولًا بتوحيد القوى التي تسعى لإنقاذ البلاد عبر حوار وطني، ومن ثم تشكيل حكومة انتقالية للإنقاذ يكون لديها برنامج إنقاذ للمجالين الاقتصادي والسياسي، وفق القائمين على جبهة الخلاص الوطني.

هذه الحكومة تتكفل بإدارة مرحلة انتقالية حتى الوصول إلى تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة تشرف عليها الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات، وذلك بناءً على مخرجات حوار وطني يتم إطلاقه بخصوص الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والدستورية والقانونية.

ويرى أصحاب مبادرة جبهة الخلاص الوطني أن نظام قيس سعيد لم يقدم حلولًا للأزمات التي تعيشها تونس بل زادها تعقيدًا، بسبب المراسيم الرئاسية التي باتت تهدد المستثمرين، لذلك عليهم إنقاذ الوضع قبل أن يتفاقم أكثر ويشتد خطورة ويصل لمرحلة لا ينفع فيها أي تدخل.

تعيش تونس وضعًا اقتصاديًا واجتماعيًا مزريًا، إذ تفاقمت نسب البطالة وارتفعت حالات الفقر وتراجعت المقدرة الشرائية للتونسيين، كما سجلت البنوك نقصًا في السيولة أدى إلى تأخير صرف أجور الموظفين وتراجعًا في سعر صرف الدينار مقابل العملات الأجنبية، فضلًا عن فقدان العديد من المواد الأساسية وارتفاع أسعار بعضها.

ويحاول نظام قيس سعيد الظفر بدعم من صندوق النقد الدولي لتغطية النقص الشديد الحاصل في موازنة الدولة العامة، إلا أن المفاوضات مع الصندوق تعثرت رغم التنازلات الكبيرة التي قدمها سعيد له، ومن المستبعد أن يتم التوصل إلى اتفاق مع النقد الدولي في ظل تواصل الانسداد السياسي في تونس.

هذا الانسداد السياسي، كان سببه الأول انقلاب قيس سعيد على دستور البلاد ومؤسسات الدولة الشرعية، وسعيه نحو فرض حكم الفرد الواحد، فتونس أصبحت على موعد مع ديكتاتورية جديدة أشد وطأة - ربما - على التونسيين من ديكتاتورية بن علي وبورقيبة.

فرص الجبهة في توحيد المعارضة

تقتضي محاولات التخلص من الانقلاب ووضع حد لنظام سعيد الاستبدادي توحيد المعارضة، ذلك أن سعيد يتغذى من تشتت وتصدع قوى المعارضة، فقد اختار العديد من مكوناتها الصمت والتواري عن الأنظار إما خوفًا وإما طمعًا في امتيازات قادمة، فيما اختارت بعض قوى المعارضة التحرك منفردة لكن ذلك لم ينفع مع سعيد.

يسعى الشابي والمحيطون به إلى أن تكون جبهة الخلاص الوطني المظلة الجامعة لعموم المعارضين، حتى تزداد قوة المعارضة وتكون ندًا قويًا لسعيد ونظامه الذي لا يبالي بأحد ومصرّ على المضي في انقلابه رغم الانهيار الذي تعيش على وقعه البلاد.

ويرى الناشط السياسي التونسي سليم الهمامي أنه لا سبيل لنجاح المبادرة المعلن عنها، "إلا بالتفاف الجميع حولها وأن يجتهد أعضاؤها في تجميع أكبر عدد ممكن من الطيف السياسي التونسي تحت لوائها والدعوة المباشرة للرئيس للجلوس الفوري على طاولة الحوار والمضي قدمًا نحو الإصلاحات الأساسية التي سيفرزها الحوار الوطني وحث حكومة الإنقاذ على تنفيذها العاجل".

بعض الأحزاب لم تستطع المحافظة على وحدة حزبها في ظل صراعات الزعامة والتموقعات، فما بالك بالمشاركة ضمن جبهة معارضة واسعة

يضيف الهمامي في حديثه لنون بوست "توجه سعيد نحو التقويض الكلي للديمقراطية وإنشاء نظام أحادي يفرق رأسه صكوك الوطنية ويرفض أي حوار ممكن مع معارضي إجراءاته، يحتم على معارضي الانقلاب توحيد جهودهم ونبذ الخلافات بينهم لما بعد إسقاط الانقلاب".

بدوره يؤكد الإعلامي التونسي كريم البوعلي أن "تشكيل جبهة الخلاص الوطني يعد لحظةً مهمةً سياسيًا، فقد ضمت الجبهة العديد من القوى التي ناضلت ضد ديكتاتورية بن علي ويعرفون جيد كيفية النضال ضد الأنظمة الديكتاتورية".

يضيف البوعلي في حديثه لنون بوست "هذه الجبهة تعتبر أكبر تكتل معارض حتى الآن، من شأنه أن يعيد توحيد المواقف بين القوى التي يهمها مستقبل الديمقراطية في تونس في ظل مواصلة قيس سعيد إجراءاته الانقلابية مهددًا الديمقراطية التونسية".

لكن البوعلي يستدرك بالقول "هذه الجبهة مهمة لكنها لن تستطيع جمع كل قوى المعارضة إلى صفها"، متابعًا "المعارضة في تونس معارضات، فهناك معارضة حقيقية ديمقراطية وهناك معارضة فلكلورية وظيفية مثل معارضة الدستوري الحر".

هناك أيضًا، وفق البوعلي "معارضة هامشية، لإثبات الوجود وإطلاق بعض المواقف المتفرقة، وهي المعارضة اليسارية التي لن ترضى بأن تكون في جبهة واحدة مع الإسلاميين ومن تتهمهم بالمساهمة في تردي أوضاع البلاد في السنوات الأخيرة".

ما يؤكد صعوبة توحيد المعارضة أيضًا أن بعض الأحزاب لم تستطع المحافظة على وحدة حزبها في ظل صراعات الزعامة والتموقعات، فما بالك بالمشاركة ضمن جبهة معارضة واسعة، فالعديد من الوجوه السياسية في تونس لا ترضى الجلوس إلا في كرسي القيادة، حتى إن كلفها ذلك قيادة مجموعة صغيرة فقط.

يسجل للشابي، سعيه لتوحيد قوى المعارضة التونسية في مواجهة انقلاب قيس سعيد، ويسجل أيضًا للأحزاب والمكونات التي قبلت الدعوة وانضمت لمبادرته، لكن هذا لا يكفي لوقف "استهتار سعيد بالشعب التونسي"، لذلك وجب على القوى المدنية والسياسية الفاعلية أن توحد جهودها وتنبذ الخلافات بينها حتى تكون قادرةً على مواجهة الانقلاب وتحمل مسؤوليتها التاريخية في إنقاذ تونس.