جبهة خلاص وطني من الانقلاب وتبعاته، لنقل جبهة سياسية لتجاوز الأزمة نحو مسار ديمقراطي لا يمكن الانقلاب عليه مرة أخرى، نحتاج أن نتجاوز التحليل قليلًا لننفخ في هذا الأمل ونتصنع الفرح رغم أن الطريق طويلة وشاقة، مكونات الجبهة موضوع للقراءة، وموقع الجبهة وقدراتها في المرحلة موضوع مهم أيضًا، لكن لنتأمل الأفق الذي طرحته في يوم الإعلان عن تكوينها واحتمالات إنجازه، فالخلاص فعل من أفعال المستقبل.

جبهة خلاص تطلب حوارًا مع الرئيس؟

هذا موقف سياسي يعلن احترام مؤسسات الدولة وينفي عن نفسه تهم الانقلاب على الانقلاب وشق الصفوف وتقسيم الشعب (وهى تهم ألقيت منذ الجلسة البرلمانية 30-03 وتلقى الآن على مكونات الجبهة من فريق الرئيس)، كما أنه في الباطن يقيم الحجة على نفسه وعلى جميع مكونات المشهد السياسي.

كل الذين تكلموا باسم الجبهة حتى الآن أكدوا هذه المعاني، وبدت جملهم موزونة وكلماتهم محسوبة، فهناك رغبة في اجتناب المواجهة أو تأجيلها حتى استيفاء كل الحجج على من رفض الحوار، بما يترك شعورًا أن الجبهة لا ترى الحسم سريعًا وتستعد لمعركة طويلة مع الرئيس، فهل لها ما يكفي من الوقت لتفعل؟

عندما ننظر إلى اللحظة من زاوية الرئيس نجده يتقدم بسرعة في تنفيذ برنامجه السياسي دون أن يخشى معارضة في الداخل أو أن يقدر ضغطًا خارجيًا، لقد سبق لنائبة وزير الخارجية الأمريكي أن نبهته إلى خطورة المساس بالهيئة الانتخابية لكن لم يصغ إلى التنبيه ومضى في برنامجه ووضع الهيئة تحت سلطته المطلقة، وقبل ذلك تجاوز التحذيرات الدولية بالمساس بهيئات القضاء والبرلمان لكنه مضى قدمًا وقد ضرب موعدًا للناس ليستفتيهم بشأن دستور جديد وقانون انتخاب جديد ولم يهتم بالنسبة الضئيلة من الناس التي شاركت في استشارته، فكل ما يفعله الآن يبنيه على أن الاستشارة كانت ناجحة وكشفت له (وحده) مقادير عالية من الموافقة على برنامجه.

التعقل الظاهر في خطاب جبهة الخلاص يصطدم كما نرى بتعنت الرئيس ورفضه الحوار مع مكونات الجبهة ومع غيرها أيضًا، بما يجعله يصدر عن رأي واحد هو رأيه، وفي هذه المعادلة يصبح كل حسن نية سياسي مرادفًا للفشل والغباء ولو تظاهر بإقامة الحجة على الخصم أمام شاهد (محلي/الشعب) أو ربما أمام شاهد خارجي يعرب عادة عن قلقه من تعنت الرئيس في بيانات عابرة، فهل المطلوب الخروج إلى مواجهة مباشرة؟

المواجهة حتمية لكن بأي شروط؟

المعارضة الجادة للانقلاب أعلنت جملها السياسية ووضعت خطوطًا عامة لتحركها المستقبلي واعتبرت تاريخ منتصف مايو/أيار تاريخًا فاصلًا بخصوص تنفيذ إعلاناتها السياسية بما في ذلك إطلاق حوارها السياسي وإعلان حكومتها الانتقالية.

رغم أن هذه الإعلانات بدت لنا متأنية (وبالها طويل) ودون أن نقدم دروسًا في التكتيك العملياتي، فإننا نرى سباقًا مع الزمن يحتاج إلى إعادة تقدير المواعيد النضالية، فالرئيس يضاعف سرعته نحو إعلان مسودة دستوره الجديد، ومن المؤكد أن لديه أو لدى فريقه الخفي شعورًا باستفحال أزمة اقتصادية واجتماعية قد تسبقه مفاعليها فتعطل برنامجه قبل أن تعطله المعارضة المتأنية.

إعلان مسودة الدستور وتأكيد موعد الاستفتاء عليه، فضلًا عن تعيين أعضاء الهيئة الانتخابية الجديدة سيخلق وقائع على الأرض تسبق تقديرات المعارضة ومواعيدها.

لقد أعلنت المعارضة في جلسة البرلمان الافتراضية نسف كل مقررات الرئيس وأفقدتها الشرعية، لكن القانون عدد واحد لسنة 22 يظل على قوته الرمزية إعلانًا سياسيًا لم يكتسب فاعليته القانونية، لذلك فإن هناك حالة من الإلغاء المتبادل لا نرى الخروج منها إلا بخلق وقائع على الأرض تفسد خطة الرئيس وتجبره على التفاوض أو الحوار في أفق حل سياسي على أساس الدستور وليس على أساس ما اتخذ من مراسيم منذ انقلابه.

هناك مواجهة حتمية قادمة لا تسمح بحسن النية السياسي، وخوضها بإصدار البيانات السياسية لا يغير الواقع على الأرض أعني لا يزعج الانقلاب ولا أنصاره وهم يمضون الآن في خطتهم، فما المطلوب إذن؟

الشارع أو الصمت

اتضحت الخطة السياسية لجبهة الخلاص على الورق وبقي أن تسند بشارع متقبل وواع وأظن أنه لم يخذل نفسه أو/وكل من دعاه للخروج منذ الانقلاب، الشارع هنا له أدوار متعددة وضرورية في الآن نفسه.

وحدها الحركة الميدانية تلغي الخلافات المكتبية المرفهة (وبعضها نقاشات بشأن جنس الملائكة رغم الظرفية الحرجة) وتحرك الشارع وتخلق نقاشات أخرى عن سبل النجاح الميداني وتفتح حوارات عن بناء المستقبل ما بعد الانقلاب، لأنها تجعل ما بعد الانقلاب واقعة في وارد التحقيق.

الحركة الميدانية تلجم المشككين والمزايدين وعشاق اللغو السياسي تحت التكييف، وتجبر المترددين على اتخاذ موقف مع أو ضد وطبعًا وكما في كل حراك سياسي سيأتي انتهازيو اللحظات الأخيرة لينضموا إلى صف الناجحين وهؤلاء خسارة للانقلاب وربما مكسب لمعارضيه.

في الحالة التونسية الحركة الميدانية ستختبر الأجهزة الصلبة وتخرجها عن صمتها وموقفها الموارب، فإما مع الدستور والديمقراطية أو مع الانقلاب، وحده الميدان المتحرك يدفع إلى اتخاذ مواقف، أما البقاء خلف البيانات السياسية فلا نظن أن يأتي أكله.

هل هي مزايدة خلف الحاسوب؟ حتى الآن نعم، لكنها رغم ذلك تؤكد حقيقة بسيطة في وضوحها، أن هذا الانقلاب لا يستحي لكنه يرتعب إذا تحرك الشارع وقد اختبر العقلاء ردود فعله، ونظن به ضعفًا ورعبًا لن يقف أمام عشر مدن تتحرك في وقت واحد وتنصب بعض الخيام في الطريق.