الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والعاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز (أرشيفية)

يصل اليوم الخميس 28 أبريل/نيسان 2022 الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المملكة العربية السعودية في زيارة تستغرق يومين، تلبية لدعوة من العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، يناقش خلالها سبل تعزيز العلاقات بين أنقرة والرياض، وتبادل وجهات النظر إزاء القضايا الإقليمية الراهنة بحسب بيان الرئاسة التركية.

الزيارة هي الأولى من نوعها للرئيس التركي للمملكة منذ مقتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي، في مقر قنصلية بلاده بإسطنبول في 2018، وهي الجريمة التي أدت إلى توتير الأجواء بين البلدين وصلت في بعض الأوقات حد القطيعة والسجال الإعلامي والسياسي المتبادل.

وكان أردوغان خلال زيارته للإمارات منتصف فبراير/شباط الماضي قد كشف عن خطوات ملموسة لطي صفحة الخلاف مع الرياض، مؤكدًا مواصلة الحوار الإيجابي مع المملكة، فيما ذكرت مصادر تركية حينها اعتزام الرئيس التركي زيارة الرياض في مارس/آذار الماضي، لكن ولأسباب غير معلنة تم تأجيلها إلى الشهر الحاليّ.

تأتي تلك الخطوة في إطار سياسة "تصفير الأزمات" التي تنتهجها أنقرة منذ بداية العام الحاليّ، في ظل أزمة اقتصادية ورغبة ملحة في تحسين العلاقات مع دول المنطقة التي كان لها تداعياتها السلبية على الوضع المعيشي الداخلي، بما يؤثر على حظوظ حزب العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة 2023، التي يراها البعض الأصعب في مسيرة الحزب منذ 2002.

ورغم أنها لم تكن مفاجئة في ظل العديد من المؤشرات التي تسير في هذا الاتجاه، فإن حزمة من التساؤلات فرضت نفسها بعد الإعلان عن تلك الزيارة التي تأتي بعد 4 سنوات كاملة من التوتر، أبرزها ما يتعلق بمستقبل قضية خاشقجي وقدرة البلدين على تجميد الملفات الخلافية التي ساهمت في توتير العلاقات خلال تلك السنوات.

شبح خاشقجي يطل برأسه

لا شك أن الأنظار جميعها تتجه صوب ملف جمال خاشقجي، هذا الملف الذي عكر الأجواء بين البلدين، وطوته أنقره قبل أيام قليلة من الزيارة حين أعلنت إحدى المحاكم التركية في 7 من الشهر الحاليّ نقل القضية برمتها إلى القضاء السعودي، ما يعني سقوطها رسميًا من أجندة الدولة التركية.

وظلت تلك القضية الحاجز الأكبر أمام تطبيع العلاقات بين أنقرة والرياض، فيما ذكرت بعض المصادر أن السلطات السعودية اشترطت غلق محاكمة خاشقجي بشكل كامل من أجل عودة العلاقات لطبيعتها مرة أخرى، وربما يكون هذا سبب تأجيل الزيارة التي كان مقررًا لها الشهر الماضي، حتى الانتهاء بشكل رسمي من تلك الخطوة التي تم إعلانها قبل أسبوعين.

صحيفة ليبراسيون الفرنسية، في أول تعليق لها على زيارة أردوغان للمملكة، قالت إن شبح خاشقجي سيكون حاضرًا خلال الاجتماع المزمع بين أردوغان وولي عهد السعودية محمد بن سلمان، كونه اللقاء الأول الذي يجمع بينهما منذ الجريمة التي هزت العالم حينها لما تضمنته من تفاصيل وحشية مروعة.

وترى الصحيفة أن ولي العهد السعودي لم ينس ما فعلته أنقرة بكشفها معلومات الجريمة وتزويدها لجهات التحقيق الأمريكية، إذ ساهم ذلك في تشويه صورة ابن سلمان لدى الأمريكان وتوتير العلاقات بين المملكة والإدارة الأمريكية سواء السابقة أم الحاليّة، كما وضعت مستقبل الأمير الشاب في خلافة والده بمهب الريح، وعليه كان على الجانب التركي أن يعزز من جهوده الدبلوماسية لتطبيع العلاقات مجددًا من خلال حزمة من التوجهات الجديدة أبرزها غلق تلك القضية للأبد.

ورقة الضغط الأبرز

شكل الاقتصاد الخنجر الأكثر إيلامًا في ظهر أنقرة، فالأزمات التي عانت منها البلاد خلال الآونة الأخيرة تجاوزت كل التوقعات، إذ تعد الأسوأ منذ سنوات طويلة، فقد انهارت العملة المحلية (الليرة) لتفقد أكثر من 60% من قيمتها خلال 12 شهرًا فقط، فيما قفزت معدلات التضخم قفزات هائلة.

تزامن ذلك مع تراجع ملحوظ في مصادر الدخل القومي والموارد الاقتصادية التي ظلت لعقود طويلة الضلع الأبرز للاقتصاد الوطني، على رأسها السياحة والاستثمار والعقارات، فضلًا عن التداعيات الكارثية لحملات المقاطعة التي تبنتها بعض الدول الإقليمية التي تعاني من توتر علاقاتها مع تركيا.

هذا الانخفاض الاقتصادي انعكس بطبيعة الحال على الشارع التركي الذي بدأ يفقد الثقة رويدًا رويدًا في حكومة العدالة والتنمية وقدرتها على عبور تلك الأزمة التي تتفاقم شهرًا بعد الآخر دون حلول جذرية وعاجلة.

تلك الأجواء كانت فرصة للمعارضة لتوظيفها سياسيًا والعزف على وترها لضرب شعبية الحكومة والحزب في مقتل، وبالفعل نجحت في تحقيق نجاح نسبي في هذا المسار وهو ما تكشفه نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة، الأمر الذي اعتبره أردوغان ناقوس خطر وتهديدًا مباشرًا لمستقبله السياسي، وعليه، وبمنطق برغماتي بحت، كان لا بد من روشتة عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل الماراثون الانتخابي المقبل الذي بات من الواضح أن الاقتصاد سيكون أحد أبرز اللاعبين المؤثرين في حسم معركته.

ابن سلمان أيضًا في مأزق

لم تكن أنقرة وحدها المدفوعة نحو تطبيع العلاقات مع الرياض رغم نقاط الخلاف البينية، فالجانب السعودي هو الآخر يعاني من وضعية صعبة سياسيًا تدفعه لفتح قنوات اتصال مع القوى الإقليمية وتكسير كرات الثلج التي تبرد الأجواء مع الجيران والحلفاء.

قد يبدو من الخارج أن الرياض هي من تتحكم في قرار عودة العلاقات مع الأتراك، لكن المسألة أعمق من ذلك بكثير، فإن كانت أنقرة لا تخفي رغبتها الملحة في عودة العلاقات مع السعوديين فإن الخير يسير بنفس الخطوات وفي ذات الاتجاه حتى وإن لم يعلن عن ذلك بشكل رسمي.

الباحثة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية، مضاوي الرشيد، في مقال لها على "ميدل إيست آي" وترجمه "نون بوست"، كشفت عن مأزق ولي العهد السعودي في الأوساط الأمريكية والغربية، الذي انتقل من "المصلح العظيم" كما كان يلقبه بعض الصحفيين الغربيين إلى "الديكتاتور الشرير".

المقال استعرض التحول الكبير في موقف الغرب من ولي العهد بسبب مواقفه الأخيرة وأبرزها رفضه إدانة موسكو لغزوها أوكرانيا في 24 فبراير/شباط الماضي، فقد وصفه مقال آخر نشر في صحيفة "وول ستريت جورنال" بـ"الصبياني"، تعليقًا على ارتدائه سروالًا قصيرًا خلال استقباله مبعوث الأمن القومي الأمريكي جاك سوليفان، معتبرًا أن ذلك مؤشرًا على انعدام الاحترام، وبعد ذلك نشر موقع "ذي شيكاغو تريبيون" مقالًا طالب بأن "تترك المملكة العربية السعودية للذئاب"، وضرورة سحب الدعم من ابن سلمان ليواجه مستقبله الغامض، وكان من أبرز المؤيدين لهذا التوجه، الدبلوماسية السابقة والزميلة في أحد مراكز البحث والتفكير، إليزابيث شاكلفورد.

ومع اقتراب إبرام واشنطن اتفاقًا نوويًا مع طهران، لم تجد الرياض بدًا من طرق أبواب حلفائها القدامى والقوى الإقليمية المؤثرة، حتى إن تباينت وجهات النظر حيال بعض الملفات، وعليه كانت دبلوماسية تحسين الأجواء مع القاهرة بعد خلافات شابت العلاقات مؤخرًا، ومن قبلها الدوحة، ثم تل أبيب، وها هو التوجه ذاته يتم مع أنقرة.

تركيا وتصفير الأزمات

تتبنى الحكومة التركية خلال الآونة الأخيرة سياسة "تصفير الأزمات" وفتح قنوات اتصال مع جيرانها والقوى التي تعاني علاقاتها معها من توترات بسبب المواقف السياسية إزاء بعض الملفات التي تعاظمت أكثر مع انطلاق الربيع العربي 2011، ودفعت أنقرة ثمنها غاليًا جدًا لا سيما على المستوى الاقتصادي.

الجهود التي يبذلها أردوغان ووزير خارجيته مولود جاويش أوغلو، تكشف وبشكل كبير عن رغبة تركية لبدء صفحات جديدة مع دول المنطقة، فكانت الاتصالات والزيارات المتبادلة مع أبو ظبي والقاهرة وتل أبيب، بجانب تخفيف حدة التوتر مع بعض القوى في الملفات ذات التماس المشترك كما هو الحال في سوريا وليبيا واليمن.

الباحث في الشأن التركي، سعيد الحاج، يتطرق إلى حزمة من المحددات والسياقات التي دفعت أنقرة لفتح قنوات حوار مع القوى الإقليمية، أبرزها الاستنزاف السياسي والاقتصادي التركي جراء انخراطها في نزاعات وملفات المنطقة بشكل مباشر أو غير مباشر، من سوريا للعراق ومن ليبيا  للقوقاز.

بجانب الوضع الاقتصادي المتردي والتحديات التي يواجهها، بعد فشل السياسات الحاليّة في إنقاذ الموقف، ما ترك أثره بشكل كبير على المواطن التركي، وهو ما يمكن أن يكون له ارتداداته العكسية خلال الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة المقرر بها في يونيو/حزيران 2023.

كما أن تنامي الحلف المناهض لتوجهات أنقرة الإقليمية (اليونان - قبرص اليونانية - مصر - السعودية - الإمارات - البحرين) كان عاملًا مؤثرًا في دفع تركيا لإعادة النظر في إستراتيجية فتح جبهات جديدة، وضرورة ترميم ما هو موجود بالفعل، حفاظًا على تماسكها ووقف نزيفها السياسي واستنزاف مواردها الاقتصادية.

وبعد تراجع أسباب الاستقطاب وتخفيف حدة التوتر مع القوى الإقليمية ذات التوجهات المتباينة، وتجميد الملفات الجدلية مؤقتًا، وبروز الخطر الإيراني مجددًا بعد إعلان واشنطن قرب التوصل إلى اتفاق نووي جديد، فضلًا عن التحديات الإقليمية والدولية، الأمنية والسياسية والاقتصادية، بات المناخ ملائمًا لعودة كل طرف خطوة للوراء من أجل إعادة النظر في الخريطة الإقليمية الراهنة بهدف تدشين تحالف قوي قادر على مواجهة تلك التحديات.

بناء على هذه المعطيات، فإن القراءة الأولية لزيارة أردوغان للمملكة لا تخرج عن إطارها البرغماتي البحت، فكل طرف في حاجة ماسة للطرف الآخر، رغم تباين نوعية وحجم ومسارات الحاجة بين أنقرة والرياض، فبينما الاقتصاد هو قاطرة الدفع الأبرز تركيًا، فإن الدعم السياسي واستعادة قوة الحلف القديم هو المحرك الرئيسي لفتح السعودية صفحة جديدة في العلاقات مع تركيا، فيما تبقى الملفات الخلافية بينهما في ثلاجة المصالح المشتركة مؤقتًا حتى إشعار آخر.