قيس سعيّد وشقيقه الأصغر نوفل

قيس سعيّد وشقيقه الأصغر نوفل

غياب الرئيس التونسي قيس سعيّد عن وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، حتّم على المتابعين للشأن العام التونسي البحث عن مصادر أخرى للمعلومة، وقد وجدوا ضالتهم في شقيق الرئيس نوفل سعيّد، أستاذ القانون الدستوري هو الآخر.

كل من كان يريد معرفة موقف قيس سعيّد من مسألة ما، عليه الاتصال بشقيقه نوفل أو الدخول لصفحته الرسمية، وهناك سيجد ما يبحث عنه، فمواقف الرئيس يصرّح بها شقيقه رغم عدم وجود منصب رسمي له، فحتى ليلة انتصار سعيّد بالرئاسة تحدّث شقيقه مطوّلًا في الإعلام.

بقيَ الحال على ما هو عليه لعدة أشهر، إلى غاية شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حيث خيِّر أو لنقُل تمَّ إجبار نوفل سعيّد على الصمت والتواري عن الأنظار لانتهاء مهمته، وأيضًا "تغوُّل" الشق المناهض له في قصر الحكم بقرطاج.

عودة شقيق الرئيس للساحة

بقيَ شقيق الرئيس صامتًا لأكثر من 7 أشهر، لا نسمع له صوتًا ولا نرى له صورة، حتى أنه اعتزل التدوين كامل تلك الفترة، فآخر تدوينة له على صفحته الخاصة في فيسبوك كانت بمناسبة المولد النبوي الشريف يوم 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، وقبلها بأسبوعَين تحدّث نوفل عن السقف الزمني للانتخابات.

منذ ذلك التاريخ سكت نوفل سعيّد، وهو الذي كان يُوصَف بأنه "رجل الظل" في قرطاج، والمتحدث الرسمي باسم شقيقه الذي أتى إلى حكم تونس عقب فوزه على رجل الأعمال نبيل القروي، بدعم من جهات خارجية وداخلية عديدة.

غاب نوفل بعد أن نصّب نفسه في وقت سابق ولعدة أشهر مسؤولًا عن توضيح كل غموض يتساءل عنه التونسيون وله علاقة بالسياسات العامة للدولة، رغم أنه لا يحمل أيّ صفة رسمية في الدولة أو أي منصب سياسي أو حزبي.

يقبع الرئيس سعيّد تحت ضغط قوي، داخليًّا وخارجيًّا، يتزايد يوميًّا

اشتدَّ الضغط مؤخرًا على الرئيس سعيّد، داخليًّا وخارجيًّا، للعودة إلى المسار الدستوري بعد أن انقلبَ يوم 25 يوليو/ تموز الماضي على دستور البلاد، وحلَّ أغلب مؤسسات الدولة المنتخَبة، وعيّنَ حكومة بمفرده كما عيّنَ مؤسسات تكنُّ له الولاء التامّ على غرار مجلس القضاء المؤقت وهيئة الانتخابات.

حتّم هذا الضغط الكبير على سعيّد الاستعانة بشقيقه نوفل وإخراجه من الرف ونفض الغبار عنه مجددًا، وإعادته إلى واجهة العمل السياسي مجددًا، لكن كالعادة دون منصب رسمي، فالغاية من ذلك تمرير الرسائل التي يعجز سعيّد عن قولها مباشرة.

دعم الانقلاب أو الهجرة غير النظامية والإرهاب

عاد نوفل سعيّد للظهور مجددًا عبر تدوينة في صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، مباشرة إثر فشل التحركات الشعبية التي كان يأمل الرئيس أن تكون داعمة له ومبرّرًا لقرارات "مصيرية" قادمة.

أراد شقيق الرئيس من خلال تدوينه تحويل الأنظار عن التحركات الفاشلة -رغم التحشيد وتعاون مؤسسات الدولة معها- إلى مسألة أخرى، لتخفيف الضغط عن شقيقه وربح بعض الوقت الذي يحتاجه الرئيس لتنزيل برنامجه أرض الواقع وفرضه على عموم التونسيين.

سعى نوفل سعيّد من خلال تدوينته التي كتبها بغير اللغة العربية، على غير عادته، أن يمرّرَ رسالة للخارج مفادها أن معارضي الرئيس يسعون لتقويض مصداقية شقيقه، من خلال زعزعة استقرار البلاد وخلق أزمات اقتصادية وضرب صورته دوليًّا، وإخراجه في صورة الديكتاتور الذي ينحرف بالبلاد نحو أتون السلطوية والاستبداد.

 

لم يكتفِ الأخ الأصغر للرئيس بذلك، إذ هدّدَ ضمنيًّا الغربَ بموجة من الهجرة غير النظامية وتحوُّل تونس إلى بؤرة للإرهاب، في حال لم يتمَّ دعم شقيقه وغضّ الطرف عن الانقلاب الذي أجهز من خلاله على الديمقراطية التونسية، التي كانت إلى وقت قريب تعدّ الاستثناء الوحيد الناجي في دول الربيع العربي.

نفهم ذلك من خلال قوله إن "عدم نجاح تونس في المسار الذي وضعه سعيّد، ووضع مزيد من الضغوط عليه، والتصعيد من حدة الخطاب ضده، واتخاذ إجراءات في غير محلها، ستتسبّب في موجة واسعة من المهاجرين غير النظاميين إلى السواحل الأوروبية، والمهاجرين قد يتّجه معهم عدد من الإرهابيين.. ومثلما نعلم الهجرة غير النظامية والإرهاب تتفاقم في ظل وضع تشوبه الأزمات وعدم الاستقرار".

قال نوفل ما يريد أن يقوله شقيقه، فسعيّد يهدِّد صراحة الغرب ويساومهم على إما دعمه وإما على الأقل الصمت تجاه ما يفعل، وإلا ليجهّزوا أنفسهم لموجة من الهجرة غير النظامية غير محسوبة العواقب، فلا خيار آخر عند الرئيس التونسي.

فكّ الضغط عن الرئيس

لم يكن خروج نوفل سعيّد في هذا التوقيت اعتباطيًّا أو أن ما قاله مجرد تدوينة عابرة، وإنما كان خروجه مدروسًا، فكما قلنا جاء بعد فشل التحركات الشعبية التي كانت مبرمجة ليوم 8 مايو/ أيار الماضي، فضلًا عن تزايد الضغط الدولي المسلَّط على الرئيس.

في تقدير المحلل السياسي التونسي سليم الهمامي، فأن الهدف من خروج شقيق الرئيس بعد غياب هو "امتصاص خيبة الأمل في فشل التحشيد ليوم 8 مايو/ أيار، وظهور أنصار الانقلاب في مظهر الضعيف المفتَّت والفاقد للشرعية في الشارع".

هذا الفشل اضطرَّ محيطَ القصر، وفق حديث الهمامي لـ"نون بوست"، إلى "القيام بمحاولات للتعمية وتغطية فضيحة رغم تسخير مقدرات الدولة وإطاراتها السياسية عن عمد، ووصل الأمر إلى مشاركة محافظ تونس، الذي منع في وقت سابق التظاهر في شارع الحبيب بورقيبة، وناقض نفسه بالنزول إليه مساندة وتحريضًا، وصولًا إلى وزير داخلية السلطة القائمة الذي نزل أيضًا تحشيدًا وتحريضًا".

أظهرت الأشهر الأخيرة انكباب الرئيس التونسي على ترسيخ حكم الفرد الواحد، ضاربًا عُرض الحائط بالدستور والبرلمان والقضاء التونسي وهيئة الانتخابات

يقول الهمامي إن "فشل التحرك وتزايد الضغط على الرئيس دفع نوفل سعّيد إلى مدّ ما حسبه طوق نجاة لأخيه ومشروعه الفاشي، بكتابة تدوينة جمعت بين الترغيب والتهديد، حيث أمعن في مغالطة الرأي العام بسرد معطيات مغلوطة وكاذبة حول مدى شعبية مغتصب السلطة ورئيس الأمر الواقع، ووصل الأمر حتى توجيه رسائل تهديد للبلدان الأوروبية واستعمال ورقة الهجرة غير النظامية واندساس الإرهابيين بين قوافل المهاجرين".

كما يرى محدّثنا أن هذا الأمر لم يحصل في تاريخ تونس، و"إن دلًّ على شيء فهو يدلّ على تخبُّط الرئيس والمحيطين به وإفلاسهم شعبيًّا ودوليًّا، خصوصًا أمام الإجماع على تآكُل شعبية قيس سعيّد والضربة التي كالها له شارع الثورة".

 

يُذكر أن الرئيس سعيّد يقبع تحت ضغط قوي، داخليًّا وخارجيًّا، يتزايد يوميًّا، إذ بدت المواقف الخارجية في الأيام الأخيرة أكثر حدّة من ذي قبل، خصوصًا من الإدارة الأمريكية التي عبّرت بوضوح من خلال وزير خارجيتها أنتوني بلينكن، عن أن دعم تونس سيكون مشروطًا بعودة المسار الديمقراطي.

كما أربكَت جبهة الخلاص المعارضة، التي أعلن عن تشكيلها رجل السياسة المخضرم والمعارض الكبير نجيب الشابي، وضمّت عدة أطراف سياسية ومدنية على رأسها حركة النهضة وائتلاف مواطنون ضد الانقلاب، قيسَ سعيّد وجماعته.

المضيّ في تكريس الحكم الفردي

رغم الضغط الكبير المسلَّط عليه للعودة للمسار الدستوري، يواصل قيس سعيّد جهوده الحثيثة لتكريس الحكم الفردي في تونس، وفي آخر إجراء له تعيينه أعضاء هيئة الانتخابات بشكل أحادي، والتوجيه بتشكيل الهيئة المتعلقة بالمصالحة مع رجال الأعمال المتورطين في قضايا فساد.

 

قبل أيام قال سعيّد إنه سيعيّن في الأيام القليلة المقبلة لجنة صياغة دستور جديد للبلاد لتأسيس ما وصفها بأنها جمهورية جديدة، على أن يُجرى استفتاء على الدستور الجديد في 25 يوليو/ تموز المقبل، فيما قرر إجراء الانتخابات التشريعية في ديسمبر/ كانون الأول 2021، الأمر الذي ترفضه غالبية الأطياف السياسية والمدنية في تونس.

أظهرت الأشهر الأخيرة انكباب الرئيس التونسي على ترسيخ حكم الفرد الواحد، ضاربًا عرض الحائط بالدستور والبرلمان والقضاء التونسي وهيئة الانتخابات، في حين تعاني تونس فشلًا اقتصاديًّا حادًّا لا يظهر له حلّ في القريب العاجل.