منذ سقوط نظام البشير، مضت أكثر من 3 أعوام وما زال مستقبل السودان السياسي مموَّه الملامح، فالخلاف بين الفاعلين السياسيين يبلغ أوجَهُ، مع أمل في انعقاد حوار مرتقب من الممكن أن يفضي إلى تسوية سياسية وتشكيل حكومة مدنية.

ورغم الأمل في التئام شمل حكومة، يبقى احتمال تعرقل مسار الانتقال الديمقراطي أمرًا واردًا، في ظل تطاول الفترة التي أعقبت الثورة مع تعدد القوى السياسية الفاعلة وتجاذباتها، خصوصًا أن العديد من الملفات والقضايا تمَّ الدفع بها بعد انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول، كالموقف الحاد من وجود العسكر في المشهد السياسي، والذي تصاعدَ بعد الانقلاب.

وتتفق جميع الأطراف على أن الوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة هو الهدف النهائي للعملية السياسية ما بعد الثورة، إلا أن الطريق إلى محطة الانتخابات يبدو حتى الآن بعيدًا، وتتعدد سُبله، فكل الأطراف السياسية، وإن اتفقت على الانتخابات نهاية الأمر، إلا أنها لا تطرحها كخيار آني.

فترة انتقالية بمثابة حلبة صراع

إذا ما كانت الفترات الانتقالية تُعرف بأنها فترات بناء وتهيئة أجواء للانتقال من وضع إلى آخر، فإنها ليست كذلك على الإطلاق في السودان، فالفترة الانتقالية كانت على النقيض تمامًا، حيث تحولت إلى حلبة صراع محتدم، يحاول أي طرف صرع الآخر فيها.

ومع تطاول أمدها حتى الآن، واحتمال تطاوله أكثر، يبدو أن التناقضات الجذرية بين الفاعلين لن تشهد أي تهدئة، بل ستظل تطلّ برأسها بين الفينة والأخرى، خصوصًا مع الصوت الشعبي المتمثل في لجان المقاومة، التي تتبنّى خطابًا جذريًّا يرفض أي شكل من أشكال وجود العسكر في المشهد السياسي.

ورغم بوادر التسوية والحوار الذي تيسّره آلية ثلاثية مكوّنة من الاتحاد الأفريقي والإيقاد وبعثة يونيتامس، إلا أن لجان المقاومة السودانية أعلنت يوم الأربعاء في مؤتمرها الصحفي للتوقيع على ميثاق سلطة الشعب، رفضها الكامل لأي وجود للعسكر في المشهد، بل تعدت ذلك لتضع مبدأ المحاسبة الجنائية والقصاص أحد الشروط عاجلة التنفيذ.

وتجد القوى السياسية المتقبّلة لمبدأ استعادة الشراكة مع العسكر نفسها في موقف حرج، إذ أي عودة للشراكة يعني الصفح -ولو مؤقتًا- عن الجنايات التي اُرتكبت ما بعد انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول، فلا يمكن للعسكر التورُّط في شراكة تمنح المدنيين سلطات واسعة، وربما تؤسِّس لنفوذ استراتيجي بعيد المدى، من دون ضمان خروج آمن لهم من المشهد على الأقل.

وتُتّهم القوى السياسية بتغاضيها عن انتهاكات العسكر بحقّ المتظاهرين السلميين، منذ فضّ اعتصام القيادة العامة، بدافع الحفاظ على امتيازات الشراكة التي يبدو أن العسكر هو المتحكم الأساسي فيها، فهو من ينهيها متى أراد ويستعيدها إن اضطر إلى ذلك.

ورغم هذه العلاقة الاضطرارية، إلا أن العسكر لا يأمن جانب القوى السياسية المدنية، فهو يعلم أنه مهما بدا من توافق شكلي، إلا أن القوى السياسية تُضمِر النية للانقضاض على العسكر نهاية الأمر، نسبةً إلى العداء التاريخي والحضور المتطاول للعسكر في حاضر السودان السياسي على حساب القوى السياسية.

تطاول مستمر

قبيل توقيع اتفاق الوثيقة الدستورية بين المدنيين والعسكريين، تعالت الأصوات المنادية بفترة انتقالية طويلة نسبيًّا، حيث تمَّ شبه إجماع حول فترة انتقالية تبلغ 4 أعوام، واستندت حجّة الداعين لمثل هذا الأمد إلى تجارب الفترات الانتقالية السابقة في السودان التي أعقبت الهبّات والثورات الشعبية.

فقد اتّسمت تلك الفترات بالقِصر، لتبلغ أطول فترة انتقالية عامًا واحدًا، الأمر الذي علّقت عليه القوى السياسية الفشل الذي أعقب الفترات الانتقالية في السودان، ومن ثم العودة إلى الأنظمة العسكرية الديكتاتورية، كحالة ملازمة للمشهد السياسي السوداني.

وبعد مضي 14 شهرًا من عمر الفترة الانتقالية، برزَ إلى المشهد لاعب جديد يطالب بحقّه في تلك الفترة التي مضت من عمر الفترة الانتقالية دون أن يكون شريكًا فيها، فبحكم اتفاق سلام جوبا الموقَّع مع الحركات المسلحة، والذي بموجبه تمَّ إشراك الحركات في السلطة الانتقالية، تمَّ تمديد الفترة الانتقالية 14 شهرًا آخر، باحتساب الفترة الانتقالية من تاريخ توقيع اتفاق سلام جوبا.

وفي ظلّ جدل قانوني ودستوري مدّدَ الفترة الانتقالية، برز خلاف حول توقيت انتقال رئاسة المجلس السيادي للمدنيين، فرغم تعديل الوثيقة بالتوافق لاستيعاب مخرجات اتفاق جوبا، بما فيه تمديد الفترة الانتقالية، تمَّ إغفال النص على تعديل ميقات انتقال رئاسة المجلس السيادي للمدنيين.

وقبيل ميعاد مزعوم من قبل المدنيين لانتقال رئاسة المجلس السيادي إليهم خلفًا للبرهان، نفّذ الفريق البرهان انقلابه العسكري، ليلغي بقراره مسيرة أكثر من عامَين من الجهود المبذولة في طريق الانتقال الديمقراطي.

وكما يتّضح من عدد من الشواهد، فإن واحدة من أسباب انقلاب البرهان هو التخوف من انتقال السلطة إلى المدنيين، سواء في ذلك الميقات المزعوم أو بُعده بالضرورة الحتمية، ما يدفع بتساؤل منطقي: من هو المستفيد الفعلي من تمديد الفترة الانتقالية إلى أطول فترة؟ وهل يمثل تطاول الفترة الانتقالية في السودان تعطيلًا لمسار حتمي ينتظر العسكر؟

العسكر.. تلويح كاذب ومراوغ بورقة الانتخابات

في أثناء هذا المشهد، لطالما ظلّت ورقة الانتخابات هي الورقة التي يلوّح بها المكون العسكري منذ أول يوم، فمنذ فضّ اعتصام القيادة العامة في يونيو/ حزيران 2019، وعدَ البرهان وقتها بإجراء انتخابات خلال 9 أشهر، وهو ما يستحيل من نواحٍ فنية وأخرى سياسية.

فالقوى السياسية تعلم تمامًا أنها ليست في حالة استعداد للانتخابات، كما أن العديد من الإجراءات الفنية المتعلقة بالإحصاء السكاني وتكوين مفوضيات الانتخابات وتقسيم الدوائر الجغرافية ستتطلب فترة طويلة من الزمن، لضمان نزاهة وعدالة العملية الانتخابية.

وظلَّ العسكر يلوّح بورقة الانتخابات إحراجًا للقوى السياسية، لإظهارها بصورة الطامع في الحكم دون استحقاق، ليستخدم ذلك في صراعه الجماهيري معها.

من ناحية أخرى، يودّ العسكر حقًّا إجراء الانتخابات، كما وعد بها البرهان في أعقاب انقلابه الأخير، فهي الحالة الوحيدة التي قد تمكِّن العسكر من ترتيب خروج آمن له عبر ضمان صعود قوى حليفة له، كالقوى التابعة للنظام البائد أو القوى الاجتماعية والسياسية التي تحالف معها وصعّدها أثناء فترته في الحكم.

القوى السياسية.. لا انتخابات في ظل هذه الأوضاع

واحدة من أبرز الحجج التي تدفع بها القوى السياسية المدنية في وجه الداعين للانتخابات، هي الأثر المتطاول لنظام البشير الذي استمرَّ 30 عامًا، مخلِّفًا آثاره في شتى مناحي الحياة السياسية والاقتصادية، فلذلك، وبحسب وجهة نظر القوى السياسية، لا يمكن لأي عملية انتخابية أن تكون ذا جدوى إلا بتصفية جميع آثار نظام المؤتمر الوطني.

يمكن ترجمة الحجّة أعلاه بالعبارة التالية: أي انتخابات في هذه الأوضاع، تعني عودة نظام المؤتمر الوطني وعودة الأوضاع الاجتماعية والسياسية إلى ما كانت عليه قبل الثورة.

ويعتبر هذا أمرًا غير دقيق، إذا ما استصحبنا الرفض الشعبي لنظام المؤتمر الوطني الذي أسقطه الشعب، ليبقى احتمال تخوف القوى السياسية من عدم جاهزيتها هو الاحتمال الأقرب الذي يدفع القوى السياسية إلى رفض خيار الانتخابات.

خشية القوى السياسية من العملية الديمقراطية ظلّت تهمة تلاحقها، مع فشلها في تكوين برلمان طوال عامَين، مع اتهامها بالتكاسل المتعمَّد عن تشكيله، باعتباره أحد أهم الأجهزة التشريعية في الأنظمة السياسية.

فقد ظلت جميع القرارات الحكومية تشرَّع وتجاز طوال عامَين من قبل المدنيين والعسكريين، عبر اجتماع مشترك يضمّ مجلس الوزراء والمجلس السيادي، ليمارسا صلاحيات البرلمان الغائب طوال فترة الشراكة.

لا طريق واضح نحو الانتخابات

غياب البرلمان حتى الآن، وضعف احتمال تشكيله (نسبة إلى الخلافات الكبيرة المتوقعة بخصوصه)، ساهما وسيساهمان في صرف النظر عن الانتخابات في المدى القريب، فأي تشريع سيخصّ الانتخابات لا بدَّ له من المرور على برلمان لإجازته.

نصت الوثيقة الدستورية على تشكيل برلمان توافقي ما بين القوى الفاعلة في الثورة، دون تحديد نسب "قاطعة"، حيث تعددت الرؤى حول آليات ونسب تشكيله، خصوصًا مع بروز وتشكُّل أجسام وكتل سياسية طوال الفترة الماضية، ما أفرزَ حالة من الخلافات حول نِسَب توزيع مقاعده.

وبحسب الوثيقة الدستورية، كان من المقرَّر أن تُعقد انتخابات السودان في بدايات العام 2024، بعد تشكيل عدد من المفوضيات وإنفاذ عدد من بنود اتفاق سلام جوبا.

لكن مع تعقُّد المشهد السياسي، فإن أي حل سيُطرح من المتوقع أن يطيل من عمر الفترة الانتقالية قبل الوصول للانتخابات، وبالتالي يعني مدّ الفترة التي ستجمع المكونات السياسية المتناحرة، ليعود المشهد المربك الذي يبقى من المحتمل أن ينفضَّ في أي لحظة، نسبة إلى صرف معظم القوى الفاعلة نظرها عن الانتخابات في القريب العاجل، التي ربما تكون الحل للأزمة التي طالت ومن المتوقع أن تطول أكثر.