تأمل تركيا في زيادة نفوذها بمنطقة الساحل والصحراء الإفريقية

تعمل تركيا جاهدة منذ سنوات عديدة على تطوير حضورها في مناطق عدة من العالم - تحقيقًا لأهداف اقتصادية وعسكرية - على غرار منطقة الساحل والصحراء الإفريقية التي تقع تاريخيًا تحت النفوذ الفرنسي، وتسعى أنقرة لاستغلال تنامي الرفض الشعبي للوجود الفرنسي هناك، فضلًا عن التعاون المرتقب بينها وبين الجزائر في هذا الخصوص حتى تقوي مكانتها في تلك المنطقة الملتهبة.

تعاون تركي جزائري مرتقب

مثل لقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الجزائري عبد المجيد تبون في أنقرة أمس الإثنين، فرصة لمناقشة عدد من الملفات الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، على رأسها الوضع في منطقة الساحل التي تشهد تطورات كثيرة في الفترة الأخيرة.

على هامش هذا اللقاء، كشف الرئيس تبون عن "اتفاق بين الجزائر وتركيا لتنفيذ خطوات مشتركة في المنطقة لتحقيق الاستقرار ومكافحة الإرهاب"، خاصة أنها تعيش حالة من عدم الاستقرار ونشاط الجماعات الإرهابية.

ترى أنقرة أن الجزائر يمكن أن تمهد لها الطريق نحو نفوذ أكبر في منطقة الساحل، لما تتمتع به من مكانة مهمة بين شعوب المنطقة

لم يكشف تبون طبيعة هذه الخطوات المرتقبة مع الجانب التركي، لكن من المرتقب أن يتم استغلال الحضور اللافت للجزائر في المنطقة خاصة في مالي ومعرفتها الكبيرة بأغلب التفاصيل هناك، فضلًا عن استغلال مكانة تركيا في النيجر وتشاد التي ما فتئت تتعزز في السنوات الأخيرة.

يهم الجزائر كثيرًا عودة الاستقرار في منطقة الساحل والصحراء، ذلك أن تنامي نشاط الجماعات الإرهابية وضعف التنمية هناك، من شأنه أن يهدد استقرار وأمن الجزائر، فأغلب المسلحين الناشطين في هذا البلد العربي يأتون من دول منطقة الساحل.

أما تركيا فيهمها توطيد مكانتها في المنطقة، خاصة أن أنقرة ركزت في السنوات الأخيرة على توسيع رقعة نفوذها لتعزيز أهدافها على المستويَّين الاقتصادي والعسكري، تمهيدًا للاضطلاع بدور أكبر في القارة السمراء.

أسس الاستفادة

ترى أنقرة أن الجزائر يمكن أن تمهد لها الطريق نحو نفوذ أكبر في منطقة الساحل، لما تتمتع به من مكانة مهمة بين شعوب المنطقة، فهي لم تتورط في أي عمل عسكري في المنطقة كما يوجد هناك روابط عائلية بين المجموعات السكانية في شمال مالي وجنوب الجزائر.

إضافة إلى ذلك، شاركت الجزائر بفاعلية في اتفاق السلام الذي وقعته حكومة باماكو مع الانفصاليين سنة 2015، وتتولى قيادة لجنة المتابعة تطبيقه، لهذه الأسباب تكن شعوب دول الساحل والصحراء الخمس احترامًا كبيرًا للجزائريين.

لهذا الأمن فإن التعاون مع الجزائر من شأنه أن يمنح تركيا مصداقية أكبر لدى شعوب تلك المنطقة ويفتح لها الأبواب لتقوية نفوذها هناك، فأنقرة يهمها كثيرًا أن تكون علاقتها مع الشعوب كما هي مع الأنظمة على أحسن ما يرام حتى يسهل عملها ولا تتعرض لمضايقات.

عملت تركيا في السنوات الأخيرة على استمالت النُّخب الدينية، ففي مالي مثلًا شيّدت مسجدًا في حي راقٍ بالعاصمة، كما أعادت تأهيل مسجد آخر في مسقط رأس الرئيس السابق إبراهيم بوبكر كيتا، وقدمت المساعدة لدول المنطقة في مجالات الرعاية الصحية والمياه والتعليم.

أنشأت تركيا مستشفيات في باماكو ونيامي وأرسلت عيادات متنقّلة إلى بلدات إقليمية وافتتحت العديد من المشاريع مثل المدارس الابتدائية والثانوية والفنية ودار أيتام وحدائق الصداقة وآبار مياه والزراعة الحديثة، وتوفِّر المؤسسات التركية الحكومية والأهلية رعاية صحية مجانية وتوزع الطعام على شعب المنطقة.

كما يمكن أن تستفيد تركيا من التعاون مع الجزائر استخباراتيًا، فعلى الرغم من أن الدور الأمني للجزائر ليس ظاهرًا للغاية، فهم على دراية بكل ما يحدث في مالي ودول الساحل من أجل أمنهم، وقد تمكنوا من تكوين شبكات استخباراتية قوية تمنحهم قراءات جيدة لما يحصل في دول المنطقة.

يمكن أن تستغل تركيا ذلك، وتنمي وجودها العسكري في المنطقة، وسبق أن وقعت أنقرة في 26 يوليو/تموز 2018، اتفاقية تعاون عسكري مع النيجر - وهي الدولة الرئيسية في منطقة الساحل الإفريقي -، وتنص الاتفاقية المذكورة على إنشاء القوات المسلحة التركية قاعدة عسكرية في النيجر.

وتأمل أنقرة في تدعيم نفوذها بمساعدة الجزائر من خلال تقديم جميع أشكال الدعم المادي واللوجستي لجيوش دول المنطقة، التي تأمل في الارتقاء بقدراتها العسكرية وتمكينها من الاضطلاع بمهامّ حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة.

فضلًا عن ذلك، يمكن أن تستفيد تركيا اقتصاديًا، ذلك أنه يمكن أن تكون الجزائر بوابة لها نحو دول الساحل، فللجزائريون وزن اقتصادي وتجاري في المنطقة، سواء تعلق الأمر بتمبكتو أم غاو أم كيدال، إذ تعتمد تلك الأسواق على الواردات الجزائرية.

يشكل التعاون التركي الجزائري تحديًا حقيقيًا للنفوذ الفرنسي والغربي بشكل عام في منطقة الساحل والصحراء

يمكن لأنقرة أن تستفيد كثيرًا من ذلك، وتطور علاقاتها الاقتصادية مع دول المنطقة، خاصة أن الجزائر تعمل على فتح العديد من المعابر الحدودية لتقوية المبادلات التجارية مع دول الساحل كما يمكن استغلال اكتمال الطريق العابر الصحراء (يربط 6 دول وهي: الجزائر وتونس والنيجر ونيجيريا ومالي وتشاد)، الذي سيستغل بشكل كامل، عقب بناء ميناء الحمدانية في مدينة شرشال، بمحافظة تيبازة.

وعرف الحضور الاقتصادي التركي في دول الساحل تطورًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، من ذلك انتشار البضائع التركية هناك وتسارع نشاط شركات المقاولات التركية، فقد وقّعت شركة كاليون التركية مع حكومة مالي سنة 2019 عقدًا لإنشاء نظام نقل حضري في عاصمة البلاد، كما شهدت السنة نفسها افتتاح مطار ديوري حماني الدولي في العاصمة النيجر نيامي، بعد تجديده من شركة تركية.

فبوصفها قوة زراعية كبيرة وأول منتج للدقيق في العالم، أضحت تركيا شريكًا تجاريًا لا غنى عنه لدول منطقة الساحل والصحراء التي يمثل الأمن الغذائي لسكانها رهانًا عظيم الشأن، في ظل موجات الجفاف التي تشهدها وتنامي الجريمة المنظمة هناك.

استغلال تراجع النفوذ الفرنسي

ترغب تركيا في توسيع الدور الذي تؤديه في منطقة الساحل، لذلك تسعى مضاعفة تدخلها في عمليات محاربة الإرهاب في المنطقة والمساهمة قدر الإمكان في تنمية شعوب المنطقة، لذلك فإن تعاونها مع الجزائر سيفتح آفاقًا أكبر لها.

فضلًا عن تعاونها مع الجزائر، من المنتظر أن تستغل أنقرة فشل فرنسا في القضاء على الإرهاب في منطقة الساحل وقرارها الانسحاب العسكري بعد قرابة 9 سنوات من التدخل لملء الفراغ الذي ستتركه القوة الفرنسية برخان.

كما تعمل أنقرة على استغلال التململ الشعبي من الوجود الغربي في المنطقة حتى تقوي وجودها هناك، فشعوب دول الساحل أصبحوا يمقتون الغرب خاصة باريس باعتبارها قوى استعمارية قديمة، وقد رأينا المظاهرات المنددة بالوجود الفرنسي وآخرها مظاهرات تشاد نهاية الأسبوع الماضي.

ويحظى النشاط التركي في منطقة الساحل بترحيب كبير من شعوب المنطقة التي تجمعهم معها قواسم مشتركة، فأنقرة لا تفرض شروطًا عليهم لتقديم يد المساعدة لهم، ولا تنهب ثرواتهم ولا تتحكم في قرارهم السيادي كما تعمل فرنسا منذ عقود.

أما فرنسا التي تحضر ظاهريًّا في المنطقة من أجل مكافحة الإرهاب والحد من الهجرة غير النظامية، فتتهم بسرقة خيرات دول المنطقة من ذهب وفضة ونحاس ونفط وغاز ويورانيوم والتحكم في قرارها السيادي.

يشكل التعاون التركي الجزائري تحديًا حقيقيًا للنفوذ الفرنسي والغربي بشكل عام في منطقة الساحل والصحراء، التي تكتسي أهمية إستراتيجية بالغة لكسب موطئ نفوذ في القارة السمراء، فيما تأمل تركيا أن تستفيد أكثر من تعاونها مع الجزائر لتعزيز نفوذها هناك.