يبدو أن وزير الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة لم يدرك ما يقول حينما رد على المظاهرات التي خرجت احتجاجًا على حكومته في مدينة الباب بريف حلب الشرقي، بالقول "أنا مو كل ما اعتصم 2 أو 3 بدهم يجبروني على قرار"، إذ ذكّر رده هذا السوريين بسلوك وزير الداخلية في نظام الأسد الذي خرج في أول مظاهرة تشهدها سوريا عام 2011 وخاطب المحتشدين بالقول "عيب يا شباب هي صار اسمها مظاهرة"، العبارة التي أصبحت أيقونة للتندر والسخرية!

الوزير وهو الضابط حسن حمادة المنشق عن نظام الأسد، جعل همّه أن يعرف من سرب تفاصيل القضية التي يحتج عليها الناس، وهي الإفراج عن "شبيح" مدان بقضايا قتل واغتصاب، كان معتقلًا لدى الجيش الوطني، بعد دفعه رشوة لأحد ضباط "الوطني".

هنا لا نريد التحامل على الوزير حمادة، إذ أن تصريحاته التي أججت الغضب تبعها رضوخ للسلطات الحاكمة تحت مطالب المحتجين والمعتصمين أمام مقر الشرطة العسكرية في مدينة الباب، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحراك الذي شهدته مدينة الباب جدد الروح الاحتجاجية على الأخطاء المتكررة في هذه المناطق، في ظل قبضة أمنية وفوضى سلاح تحكم المناطق وتخوف دائم من عمليات الاختطاف والاغتيال.

إطلاق سراح شبيح

في التفاصيل: خرج الناشط الثوري بدر طالب وهو من أبناء مدينة الباب مع خمسة من رفاقه للاحتجاج على خبر سمعوا به، ويفيد الخبر أن الشرطة العسكرية التابعة للجيش الوطني السوري في مدينة الباب أطلقت سراح أحد المدانين بارتكاب جرائم قتل واغتصاب، خلال فترة خدمته العسكرية في صفوف قوات النظام. يذكر أن هذا العسكري المدعو محمد المصطفى من مواليد مدينة الباب، وكان عسكريًا في "الفرقة الرابعة" التي يقودها ماهر الأسد شقيق رئيس النظام السوري بشار الأسد ومشهورة بإجرامها وقتلها للسوريين.

وبعد أن تم تسريح الشاب مصطفى من خدمته لدى النظام، عاد إلى مدينته الباب بواسطة أحد المهربين، ومدينة الباب تحكمها قوات المعارضة المسلحة التي تقاتل بشار الأسد منذ 10 سنوات، وبعد عودته اعتقلته الشرطة العسكرية، لكنها أطلقت سراحه مقابل مبلغ مالي قدره 1500 دولار. وبعد تسريب الإفراج عن المدعو مصطفى دعى الناشطون الثوريون في مدينة الباب للاحتجاج على إطلاق سراحه.

في البداية تجمع الناشط بدر طالب وأصدقائه أمام قيادة الشرطة ولم يطل الوقت حتى كبر التجمع وباتت الاحتجاجات عارمة وتطوق مبنى الشرطة العسكرية، ويقول طالب في حديثه لـ "نون بوست" إن "الاحتجاج بدأ بشكل تصاعدي، وكان يوجد مطالب أساسية للمحتجين وهي إقالة قائد الشرطة العسكرية وكل من تورط بإطلاق سراح هذا الشبيح". يذكر أن المصطفى اعترف خلال التحقيق معه بقتل سبعة مدنيين واغتصاب امرأتين والعديد من الجرائم خلال 9 سنوات.

يوضح طالب أنه في بداية الاحتجاج أتى وفد من الشرطة العسكرية للتفاوض "وأعطيناهم مهلة 72 ساعة من أجل تحقيق مطالب المحتجين، وقلنا لهم إن لم تتحقق هذه المطالب سيكون هناك تصعيد"، بعد ذلك وضع المحتجون خيمة اعتصام أمام مقر الشرطة وبدأت الناس تتوافد إليها، وأستطيع القول إن هذه المرة تعتبر من المرات القليلة في الثورة التي حصل فيها هذا التكاتف الشعبي في مدينة الباب، بالإضافة إلى تكاتف التيارات المختلفة من أجل هذه القضية.

 

 

انتقلت الاحتجاجات إلى محيط وزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة أيضًا، وذلك بعد تصريحات الوزير حسن حمادة، كما انضم محتجون من مناطق أخرى إلى الفعاليات الاحتجاجية، وشهدت مدينة الباب قطعًا للطرقات من المحتجين ولمنع تصاعد الاحتجاجات استجابت الحكومة المؤقتة لمطالب الناس حيث أصدرت وزارة الدفاع في أمر أقالت بموجبه رئيس فرع الشرطة العسكرية، العقيد عبد اللطيف خالد الأحمد وتكليف الرائد عبيدة المصري بقيادتها، بالإضافة إلى متابعة التحقيقات وإحالة جميع المتورطين إلى القضاء العسكري.

وفي هذا الصدد يقول رئيس الحكومة المؤقتة عبد الرحمن مصطفى: "كنا ومازلنا في الحكومة السورية المؤقتة نسعى لتكون أي مؤسسة عامة في المناطق المحررة نموذج يرتقي لطموحات وتطلعات السوريين وسيتم اتخاذ الإجراءات المؤسساتية اللازمة والتي توجه رسالة واضحة بأن المحاسبة ستطال كل من يتواطئ مع شبيحة النظام أو يستهين بآلام ومشاعر الشارع الثوري".

وهنا يوجه سوريون سؤالهم لرئيس الحكومة المؤقتة عن إمكانية تطبيق هذه الوعود خاصة أن هذا الكلام تم توجيهه من قبل في مشكلة القائد في الجيش الوطني "أبو عمشة" ولم يتم اتخاذ أي إجراء بحق المدعو، بل تم تعزيز دوره.

إضافة إلى ذلك، أصدرت هيئة "ثائرون للتحرير" العسكرية قرارًا بتوقيف القيادي محمد يحيى خضير، المعروف بـ"حميدو الجحيشي"، على خلفية ضلوعه بإطلاق سراح المتهم.

 

 

أهمية الاحتجاجات

إذًا، استطاع الحراك الاحتجاجي الثوري في مدينة الباب أن يُرضخ الحكومة المؤقتة لمطالبه، خاصة وأن المطالب محقة والفساد في هذه القضية واضح، ولا مناص من التهرب، ولو تمت أية عملية تهرب أو مماطلة فإن الأمر سيكون إمعانًا في الفساد واتباعًا لنهج نظام الأسد، ويبدو أن المناطق المحررة التي تعيش حالة صعبة في الشهور الأخيرة تحتاج إلى حراك شعبي ضاغط مع كل خطأ يحصل لمنع أي انفلات في حالة الفساد التي تتسرب إلى سلطات الأمر الواقع هناك.

وفي هذا الصدد يقول بدر طالب: "منذ زمن بعيد لم نر مثل هذا التكاتف والإصرار في هذه الاحتجاجات، واستطعنا التأثير على القوى الحاكمة هنا، ولقد نقل إلينا ردة فعل المسؤولين من اعتصامنا وكمية خوفهم من تطور الأمور الاحتجاجية"، ويشير طالب إلى أن الحراك قبل من أجل قضايا معينة كان يأتي بنتائح ولكن ليس بالقدر الذي جاءت به مظاهرات واعتصامات هذه القضية.

ويخبرنا بدر بأن الناس في هذه المناطق لم تعد تستحمل الأخطاء المتراكمة من قبل الفصائل والحكومة، في ظل وجود مشاكل اقتصادية وشح في السيولة وفقدان للعمل وتدني الخدمات، وأن إعادة الزخم للاحتجاجات يؤثر حتمًا بتقويم الأوضاع وخاصة في مجالات الأمن والفساد.

 

 

"الحراك الثوري قادر على التغيير حتمًا" هذا ما يوضحه لنا الناشط السوري عبد الله الحافي، ويقول إن ما يميز احتجاجات مدينة الباب الأخيرة وما وصلت له من نتائج هو المشاركة الفاعلة من الناشطين والمواطنين المتوافدين من مختلف المناطق بالإضافة للمهجرين الذين يقطنون في المنطقة، ويشير الحافي إلى أنهم يستفيدون من خلال احتجاجاتهم المتكررة على الفساد من "تناحر الفصائل بين بعضها وهنا نستطيع إعطاء مثال ما حصل البارحة حيث ترى الجبهة الشامية أن من مصلحتها دعم هذه الاحتجاجات كونها ضد الشرطة العسكرية التي يقودها شخص من فرقة السلطان مراد" ويشير الحافي إن "اللعب على هذا الوتر مهم كثيرًا خاصة أن الجيش الوطني هو عبارة عن فصائل منفصلة القرار وغير مندمجة فعليًا وبهذا الأمر نستطيع تحقيق مطالبنا من خلال استقواء بطرف على الآخر".

باتت المناطق الواقعة تحت سيطرة فصائل الجيش الوطني تعاني كثيرًا من الفساد والمحسوبيات والتسلط الفصائلي على الشعب دون رقيب، وبمواجهة ذلك تحاول العديد من الجهات الإصلاح قدر الإمكان، ويرى الناشط عبد الله إن "الاحتجاجات باتت هي الخيار الأخير إذ أن الناس لم يعد بمقدورها سوى الاحتجاج والنزول إلى الشارع ولا يوجد حل ثاني في ظل فساد في المنظومة الحاكمة".

ومع وجود مئات الناشطين السوريين من مختلف المناطق باتوا ينقلون خبرات الاحتجاج إلى بعضهم كما "يتم التظافر من أجل إنجاح مظاهرة أو فعالية ضد فصيل معين أو جسم معين مما يعني أن كل سوريا تحتج ضد هذه المشاكل" وفقًا لما يقوله الحافي.

الاحتجاج يثمر

كما ذكرنا فإن هذه المرة ليست الأولى التي يقوم بها أهالي مناطق الريف الحلبي بالاحتجاجات، فسابقًا خرج الناس احتجاجًا على سوء الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار الكهرباء من قبل الشركة التركية المورّدة للمنطقة. حينها تجمع المتظاهرون أمام مقرات شركة الكهرباء في المدن، وطالبوا بعودة أسعار الكهرباء إلى القائمة القديمة". وكانت الشركة عزت ارتفاع تسعيرة الكهرباء، نتيجة ارتفاعها في الولايات التركية. ونتيجة للاحتجاجات التي استمرت أيامًا خفضت شركة الكهرباء في ريف حلب أسعارها بعد اجتماع رؤساء المجالس المحلية مع الجانب التركي في مدينة "كلس" بتركيا.

ليس بعيدًا عن المنطقة، فقد نظمت مجموعة من الناشطين اعتصامًا ضد حفر خندق من قبل القوات التركية والمعارضة السورية يفصل مناطق نفوذ النظام السوري عن مناطق نفوذ المعارضة شمالي حلب. واعتبر ناشطون إن الخندق لا يراعي مصالح سكان المنطقة وسيساهم بتهجير أكثر من ألفي عائلة، وكانت الاحتجاجات من أجل هذا الخندق قد تحولت لاعتصام مفتوح وهو الأمر الذي اضطر تركيا لإيقاف الحفر.

 

 

إلى ذلك، فإن جموع المعتصمين في مدينة الباب المحتجين على إطلاق سراح العنصر السابق في قوات النظام، أوقفوا نشاطاتهم الاحتجاجية بعدما تعهدت الحكومة المؤقتة ووزارة الدفاع بمحاسبة المتورطين في القضية.

ولعل ما حصل يوصل المنطقة ينتهي بوصول الرسالة إلى من يهمه الأمر، إذ أن الشعب يظل وراء المخطئ يحاسبه ويقرّعه حتى يرعوي. وفي هذا السياق يقول الصحفي السوري ماجد عبد النور: "حراك مدينة الباب رسالة مهمة جداً إلى كافة الفصائل العسكرية من جرابلس وحتى جبال اللاذقية مفادها: احذروا غضب الحليم واحذروا انفجاراً شعبياً مدوياً لن يرحمكم ويوشك أن يقع، واللبيب فيكم من تدارك فساده وإفساده، والأحمق منكم من تكبر وتجبر".