جمال مبارك، نجل الرئيس المصري الراحل حسني مبارك

 الزمان: الثلاثاء 17 مايو/آيار 2022

المكان: العاصمة المصرية القاهرة

الحدث: بيان لأسرة الرئيس الراحل حسني مبارك، ألقاه نجله جمال بزي رسمي مهندم ولغة إنجليزية رفيعة المستوى ودلائل ورسائل على المسارات كافة، أعلن فيه إسدال الستار عن المعركة القانونية الدولية التي استمرت عقدًا من الزمن، وذلك في أعقاب حكم أخير صادر عن المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي بشأن التحفظ على أموال مبارك في أوروبا.

البيان أحدث ضجة كبيرة في الشارع المصري، فبجانب أنه الأول من نوعه لجمال منذ ثورة يناير/كانون الثاني 2011، جاء بعد زيارته وشقيقه الأكبر علاء إلى أبو ظبي لتقديم واجب العزاء في رئيس دولة الإمارات الراحل الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، وهو ما فتح الباب أمام الكثير من التكهنات.

وبعد دقائق قليلة من هذا البيان الذي أعاد حديث السياسة للشارع المكبل بقيود الأوضاع المعيشية المتدنية وتضييق الخناق الأمني، زخرت منصات التواصل الاجتماعي بقراءاته المختلفة، كل على ليلاه، ووصل حد التفاعل إلى إطلاق هاشتاغات تنادي بجمال كرئيس قادم لمصر، فيما عقد آخرون مقارنات تفصيلية بينه وبين الرئيس الحاليّ عبد الفتاح السيسي في الحضور الإعلامي والكفاءة اللغوية والثبات الانفعالي، التي في معظمها جاءت لصالح نجل الرئيس الراحل بحسب المغردين.

التفاعل الكبير مع البيان ولغة الجسد الخاصة بجمال وسياقه المتزامن مع الزيارة أثار قلق وحفيظة المناصرين للسيسي ونظامه، ممن يعتبرون مجرد التفكير في وجود منافس للرئيس - ولو كان افتراضيًا - في أي استحقاقات انتخابية قادمة جريمة تستوجب العقاب بنظر البعض ممن قرروا التحرك العاجل لقطع الطريق أمام جمال ومن هم على شاكلته.

الكشف عن مصدر الأموال

بعيدًا عن الحرب المستعرة على منصات التواصل الاجتماعي بين المؤيدين لعائلة مبارك والمعارضين لها، كان التحرك الرسمي الأبرز داخل مجلس النواب (البرلمان) حيث تقدمت عضوة لجنة الخطة والموازنة في المجلس، آمال عبد الحميد، بسؤال إلى رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ووزير العدل عمر مروان بشأن مصدر أموال نجلي الرئيس الراحل والمقدرة بنحو 400 مليون فرنك سويسري، التي أعلنت السلطات السويسرية الإفراج عنها مؤخرًا لصالح أسرته.

النائبة في تساؤلاتها طالبت جمال مبارك بتقديم توضيح تفصيلي للشعب عن مصدر تلك الأموال من باب الشفافية، متسائلة هل هي نتاج عمله الخاص هو وشقيقه علاء؟ أم مشروعات خاصة بهما؟ أم نتيجة استغلالهما نفوذ والدهما الذي تولى رئاسة مصر على مدى 30 عامًا؟

وردًا على ما قاله نجل مبارك بأن الإجراءات المتخذة ضد والده بعد تنحيه عن الحكم في فبراير/شباط 2011 لم تكن عادلة، وأن حكم السلطات السويسرية جاء منصفًا لوالده ومبرءًا لساحة العائلة أمام الشعب المصري، قالت النائبة إن جمال يبدو أنه تناسي إدانته وشقيقه الأكبر علاء ووالده في القضية المعروفة إعلاميا باسم "القصور الرئاسية" عام 2015 المحكوم فيها بسجن كل منهم 3 سنوات مع تغريمهم 125 مليون جنيه، ورد 21 مليون جنيه لخزانة الدولة، وأيدته محكمة النقض عام 2016 وهو الحكم الذي بات نهائيًا ويثبت عدم نزاهة سمعة العائلة.

التلميحات الصادرة عن عضوة لجنة الخطة والموازنة في البرلمان تتناغم مع مطالب البعض بإعادة النظر في ثروة أسرة مبارك ومشروعيتها وضرورة إخضاعها للمحاسبة والمراقبة، وهي التلميحات التي لم تتجاوز خانة التصريحات والدعوات والمطالبات دون التحرك الرسمي للبت فيها.

بيان غسل السمعة

العائلة في بيانها أكدت أنها "لن تبقى صامتة في مواجهة التقارير الإعلامية التي تشهر بها، خاصة مع عدم وجود دليل على امتلاك مبارك أو قرينته سوزان ثابت لأي أصول خارجية"، فيما اعتبره البعض محاولة واضحة لغسل السمعة الملوثة لمبارك وأسرته وتبييض السجل المشوه بالفساد والانتهاكات.

واستهل جمال البيان الذي جاء تحت عنوان "انتصرنا يا أبي... ارقد في سلام": "منذ عام 2011، تم الشروع في العديد من إجراءات التحقيق والعقوبات ضد أفراد عائلة مبارك في الاتحاد الأوروبي وخارجه؛ وكانت الإجراءات التقييدية الواسعة النطاق التي فرضها مجلس الاتحاد الأوروبي ضد الرئيس الراحل وعائلته ذات أهمية خاصة، حيث إنها استمرت لما يزيد على عشر سنوات، ووصلت الآن إلى نهايتها".

وأضاف "لقد برأتنا تلك الإجراءات تمامًا، وأثبتت الموقف الذي طالما تمسكت به أسرتي على مدار أكثر من عقد من الزمان، وتأكيدها دائمًا أن عقوبات الاتحاد الأوروبي ضدنا كانت غير قانونية. لقد كانت رغبة والدي الراحل أن يتم شرح مثل هذه الإجراءات للعالم بأسره، وجاءت وفاته قبل الانتهاء من هذه الإجراءات لتلقي بهذا العبء على أكتافي، وهو عبء أحمله بكل فخر والتزام".

البيان حاول تحسين صورة مبارك بالإشارة إلى أنه عندما قرر التخلي عن الحكم أعلن استعداده للرد على أي اتهامات جنائية ضده وضد أسرته؛ رافضًا - بحسب البيان - قبول أي نوع من الحصانة، وكذلك أي اقتراح بمغادرة مصر، وتابع "والدي الراحل رحب بأي تحقيق في ممتلكاته وممتلكات أسرته، ومنذ ذلك الوقت وحتى وفاته، تحمّل وأسرته عددًا لا يحصى من التحقيقات والإجراءات القضائية في مصر وخارجها. والتزم وشارك وعائلته بجميع هذه الإجراءات، مع إعلان احترامهم الكامل للقضاء، والإجراءات القضائية".

وكشف أنه بذلك النهج "أكد مبدأً أساسيًا مكرسًا في سيادة القانون، الذي كان يحترمه احترامًا عميقًا، وهو أنه لا أحد فوق القانون؛ بما في ذلك الرئيس. وقبل أكثر من عشر سنوات، شُنت حملة شرسة من الادعاءات الكاذبة بالفساد ضد الرئيس مبارك وأسرته"، متهمًا المعارضة بتأجيج المشاعر الشعبية ضد والده من خلال ما أسماها "الادعاءات الكاذبة"، مضيفًا "استغلت القوى المعارضة للرئيس هذه الادعاءات لتأجيج المشاعر الشعبية؛ وساهم ذلك بشكل كبير في التأثير على مجريات الأحداث السياسية التي تلت ذلك في مصر. واستمرت الحملة بلا هوادة فوق ما يقرب من عشر سنوات، في حين كنا نحن منهمكين في خوض معاركنا القانونية، حيث كان موقفنا والتزامنا أن نثبت براءتنا أمام القضاء المصري فقط".

واختتم جمال، الذي كان يُعدّ لخلافة والده على حكم مصر قبل الثورة، بيانه برسالة وجهها لمبارك الأب جاء فيها:" لم يمهلك القدر لتشهد نهاية جميع الإجراءات القانونية التي اتخذت ضدك منذ عام 2011، ولقد أكدت لك في أيامك الأخيرة أنني سوف استمر على الطريق لتحقيق البراءة التي لا لبس فيها. ووعدتك بمواصلة الطريق بتصميم لا يلين لتحقيق هذه التبرئة في ساحة القضاء الدولي؛ وأننا سننتصر في النهاية، حتى ولو بعد رحيلك"، حسب البيان.

سجال بخصوص العودة للمشهد مرة أخرى

أحدث البيان الذي وصفه البعض بأنه "تقديم أوراق اعتماد للداخل والخارج" انقسامًا داخل الشارع المصري فيما يتعلق باحتمالية عودة جمال للمشهد السياسي مرة أخرى، فذهب أستاذ العلوم السياسية بجامعة بورسعيد جمال زهران، إلى أن البيان بهذا الشكل يشير إلى أن "جمال مبارك يجهز نفسه لمعركة قادمة".

وأضاف أستاذ العلوم السياسية والبرلماني السابق "من الواضح أن أبناء مبارك لا ينوون غلق صفحة الطموح السياسي بشكل نهائي"، منوهًا في حديثه لموقع "الحرة" الأمريكي أن هذا التحرك إنما يأتي "بتشجيع داخلي وخارجي ليؤكد مدى ترابط الأوضاع الإقليمية والدولية مع الداخل المصري".

الرأي ذاته ذهب إليه الكاتب الصحفي علاء بيومي، الذي اعتبر البيان استفتاءً على شعبية الرئيس المصري الحاليّ عبد الفتاح السيسي، مغردًا في تدوينة له على حسابه الشخصي على "تويتر": "خطاب جمال مبارك بدأ ما يبدو وكأنه استفتاء على شعبية السيسي ونظام يوليو 2013 على وسائل التواصل. والنتيجة هي كما ترونها. وبالمناسبة الاستفتاء يأتي بعد أن اتضحت معالم النظام وسياساته وشخصياته بعد 9 سنوات في الحكم"، وأضاف أن استخدام اللغة الإنجليزية التي وصفها بأنها "واضحة وقوية للغاية" يشير إلى أن الخطاب موجه للخارج، وخاصة الاتحاد الأوروبي.

وعلى الجانب الآخر، طالب المحلل السياسي عبد العظيم حماد، بعدم تحميل الأمور أكثر مما تحتمل، قائلًا في مقال له على صفحته على فيسبوك: "كل ما في البيان من دلالة سياسية أنه يستثمر القدر المحكوم بحدود المتاح لتحركه في المجال العام وهذه الإتاحة هي فقط مراعاة لموازين وعلاقات إقليمية وضمانات موروثة عن أبيه. وليست راجعة إلى مصادر قوة سياسية ذاتية أو من داخل مصر بصرف النظر عن انخفاض أو ارتفاع شعبية النظام".

واتفق معه في هذا الرأي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة حسن نافعة، الذي غرد على تويتر بأن حكم المحكمة الأوروبية ليس دليل براءة، وتابع "أنصح السيد جمال مبارك بالتواضع قليلًا. فاندلاع ثورة يناير التي أسقطت حكم الأب هو في حد ذاته إدانة سياسية لن تسقط بالتقادم، وقرار المحكمة الأوروبية رفع الحظر عن أمواله ليس حكمًا بالبراءة، فهذه أموال جمعت كلها إبان فترة حكمه ووجودها يشكل في حد ذاته أكبر دليل على الفساد واستغلال النفوذ".

أموال العائلة.. ورقة الضغط الأبرز

بداية تشهد مسألة ترشح جمال مبارك للانتخابات الرئاسية القادمة جدلًا قانونيًا بين الخبراء، ففريق يرى أن الحكم الصادر بحقه في القضية المعروفة بفساد القصور الرئاسية في عهد الرئيس الراحل محمد مرسي 2012، التي تعد القضية الوحيدة التي صدر بحق مبارك وأبنائه حكمًا باتًا، حيث انتهت بصدور حكم نهائي ضد مبارك ونجليه بالسجن 3 سنوات وتغريمهم مبلغ 125 مليونًا و779 ألف جنيه، وإلزامهم متضامنين برد 21 مليونًا و197 ألف جنيه، يمنع جمال من الترشح للانتخابات، فيما أكد فريق آخر أن تلك الجرائم تسقط بعد مرور 5 سنوات من صدور الحكم، ومن ثم يحق له الترشح في كل الاستحقاقات التالية لـ2020.

ويعزف جمال وأنصاره على وتر الذاكرة السمكية للمصريين، مستغلًا حالة الغضب الشعبي من سياسات النظام الحاليّ، متناسين الجرائم والانتهاكات المرتكبة في حقبة والده، التي كان النجل الأصغر ضلعًا أساسيًا فيها، وتسبب بأطماعه وسوء إدارته في الوصول بالمشهد إلى المرحلة الحرجة التي دفعت الملايين للثورة على نظام مبارك بأكمله.

لكن بعيدًا عن قانونية العودة للمشهد السياسي فإن النظام الحاليّ لم ولن يترك لجمال الفرصة لمنافسته في المرحلة المقبلة، مستغلًا حالة الاحتقان الشعبي ضد سياسات النظام التي أفقرت المصريين ووضعتهم في مأزق اقتصادي خطير، حيث الغرق في مستنقع الديون والتقشف وتصفير الدعم، فضلًا عن تضييق الخناق الأمني وكبت الحريات.

الشواهد السابقة منذ ترشيح السيسي في 2014 تؤكد أن من يسمح لهم بالمشاركة لا يتجاوزون الدور المرسوم لهم، كـ"كومبارس" لاستكمال الشكل الدستوري، وهو ما حدث في 2014 مع حمدين صباحي، وفي 2018 مع موسى مصطفى موسى، فيما أطيح بالمرشحين الحقيقيين وعلى رأسهم أحمد شفيق وسامي عنان.

بالطبع لن يقبل جمال مبارك المشاركة كـ"كومبارس" كما فعل صباحي وموسى، ومن ثم فإن فتح الطريق أمامه نحو صناديق الاقتراع مغامرة لا يأمن النظام الحاليّ تداعياتها، في ظل الأرضية الجماهيرية لمبارك وقاعدته القوية من رجال الأعمال وكبار النخبة، وعليه من المرجح أن يكون التحرك لإجهاض طموحه السياسي القديم وعدم استدعاءه من الذاكرة مرة أخرى، أسرع مما هو متوقع، وذلك عبر أكثر من مسار، إما بالتلويح بورقة ثروة العائلة والتهديد بمصادرتها مرة أخرى عبر تحقيق شكلي يشكك في مصادرها، وإن كان هذا المسار مجمدًا في ضوء حفظها في البنوك الخارجية، فليس هناك إلا المسار الثاني والمتعلق بزرع الأشواك القانونية من خلال إحياء قضايا قديمة وإعادتها للأضواء مرة أخرى بما يدفع نجل الرئيس الراحل إلى التفكير أكثر من مرة في الإقدام على مثل هذه الخطوة.

على أي حال.. فإن البيان والزيارة والتفاعل بشأنهما لن يمرا مرور الكرام، وعليه فمن المتوقع أن تشهد الفترة القادمة سجالًا بين الحين والآخر، وأوراق ضغط تخرج من ثلاجة النظام إذا ما تطلب الأمر، ويتوقف ذلك على نشاط جمال مبارك السياسي وتحركاته خلال المرحلة المقبلة.