أظهر تبون عدم رضا الجزائر عمّا يحصل في تونس

أظهر تبون عدم رضا الجزائر عمّا يحصل في تونس

منتصف شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، زار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تونس، في ثاني زيارة خارجية له منذ تولّيه الحكم نهاية عام 2019، وكانت الزيارة حينها بمثابة الدعم الكبير لسعيّد، الذي يعيش عزلة خارجية منذ انقلابه الدستوري ليلة 25 يوليو/ تموز الماضي وتجميد البرلمان وإقالة رئيس الحكومة.

عقب هذه الزيارة تتالت المكالمات الثنائية، التي يُفهم منها رضا الجانب الجزائري عن تونس ورغبة نظام سعيّد في إظهار "الانسجام التام والإرادة المشترَكة لقيادتَي البلدَين"، إلا أن الأسابيع الأخيرة حملت معها تطورات لافتة في العلاقة بين الطرفَين.

تبون قلقٌ ممّا يحصل في تونس

ظهرت في الفترة الأخيرة عدة تحولات في العلاقة بين قيادتَي الجزائر وتونس، آخرها تصريح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه مع نظيره الإيطالي سيرجيو ماتاريلا في روما أمس الخميس، إذ أكّد تبون استعداد الجزائر وإيطاليا لمساعدة تونس على الخروج ممّا وصفه بـ"المأزق"، ولأجل ما اعتبره "العودة إلى الطريق الديمقراطي".

في تصريحه الذي تناول الوضع في تونس وسُبل حلّه، قال تبون: "نتقاسم مشكلات تونس، مستعدّون للمساعدة لكي تخرج من المأزق الذي دخلت فيه، وترجع إلى الطريق الديمقراطي"، وهو ما يمثّل تحولًا كبيرًا في موقف تبون ممّا يحصل في تونس منذ 25 يوليو/تموز الماضي.

يُفهم من كلام الرئيس تبون تحولًا في موقف النظام الجزائري ممّا حصل في تونس منذ 10 أشهر، إذ عرفت الجارة الشرقية انقلاب الرئيس قيس سعيّد على الدستور ومؤسسات الدولة، الذي بمقتضاه حلَّ البرلمان وعدة هيئات دستورية، بما في ذلك هيئة الانتخابات ومجلس القضاء الأعلى، وأقال الحكومة وعطّل العمل بالدستور وأقرَّ العمل بالمراسيم.

تعيب الجزائر على النظام التونسي السماح بتنامي موجة التطبيع مع الكيان الصهيوني في الجارة الشرقية

أظهر تبون من خلال تصريحه الأخير عدم رضاه ممّا يحصل في تونس من تطورات سياسية، فوصفَ الوضع الذي تعيشه تونس بـ"المأزق"، والحديث عن ضرورة "عودة تونس إلى الطريق الديمقراطي" يعني عدم رضا الجزائر بالوضع التونسي.

مؤشرات تحول الموقف الجزائري ممّا يحصل في تونس لا تتوقف هنا، إذ تراجعت في الأشهر الأخيرة زيارات وزير الخارجية الجزائري لتونس رمطان لعمامرة، إذ لم يَزُر لعمامرة تونس منذ زيارة الرئيس تبون منتصف ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

كما يُفهم هذا التغيُّر من تواصُل غلق الجزائر لحدودها البرّية مع تونس رغم انتفاء سبب ذلك، فقد جاء قرار غلق الحدود لأسباب صحية في ظل تفشّي وباء كورونا في البلدَين، ومع انتهاء أزمة كورونا لم يعد هناك سبب ظاهري لبقاء الحدود مغلقة.

 

تعوِّل تونس كثيرًا على فتح الحدود خاصة مع اقتراب موسم السياحة، إذ يبلغ عدد السياح الجزائريين الوافدين على تونس سنويًّا أكثر من مليونَي سائح، ويؤكِّدُ بقاءُ الحدود مغلقة عدمَ رضا الجانب الجزائري ممّا يحصل في تونس، وهي أداة ضغط جزائرية.

كمؤشر رابع على هذا التغيير، اعتذار الجزائر عن تزويد تونس بكمّيات إضافية من الغاز، واكتفت بالإيفاء بالتزاماتها التعاقدية وفقًا للاتفاقات المبرمة، وبررت الجزائر ذلك بوجود إشكالات تقنية تحول دون زيادة الإمدادات إلى تونس، لكنها في الوقت ذاته أبدت استعدادها لزيادة إمدادات الغاز نحو إيطاليا وأوروبا، ما يعني أن الرفض مدروس وله رسائل.

أسباب تغيُّر الموقف الجزائري

وجدَ الرئيس التونسي قيس سعيّد في الفترة الأولى لانقلابه على دستور بلاده دعمًا ضمنيًّا من الجزائر، إذ استقبلَ مسؤولين جزائريين كبار في وقت عزلته، وتلقّى منها دعمًا ماديًّا أيضًا في وقت تواجه فيه البلاد أسوأ أزمة مالية منذ استقلالها عام 1956، لكن استمراره بإجراءاته الانقلابية جعلت الطرف الجزائري يغيّر بوصلته.

يؤكد هذا الأمر الورطة التي وقع فيها نظام قيس سعيّد في ظل تشبُّثه في المضيّ قدمًا نحو فرض برنامجه الخطير، إذ فشلَ في تحقيق آمال التونسيين وورّطَ البلاد في لعبة التحالفات الإقليمية، وخلق لها "أعداءً" دون أن يكون لها مصلحة في ذلك.

يعود تغيُّر موقف الجزائر ممّا يحصل في تونس إلى أسباب عديدة، أهمها ارتماء الرئيس قيس سعيّد في أحضان الحلف المصري الفرنسي الإماراتي، الأمر الذي نبّه منه نظام تبون في أوقات سابقة، إذ ترفض الجزائر أن تتحول تونس إلى خلفية لتمدُّد هذا الحلف في المنطقة.

وتتوجّس الجزائر من التقارُب والتنسيق الحاصلَين بين النظام التونسي وكل من فرنسا ومصر والإمارات، ما جعلها تنسِّقُ أكثر مع تركيا وإيطاليا في خصوص ما يحدث في شمال أفريقيا، خاصة في ليبيا وتونس، ومعروف عن أنقرة وروما رفضهما للمحور المصري الفرنسي الإماراتي.

يعلم سعيّد قوة الجزائر ونظامها وتدخُّلها في الشأن التونسي، لذلك من المستبعَد أن يعقِّب على تصريح تبون

كما تعيب الجزائر على تونس موقفها ممّا يحصل في ليبيا، إذ استقبلت تونس في الفترة الأخيرة فتحي باشاغا الذي كلّفه برلمان طبرق برئاسة الحكومة، واعترضت على استقبال رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، وهو ما يناقضُ تصوُّر الجزائر لما يحدث في ليبيا، ويُذكر أن الملف الليبي يشكّلُ حجر الزاوية في الدائرة الأمنية الجزائرية.

إلى جانب ذلك، تعيب الجزائر على النظام التونسي السماح بتنامي موجة التطبيع مع الكيان الصهيوني في الجارة الشرقية، إذ عرفت هذه الأخيرة مؤخرًا موجة تطبيع غير مسبوقة، حيث استقبلت رحلات جوّية مباشرة من تل أبيب وجلس وزير دفاعها إلى الطاولة نفسها مع وزير الدفاع الإسرائيلي.

فضلًا عن ذلك، يعيب نظام الجزائر على قيس سعيّد عدم الوضوح والتصلُّب في مواقفه، ما أدخل تونس في أزمة سياسية واقتصادية خانقة لها أن تهدِّد السلم الاجتماعي للبلاد، وهو ما من شأنه أن يؤثر على الوضع الداخلي للجزائر.

كيفية تعامُل سعيّد مع المتغيرات الجديدة

تغيُّر الموقف الجزائري ممّا يحصل في تونس من شأنه أن يؤثر سلبًا على قيس سعيّد، الذي يسعى إلى إيجاد حلفاء إقليميين جدد في الوقت الذي زادت عزلته الخارجية وتنامى الضغط الداخلي ضده، بسبب إصراره على المضيّ في فرض برنامجه على التونسيين.

بداية شهر أبريل/ نيسان الماضي، انتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في بيان حلّ الرئيس التونسي قيس سعيّد برلمان بلاده، معتبرًا أنه "يشكّل ضربة لإرادة الشعب التونسي"، وهو ما استنكرته السلطات التونسية، معتبرة هذا الموقف التركي "تدخُّلًا غير مقبول في الشأن الداخلي" للبلاد، واستدعت بمقتضاه السفير التركي.

 

يُعتبر تصريح تبون شبيهًا بتصريح أردوغان، فهل يتعامل نظام سعيّد معه بالتعامل ؟ من الصعب جدًّا أن يتمَّ ذلك في هذا الظرف الذي يعيشه سعيّد، فهو لا يريد خلق أي عداوات جديدة، خاصة أن الجزائر لها أن تلعب دورًا كبيرًا إن أرادت الإطاحة به.

يعلم سعيّد قوة الجزائر ونظامها وتدخُّلها في الشأن التونسي، لذلك من المستبعَد أن يعقِّب على تصريح تبون، حتى في مسألة غلق الحدود ورفض الجزائر مدّ تونس بإمدادات إضافية من الغاز، حيث رأينا المسؤولين التونسيين يبرِّرون الأمر حتى لا يبدو أن هناك أزمة.

سيسكت سعيّد ومسؤولو نظامه، كأنه لم يحدث شيء، بل سيخرج البعض من المسؤولين لتأكيد عدم فهم "العوام" لتصريح تبون، وتأكيد نيتهم مزيد تدعيم العلاقات "القوية" بين النظامَين، فليس من مصلحة سعيّد أن يعاديه نظام الجزائر.

لا يهمّ نظام الجزائر بقاء سعيّد على رأس السلطة في تونس من عدمه، ولا يهمّه أيضًا المسار الديمقراطي في البلاد، ما يهمّه فقط هو عدم توجُّه نظام سعيّد للتحالف مع تحالفات إقليمية أظهرت عداءها للجزائر، لذلك من المنتظر أن تُفعِّل في الفترة المقبلة مزيدًا من أدوات الضغط حتى تُرجِع نظام سعيّد إلى حاضنتها.