في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عزم بلاده القيام بعملية عسكرية مرتقبة في شمال سوريا، حتى بدأت ردود الأفعال تصدر تباعًا من القوى الفاعلة في الساحة السورية، وفي مقدمتها إيران، حيث أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زادة، في 28 مايو/ أيار 2022، أن طهران تعارض أي نوع من الإجراءات العسكرية، واستخدام القوة في أراضي الدول الأخرى بهدف فضّ النزاعات.

وتابعَ: "تقدِّر الجمهورية الإسلامية الإيرانية الهواجس الأمنية لدى تركيا، وتؤكّد أن السبيل الوحيد لحلّها يكمن في الحوار والالتزام بالاتفاقات الثنائية مع دول الجوار، بالإضافة إلى التوافقات الحاصلة خلال مفاوضات أستانا، ومنها احترام وحدة وسلامة أراضي سوريا والسيادة الوطنية لهذا البلد، والامتثال إلى مبدأ عدم اللجوء إلى القوة".

سلّطَ رد الفعل الإيراني الأخير على العملية العسكرية التركية المرتقبة في شمال سوريا، الضوء على حالة من التعقيد السياسي والأمني في الملف السوري، ورغم أن الطرفَين قد أظهرا حالة جيدة من العلاقات السياسية، خصوصًا في الملف الكردي في شمال العراق، أو على مستوى المحادثات السياسية في سوتشي، إلا أنه يمكن القول إن هناك إشكالية كبيرة تتعلق برؤيتهما لطبيعة الصراع المسلَّح في شمال سوريا.

إيران والعقدة التركية

من المثير للدهشة أن إيران تنظر إلى العمليات العسكرية التركية المرتقبة على أنها مصدر تهديد على سياستها في العراق، خصوصًا أن نجاحها سيؤدي إلى إقامة منطقة آمنة بعمق 30 كيلومترًا ستشمل طول الشريط الشمالي لسوريا، ما يعني انتقال تركيا نحو إكمال هذه المنطقة على الجانب العراقي، حيث تسيطر إيران عبر الفصائل المسلحة الموالية لها، بالتنسيق والتعاون مع حزب العمال الكردستاني، على مناطق سنجار وربيعة المحاذية لمناطق الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق سوريا، ومن ثم قد يؤدي هذا إلى خسارة إيران لمَمَرٍّ جغرافي مهمّ يربطها بالبحر الأبيض المتوسط.

ففي سوريا، ورغم أن إيران حققت بالفعل أبسط حاجاتها الأساسية، وذلك بالحفاظ على بقاء نظام بشار الأسد حتى الآن، وأسَّست لتواجُد عسكري واجتماعي قوي في مناطق شرق سوريا، وتحديدًا في مدن الحسكة ودير الزور، إلا أنها ترى أن انشغال روسيا بالحرب الأوكرانية، وتوجُّه الولايات المتحدة نحو الاهتمام بالأزمة التايوانية المتصاعدة، فضلًا عن الاشتراطات التركية لانضمام كل من فنلندا والسويد لحلف الناتو، قد توفِّر فرصة حقيقية لتركيا لاستثمار البيئة الإقليمية والدولية المواتية، لتحقيق نجاحات عسكرية على الجبهة السورية، من أجل تخفيف الضغط عن إدلب، وإبعاد خطر قوات سوريا الديمقراطية، وتوفير فرصة لعودة اللاجئين السوريين إلى مناطقهم ومحافظاتهم.

وفي الوقت نفسه، تعارض إيران أيضًا فكرة الوجود التركي في مناطق غرب الفرات، باعتباره تهديدًا طويل الأمد لمستقبل الأسد، خاصة إذا نجحت تركيا وحلفاؤها المناهضون للنظام في فتح جبهة جديدة في حلب أو ما بعد حلب.

في هذه الحالة، رغم أن تركيا في الوقت الراهن لا تزال متعثِّرة في مسألة البدء في هذه العملية العسكرية، لأسباب داخلية وخارجية، إلا أنها يمكن أن تشكِّلُ تهديدًا للمعاقل الشمالية للنظام في ريف حلب الغربي، في مناطق قبتان الجبل وعين جارة، ويمكن أن تعيق حتى التقدُّم الإيراني الجامح نحو البحر الأبيض المتوسط.

وقال مصدر مطّلع في الجيش الوطني السوري المعارض، فضّل عدم ذكر اسمه، إن الجانب التركي أبلغَ قادة الفصائل بتأجيل العملية العسكرية إلى أجل لم يحدَّد بعد، خلال اجتماع جرى في منطقة حوار كلس على الحدود السورية التركية.

ويبدو أن الرفضَين الإقليمي والدولي لأي تغيير على خريطة السيطرة على طول الشمال السوري، قد دفعا أنقرة إلى تأجيل عمليتها العسكرية المعلنة شمال سوريا، بهدف توسيع "المناطق الآمنة" لإعادة عدد كبير من اللاجئين السوريين في تركيا من جهة، ودفع قوات سوريا الديمقراطية بعيدًا عن حدودها مع سوريا من جهة أخرى، إلا أن الرئيس أردوغان عاد وكرّر فيما بعد أن تركيا لا تنتظر إذنًا من أحد للبدء في هذه العملية.

الصراع في سوريا بالنسبة إلى إيران هو صراع مصيري، والهزيمة فيه هي هزيمة تاريخية للمشروع الإيراني في المنطقة

ولهذه الأسباب جميعًا، تحاول إيران أن تضغط على تركيا لمنعها من القيام بالعملية العسكرية، خصوصًا عبر التصريحات التي تحاول تمريرها عبر وسائل الإعلام والمسؤوليين الإيرانيين، وما يؤكد الخشية الإيرانية من العمليات العسكرية التركية أيضًا، هو أن إيران هي الخاسر الوحيد في سوريا حاليًّا، رغم أنها شغلت مؤخرًا العديد من المواقع التي انسحبت منها القوات الروسية من سوريا، كما أنها تدرك أن تركيا يمكن أن تكون أكثر خطرًا من الأكراد على المصالح الإيرانية، وبالتالي تتّخذ إيران كافة الوسائل لمواجهة تداعيات هذه العمليات العسكرية.

كما أن إيران بدأت تخشى من إمكانية خروجها من الحسابات السياسية في سوريا خلال المرحلة القادمة، وحاجتها إلى أن يبقى نظام الأسد على قيد الحياة، يعني أنها لا تزال تعتمد على الدعم الروسي لنظام الأسد، وبالتالي يجب أن تتماشى إيران مع أي توافق روسي تركي غير معلن في شمال سوريا، حول ما إذا كانت هناك توافقات بينية في ملفات عديدة، أبرزها رؤيتهما لمستقبل شمال سوريا، ولعلّ هذا ما يفسِّر في أحد جوانبه عدم ارتياح طهران الكبير لهذا الوضع الجديد.

ومع ذلك، فإنّ الشيء الوحيد الذي يمكن أن تتّفق عليه إيران وتركيا هو عدم رضاهما عن السياسة العسكرية الأمريكية في سوريا، وحتى في ظلّ الاختلافات الاستراتيجية بينهما، ظلت أنقرة وطهران ثابتتَين في انتقادهما للولايات المتحدة.

حيث ترى تركيا في استمرار دعم الولايات المتحدة لقوات سوريا الديمقراطية بمثابة دعم للانفصاليين الأكراد في الداخل التركي، كما تنظر إيران إلى الوجود الأمريكي على الأرض في سوريا، وتحديدًا في دير الزور، على أنه تهديد خطير لمصالحها، ليس فقط في سوريا ولكن أيضًا في العراق.

إجمالًا، تدرك إيران جيدًا حجم التحديات الكبيرة التي تعيشها في سوريا، أبرزها التحرُّك الإسرائيلي العملي ضد قوات ومنشآت تابعة لإيران ونظام الأسد، كلها أمور تخشى منها إيران كثيرًا بالوقت الحاضر، وتشير بوضوح إلى إمكانية إقصائها من أية استحقاقات مستقبلية في سوريا، وبالتالي ستعمل بكل ما في وسعها لحفظ تواجدها السياسي والعسكري.

فالصراع في سوريا بالنسبة إلى إيران هو صراع مصيري، والهزيمة فيه هي هزيمة تاريخية للمشروع الإيراني في المنطقة، وفي هذا الصدد ستحتاج طهران إلى الموازنة بين معارضتها لتوجُّهات تركيا في شمال سوريا، وأولويات أخرى أكثر إلحاحًا تشمل السياسات الروسية والإسرائيلية والأمريكية في هذه الساحة المأساوية والمعقّدة التي مزّقتها الحرب.