لم تتوقف الاستفزازات الإسرائيلية المتواصلة إزاء المقدسات الإسلامية في القدس والمسجد الأقصى، فقد نظم عشرات آلاف المستوطنين، مساء أمس الأحد 29 مايو/أيار 2022، ما يعرف بـ"مسيرة الأعلام" في القدس، إحياءً لذكرى احتلال الشقّ الشرقي من المدينة، وفق التقويم العبري، وهو ما يسمونه "توحيد القدس"، تحت حماية ورعاية قوات أمن الاحتلال المدججة بالسلاح.

المسيرة التي انطلقت من منطقة باب العمود إلى البلدة القديمة من مدينة القدس، انتهاءً بحائط البراق، وردد فيها المشاركون هتافات مسيئة للنبي محمد عليه السلام وشعارات عنصرية إزاء العرب، أسفرت عن إصابة 79 فلسطينيًا داخل البلدة القديمة، جراء اعتداءات الشرطة الإسرائيلية، فيما أصيب 145 آخرين خلال مواجهات اندلعت في مواقع متفرقة ردًا على المسيرة.

ويواصل المستوطنون - تحت حماية قوات الاحتلال - تحرشاتهم الاستفزازية منذ أبريل/نيسان الماضي، وسط ضبط نفس غير مسبوق من الجانب الفلسطيني، واستبسال فدائي من المرابطين داخل الأقصى، رغم الضغوط التي يتعرضون لها ليل نهار، في تحول لافت للنظر في تكتيكات المقاومة السلمية، الأمر الذي أجهض معه مخطط إشعال الموقف داخل المدينة المقدسة والضفة وقطاع غزة.

وتعد هذه الخطوة واحدة من أكثر المحطات الكاشفة في مسار التصعيد الإسرائيلي خلال السنوات الماضية، كونها أسقطت الكثير من الشعارات المزيفة التي كانت تستند إليها حكومة نفتالي بينيت، هذا بخلاف ما يمكن أن تقدمه من رسائل ودلالات مستفيضة في ضوء قراءة كواليسها والسياق العام الذي جاءت فيه.

حكومة المستوطنين

القراءة الأولى لما حدث بالأمس تؤكد أن حكومة بينيت تحولت إلى "حكومة مستوطنين من الدرجة الأولى"، إذ باتت أداة في أيدي اليمين المتطرف، يحركها كيفما يشاء لصالح أهداف وغايات أيديولوجية أكثر منها سياسية، وهو التحول الذي يحمل معه قرب إنزال ستائر النهاية لتلك الحكومة.

استند بينيت في تشكيل حكومته خلال الانتخابات الماضية إلى أرضية "الائتلاف والتباين" ردًا على حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة، ومن ثم جاءت الاختيارات في هذا الإطار، فمن المرات القليلة التي يشارك في الحكومة وزراء يشكلون توجهات سياسية مختلفة، قوميون وعلمانيون ويساريون وعرب، لكن مع مرور الوقت تبين أن هذا الاختلاف شكلي أكثر منه ضمني.

تفاصيل وكواليس مسيرة الأعلام التي جاءت تحت رعاية سلطات الاحتلال وبمباركة الحكومة ورئيسها الذي هنأ المشاركين في المسيرة وأكد أن رفع العلم الإسرائيلي داخل القدس والأقصى "أمر مفهوم وعادي"، تؤكد أنه لا اختلاف بين بينيت ونتنياهو، وأن العنصرية الفجة والانصياع لإملاءات المتطرفين العنوان الأبرز للحكومات الإسرائيلية مها ادعت غير ذلك.

وكشفت تطورات الأحداث خلال الشهرين الماضيين، ومحاولات الاستفزاز المتواصلة، هشاشة حكومة الاحتلال وضعف موقفها وفقدانها الثقة في قدراتها على إدارة المشهد، فبسبب بضعة مرابطين مقدسيين لا يتجاوز عددهم المئات، تم إجهاض مخطط جحافل الاحتلال في تفريغ المسجد من الفلسطينيين وتعبيده نحو سيطرة استيطانية متطرفة كاملة.

سقوط نظرية الهيمنة

المشاهد التي تناقلتها وكالات الأنباء عن تأمين المئات من قوات الشرطة الإسرائيلية لمسيرة الأعلام وملامح القلق والخوف المسيطرة على وجوه المستوطنيين من أي رد فعل انتقامي، اعتبرها محللون إسرائيليون دليلًا جازمًا على فشل نظرية "السيادة الإسرائيلية على القدس" وسقوط ادعاءات الهيمنة وإحكام القبضة كما يدعي الاحتلال.

المراسل البرلماني لصحيفة يديعوت أحرونوت، عاميحاي أتالي، فند تلك المزاعم من خلال إعلانه التحدي بأن يسير المستوطنون في يوم عادي من مستشفى أوغوستا فيكتوريا، مرورًا بباب الأسباط وصولًا إلى جبل الهيكل (المسجد الأقصى)، وحدهم، دون حماية من الشرطة وقوات الأمن، مضيفًا "لا أحد منهم كان سيجرؤ على القيام بذلك، ويكاد لا يوجد يهودي في العالم يجرؤ على ذلك، فالسير في هذا المسار مع علم إسرائيل هو انتحار مؤكد".

وأكد الصحفي الإسرائيلي أن "مسيرة الأعلام لا تساوي شيئًا، فليلة أمس وبعد طي الأعلام، لم يفكر أحد بأن يقوم بمسيرة مشابهة وحده، ويجب أن نتوقف عن الكذب على أنفسنا، فلا توجد سيادة في القدس في عهد نفتالي بينيت، ولم تكن هناك سيادة كهذه أيضًا لدى نتنياهو، أولمرت، شارون وجميع أسلافهم (في رئاسة الحكومة الإسرائيلية)، وبسبب قادة لم يجرؤوا على اتخاذ قرارات، القدس لم توَحّد أبدًا"، حسبما نقل موقع "عربي 48" عن وسائل إعلام عبرية.

واتفق معه في هذا الرأي المحلل العسكري في صحيفة هآرتس، عاموس هرئيل، الذي يرى أن مسيرة هذا العام فشلت فيما نجحت فيه مسيرة العام الماضي حين ردت حركة المقاومة الإسلامية حماس على المسيرة بإطلاق قذائف صاروخية على القدس، ما أدى إلى عملية "حارس الأسوار" العسكرية في قطاع غزة، الأمر الذي ترتب عليه مكاسب قوية لحكومة نتنياهو وقتها، وهو ما لم يتحقق هذا العام، ما يشير إلى فقدان الحكومة سيطرتها وسيادتها على الميدان.

الهرولة في دخول الأقصى تحت مظلة تأمينية قوية والهرولة في الخروج بعد الاشتباكات مع المرابطين، وعدم الأريحية في ممارسة الشعائر الدينية التلمودية، وفقدان إحساس الأمان والتشكيك في قدرة قوات الأمن على الحماية الكاملة، كل هذا يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن مزاعم السيطرة على القدس لا تتعدى حاجز شعارات الشعبوية التي يغازل بها بينيت ومن قبله نتنياهو اليمين المتطرف بعيدًا عن الواقع الفعلي الذي يُسقط تلك الادعاءات مع كل اختبار يقع فيه.

نقلة نوعية في تكتيك المقاومة

بنت الاستخبارات الإسرائيلية قراءتها للمشهد على رد فعل محتمل من حماس وفصائل المقاومة على غرار ما حدث العام الماضي، لكن فوجئ الجميع بالتزام ضبط نفس غير معتاد، إذ مرت المسيرة دون أي تصعيد ميداني، ما عدا المناوشات العادية بين المرابطين وقوات الاحتلال مع إصابات في صفوف المشاركين في مسيرات أخرى داعمة للأقصى وسيادة المسلمين عليه.

الصمت الفلسطيني والاكتفاء بتصريحات تصعيدية ومسيرات مضادة بأعلام فلسطينية، وإلقاء الكرة في ملعب الوسطاء، مصر تحديدًا، كان بمثابة تحول كبير في دبلوماسية المقاومة وتكتيكاتها الخاصة، وهو ما وضع حكومة بينيت في موقف حرج، إذ كانت تعول على تصعيد أكثر دموية يقود المشهد إلى أجواء الحرب المباشرة، وهي الأجواء التي توظفها حكومات الاحتلال لترسيخ أركان حكمها واستعادة شعبيتها المتراجعة.

واعتادت حماس على وجه الخصوص خلال المواجهات من هذا القبيل خلال الفترات الماضية الميل نحو الصدام واللجوء للرد القاسي وهو ما كان تعتبره دولة الاحتلال مسوغًا ومبررًا لشن هجماتها العسكرية ضد القطاع واستهداف بنيته التحتية بين الحين والآخر، لتحقيق أهداف سياسية في المقام الأول، لكن هذه المرة لم تنزلق الحركة لهذا الفخ.

الخروج الهادئ بأقل الخسائر بمثابة مسمار صلب في نعش الحكومة التي تواجه مأزقًا سياسيًا خطيرًا يهدد بقائها في الحكم في ظل فقدانها الأغلبية البرلمانية وسط ضغوط مستمرة من المعارضة بقيادة نتنياهو الذي ربما تخدم الأجواء الحاليّة أجندته في سحب الثقة من الحكومة الحاليّة وإجراء انتخابات مبكرة.

من المنتصر؟

حاولت حكومة الاحتلال استغلال الظرف الدولي المرهون بالاستقطابات الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية والمأزق الاقتصادي العالمي، لتمرير مخططها القديم نحو تهويد القدس وتعزيز الحضور الاستيطاني داخل المسجد الأقصى تمهيدًا لتغيير خصوصيته الزمانية والمكانية، ساعدها على ذلك موجة التطبيع الأخيرة التي حررتها نسبيًا من الضغوط العربية التقليدية التي إن لم تكن مؤثرة بالشكل الكافي، كانت عاملًا مهمًا في لجم المحتل إلى حد ما.

لكن رغم التمهيد المسبق لمسيرة الأعلام التي يراها البعض نقلة كبيرة في مسار التهويد، لم تحقق المسيرة الهدف المنشود منها، وهو ما أثار التساؤل الأبرز: من المنتصر في تلك المعركة؟ ويجيب الكاتب والمحلل الفلسطيني حسام الدجني بأن حالة الخوف والارتباك التي خيمت على وجوه قادة الاحتلال والمستوطنين على حد سواء تؤكد نجاح المقاومة في إدارة المعركة.

وأضاف في حديثه عبر إذاعة الأقصى ونقلته "البيادر السياسي" أن الاحتلال كان يراقب تحركات المقاومة ورد فعلها الذي جاء عكس المتوقع، فلأول مرة تستخدم حماس وأذرعها لغة السلاح دون استخدامه بشكل مباشر، تصريحات تصعيدية وحراك دبلوماسي دون التورط في شن حرب في هذا التوقيت الذي تحرص فيه في المقام الأول على إعادة الإعمار.

أما المحلل المختص بالشأن الإسرائيلي سعيد بشارات، فبجانب اتفاقه مع ما ذهب إليه المراسل البرلماني لصحيفة يديعوت أحرونوت، عاميحاي أتالي، بشأن عدم قدرة المستوطنين على القيام بتلك المسيرة بمعزل عن حماية شرطة الاحتلال ما يسقط مزاعم السيادة، فيرى أن "صبر المقاومة الموحدة يدل على حنكتها وقدرتها على إدارة الصراع، وفشل الاحتلال لدفع المقاومة للرد التي سمحت لجبهة الضفة في الثورة ومواجهة العدو بعدة مناطق".

ربما أحرزت المقاومة هدفًا دبلوماسيًا - من وجهة نظرها - في شباك المحتل هذه المرة، لكن هذا الهدف بحاجة إلى أهداف أخرى لضمان بقاء المنافسة في ظل الفوارق الكبيرة بين الفريقين في التسليح والدعم، وفي المقابل فمن المتوقع أن تواصل حكومة بينيت مساعيها لوقف نزيف شعبيتها واحتمالات سحب الثقة منها حتى لو تطلب الأمر تجاوز الخطوط الحمراء.

لكن في الجهة الأخرى هناك من يرى أن مجرد رفع العلم الإسرائيلي في باحات المسجد الأقصى انتصارًا سياسيًا يحسب لحكومة الاحتلال الحاليّة، وهو ما يسعى بينيت وأنصاره للعزف عليه، لكن رد فعل الإعلام العبري يشير إلى أن ما حدث لم يرتق بعد لمستوى طموحات الشارع الإسرائيلي الذي كان يمني النفس بأريحية كاملة في دخول المسجد وممارسة الشعائر التلمودية دون أدنى مقاومة.

وبين الهدف الدبلوماسي والانتصار السياسي، يبقى المشهد مفتوحًا على كل الاحتمالات، فالرهان على صبر المقاومة على طول الخط إزاء الاستفزازت الإسرائيلية - إن لم يكن هناك تحرك فعلي لوقفها - واستمرار تصعيد الاحتلال انتهاكاته بحق المقدسات الإسلامية دون رادع، قد يقود إلى مواجهات لا يتوقعها أحد، ربما تسقط معها الكثير من الحسابات.