توّج فريق الوداد البيضاوي المغربي بطلًا لدوري أبطال إفريقيا لكرة القدم بعد فوزه العريض على النادي الأهلي المصري، بهدفين نظيفين، في المباراة التي جمعتهما على مركب محمد الخامس في الدار البيضاء الإثنين 30 مايو/أيار 2022، وشهدت أجواءً جماهيرية ساخنة قبل وفي أثناء وبعد اللقاء.

وأمام أكثر من 40 ألف متفرج ودادي مقابل أقل من 4 آلاف من أنصار الأهلي، هزوا أرجاء المركب الذي تحول إلى سيمفونية أوبرالية من العزف المستمر الذي لم ينقطع طيلة دقائق المباراة التسعين، استطاع الفريق المغربي أن يطيح بالفريق المصري الذي كان على مشارف إنجاز تاريخي بحصد اللقب القاري للمرة الثالثة على التوالي حال فوزه.

جاء الفوز بأقدام اللاعب زهير المترجي الذي سجل الهدف الأول الصاروخي في الدقيقة 15 من المباراة، معاودًا التعزيز في الدقيقة 48، فيما شهد اللقاء تألقًا غير طبيعي للحارس محمد رضا التكناوتي الذي أنقذ مرماه من 3 محاولات شبه محققة، وبهذا الفوز يرفع الوداد رصيده من دوري أبطال إفريقيا لـ3 بطولات متساويًا مع غريمه التقليدي نادي الرجاء البيضاوي.

وبفوز النادي المغربي يواصل العرب سيطرتهم شبه الكاملة على إفريقيا كرويًا، بحصولهم على أكثر من نصف ألقاب القارة، سواء على مستوى الأندية أم المنتخبات، فيما تحولت فرق الشمال الإفريقي (مصر والمغرب والجزائر وتونس) إلى "بعبع" لأندية إفريقيا عبر هيمنة محكمة على الملاعب الإفريقية.

أجواء مشحونة

شهدت المباراة ارتفاعًا كبيرًا في درجة حرارتها حتى قبل انطلاق صافرة البداية للحكم الجنوب إفريقي فيكتور جوميز، حيث الانتقادات الحادة التي وجهها مجلس إدارة الأهلى للاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) بسبب اختيار مركب محمد الخامس ملعبًا لإقامة مباراة النهائي رغم وجود طرف مغربي في المواجهة وهو ما يتعارض مع مبدأ العدالة بحسب النادي المصري.

الأمر تصاعد مع تحديد 10 آلاف تذكرة فقط للنادي الأهلي، في مقابل أكثر من 30 ألف تذكرة للنادي الودادي (10 للنادي و20 للجمهور العام)، ثم وصلت الأوضاع ذروتها الساخنة مع الساعات الأولى قبيل انطلاق المباراة، حيث المناوشات التي وقعت بين بعثة النادي المصري والأمن المغربي خارج الملعب، وأخرى داخل المدرجات.

وفي ظل تلك الأجواء جاءت المباراة على غير العادة، فقد كان الجمهور اللاعب الأبرز حضورًا في المركب، هتافات لم تنقطع، وهو ما كان له دوره المؤثر في أداء لاعبي الوداد، أما فيما يتعلق بالجانب المصري فالخبرات التي يتمتع بها النادي ولاعبوه تجعله أقل تأثرًا بما يحدث في المدرجات من هتافات، ومن ثم فإن الحديث عن تأثير اللاعبين بهذا التفاعل يفتقد للموضوعية، إذ فاز الأهلي أكثر من مرة في أجواء مثل ذلك وأكثر، كما حدث في ملعب رادس التونسي حين فاز على الصفاقسي في نهائي 2006.

فنيًا.. استطاع الوداد إدارة المباراة بالشكل الذي يريد، سيطرة منذ بداية اللقاء واستحواذ على الكرة في منتصف الملعب، في مقابل خوف غير مبرر وتراجع واضح للنادي المصري في نصف ملعبه، ما سمح للاعبي الوداد بالتقدم حتى أحرزوا الهدف الأول والثاني وسط غفلة كبيرة من دفاع الأهلي الذي ظهر في أسوأ أحواله، في مقابل تألق غير عادي من حارس الوداد وخط هجومه.

الأندية العربية تحكم الكرة الإفريقية

منذ تأسيسها عام 1968 وتسيطر الفرق العربية على دوري أبطال إفريقيا، فمن 58 نسخة للبطولة حتى نهائي الأمس، فازت الأندية العربية بـ35 لقبًا منها، من خلال 12 فريقًا، تتصدرهم مصر بـ16 بطولة، ثم المغرب بـ7 بطولات، يليه تونس بـ6 ألقاب وفي الأخير تأتي الأندية الجزائرية في المرتبة الرابعة عربيًا بـ5 ألقاب.

الريادة في المجمل كانت مصرية، فقد حصل الأهلي الذي خسر البطولة الحاليّة على 10 ألقاب على مدار تاريخه، متربعًا على عرش القارة، يليه الفارس الأبيض نادي الزمالك بخمسة ألقاب، ثم دراويش الكرة المصرية نادي الإسماعيلي - أول فريق عربي يفوز بالبطولة - بلقب واحد.

وفي المرتبة الثانية تأتي الأندية المغربية، إذ تقاسم الرجاء البيضاوي والوداد الأرقام برصيد 3 بطولات لكل فريق، في ظل منافسة شرسة بين قطبي الكرة المغربية على التربع على عرش الكرة الإفريقية داخل المملكة، وسط أرضية جماهيرية تتمتع بخصوصية تميزها عن نظيراتها في البلدان الأخرى ذات الجماهيرية الكروية الشهيرة.

وجاءت الفرق التونسية في المركز الثالث برصيد 6 ألقاب، بواقع 4 لنادي الترجي ولقب للنجم الساحي وآخر للنادي الإفريقي الذي كان أول فريق تونسي يحصد اللقب، وبعد تونس تأتي الأندية الجزائرية التي لها باع طويل داخل الملاعب الإفريقية بحصولها على 5 بطولات، 2 لوفاق سطيف ومثلهما لشبيبة القبائل، ولقب وحيد لمولودية العاصمة.

وعلى المستوى القاري، فقد نجحت أندية الكونغو الديمقراطية في حصد 6 ألقاب قارية، لتتقاسم المركز الثالث مع الفرق التونسية، فقد فاز مازيمبي بخمسة ألقاب وواحد لفيتا كلوب، ثم الكاميرون بواقع خمسة ألقاب، ثلاثة منها لكانون ياوندي و2 لأوريكس دوالا ويونيون دوالا، تليها الأندية الغينية بالعدد ذاته، 3 ألقاب لهافيا كوناكري، و2 لأشانتي كوتوكو ثم لقب لهاتس أو أوك.

والمنتخبات كذلك

التفوق العربي للكرة الإفريقية لم يقتصر فقط على مستوى الأندية صاحبة الإمكانات المادية الكبيرة التي تؤهلها لتدعيم صفوفها بين الحين والآخر وهو ما يعطيها الأفضلية على نظيراتها في القارة وفق رؤية البعض، إذ يستمر هذا الاكتساح حتى على مستوى المنتخبات الوطنية التي تكتفي باللاعبين المحليين.

فمن 33 نسخة لبطولة أمم إفريقيا للمنتخبات، التي انطلقت نسختها الأولى بالسودان عام 1957، حصد العرب 12 لقبًا منها، فيما كانت المشاركات العربية هي الأكثر حضورًا، مصر (25 مشاركة) الجزائر (19 مشاركة) تونس (20 مشاركة) المغرب (18 مشاركة) السودان (9 مشاركات) ليبيا (3 مشاركات).

وكما هو الحال على مستوى الأندية، تسيطر مصر على ألقاب القارة على مستوى المنتخبات، محققة 7 ألقاب في نسخ 1957، 1959، 1986، 1998، 2006، 2008، 2010، فيما حققت المركز الثاني (وصيف) في ثلاث نسخ 1962، 2017، 2022، والمركز الثالث (البرونزية) ثلاث مرات في 1963، 1970، 1974.

وجاءت الجزائر في المركز الثاني بلقبين: 1990، 2019، فيما حصلت على الميدالية الفضية كوصيف خلال عام 1980 ثم البرونزية في نسختين، 1984، 1988، يليها المنتخب التونسي بلقب وحيد في 2004، وميداليتين فضيتين 1965، 1996، وواحدة برونزية عام 1962.

ورغم التفوق على مستوى الأندية، فإن المغرب لم يحقق على مستوى المنتخب إلا لقب واحد فقط عام 1976، فيما جاء وصيفًا عام 2004، وثالثًا خلال نسخة 1980، فيما حصل المنتخب السوداني على البطولة عام 1970، والميدالية الفضية خلال نسختي 1959 و1963، وبرونزية واحدة عام 1957، أما المنتخب الليبي فمن خلال 3 مشاركات كان إنجازه الوحيد وصيف القارة في بطولة 1982.

الكرة.. أفيون العرب

تولي الحكومات العربية والمجتمعات على حد سواء، اهتمامًا كبيرًا بكرة القدم مقارنة بنظيراتها في بقية دول القارة الإفريقية، كما تتصدر تلك اللعبة قائمة الألعاب الأكثر جماهيرية لدى الشعوب العربية، فمن بين الأندية العشر الأكثر قيمة تسويقية في القارة هناك 8 فرق عربية (3 مصرية - 3 تونسية -  فريق جزائري وآخر مغربي).

ويتصدر الأهلي المصري قائمة العشرة الكبار، إذ تبلغ قيمته السوقية 31.9 مليون يورو، يليه صن داونز الجنوب إفريقي بـ23.4 مليون يورو، ثم الزمالك المصري بـ21.4 مليون يورو ومن خلفه مواطنه بيراميدز بـ18.9 مليون يورو ومن بعدهما الترجي التونسي بـ18.2 مليون يورو، ثم أورلاندو بايرتس الجنوب إفريقي بـ14.70 مليون يورو والنجم الساحلى التونسي بـ14.5 مليون يورو ثم بارادو الجزائري بقيمة 13.75 مليون يورو، الصفاقسي التونسي بـ12.38 مليون يورو، ثم الوداد المغربي بـ12.10 مليون يورو.

وينظر إلى كرة القدم على أنها "أفيون" العرب كما يصف المحللون والخبراء، كونها الوسيلة الأنجع لإلهاء الشعوب عن قضاياها الأهم، اقتصاديًا وسياسيًا وحقوقيًا، ودورها الكبير في نسيانهم مشاكلهم اليومية، وعليها ينصب كل الاهتمام حتى تحولت بعض اللقاءات إلى معاركة حامية الوطيس كما يطلق عليها المعلقون، كما تم استحداث ظاهرة "الديربيات الكروية" ففي كل بلد عربي هناك فريقان يهيمنان على المشهد (قطبي الكرة) ويقسمان الجمهور إلى قسمين، كالأهلي والزمالك في مصر والرجاء والوداد بالمغرب والترجي والصفاقسي في تونس.

ورغم شغف جميع الجماهير في شتى البلدان بكرة القدم التي تحولت إلى اللعبة الشعبية الأبرز في العالم، فإن الوضع في الدول النامية والديكتاتورية له طابع خاص، إذ تمثل اللعبة أحد أبرز أدوات الأنظمة في السيطرة على العقل المجتمعي وتشكيله وفق أجندات خاصة بعيدًا عن المسارات التي تثير الأزمات والمشاكل للحكومات.

على سبيل المثال، فالبرازيل التي تمثل اليوم قبلة كرة القدم وموطنها الأبرز، كانت في الستينيات واحدة من الدول القابعة تحت أنظمة حكم عسكرية ديكتاتورية، وكان الشعب يعاني مرارة الجوع والفقر والمرض، وأمام تلك المعضلة لم يكن هناك حل لدى الجنرالات إلا إلهاء هذا الشعب عن مشاكله، وكانت كرة القدم الحل السحري، وبالفعل تبنت الدولة إستراتيجية تعزيز جماهيرية اللعبة، فكانت ملاعب كرة القدم في البلاد أكثر من عدد الجامعات والمدارس والمستشفيات، ومن هناك انتقلت العدوى إلى بلدان العالم وفي المقدمة منها البلدان العربية، بل وصل الأمر بحسب وصف الصحفي البريطاني أندي ويست، بأنها - أي كرة القدم - "دين الشعوب" بعدما تجاوز الأمر مجرد المشاهدة الممتعة للعبة مفضلة إلى عقيدة يوالي عليها المشجع ويعادي.

وفي الأخير.. ورغم ما يحمله فوز الوداد المغربي من مفاجأة أوقفت قطار الأهلي المصري قاريًا، فإنها في الوقت ذاته أكدت الريادة العربية على الكرة الإفريقية، تلك الريادة المتوقع استمرارها في ظل حالة الشحن والزخم والدعم والتبني المطلق الذي توليه الحكومات لتلك اللعبة الجماهيرية مقارنة بحكومات القارة المشغولة بأوضاعها القاسية.