رفع سعر الدولار الجمركي في مصر للمرة الثالثة خلال العام الحاليً

أعلنت مصلحة الجمارك بوزارة المالية المصرية رفع سعر الدولار الجمركي من 17 جنيهًا إلى 18.65 جنيه بزيادة نسبتها 10% اعتبارًا من 1 يونيو/حزيران الحاليّ وحتى نهاية الشهر، في خطوة لم يُمهّد لها أثارت الكثير من التساؤلات والقلق للمستوردين والمستهلكين على حد سواء.

ويقصد بالدولار الجمركي ما يدفعه المستورد من رسوم بالعملة المحلية مقابل الإفراج عن البضاعة المستوردة والمحتجزة في الجمارك، وفي العادة لا يكون سعره هو السعر الحقيقي الذي يستورد به التاجر بضاعته من الخارج، ويكون أقل من السعر البنكي المحلي تيسيرًا على المستوردين.

ولجأت مصر للعمل بهذا النظام (الدولار الجمركي) منذ أكتوبر/تشرين الأول 2017، نتيجة للتذبذب الذي شهده سعر العملة الخضراء في السوق، ما دفع المالية المصرية لتحديد سعر صرف الدولار الجمركي وحددته بداية الأمر بـ16 جنيهًا، وظل هكذا حتى نهاية مارس/آذار الماضي، قبل أن ترفعه في أبريل/نيسان الماضي إلى نحو 17 جنيهًا، وصولًا إلى السعر الجديد، فقد بلغت قيمة الزيادة خلال الأشهر الثلاث الأخيرة 2.64 جنيه بنسبة 16.5%.

وأثارت تلك الخطوة حالة من الجدل داخل الشارع المصري، بين من يراها إيجابية تساعم في تحفيز الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد، وآخرين يعتبرونها ضربة قاصمة من المرجح أن تزيد معاناة المواطنين وترفع معدلات التضخم بصورة تفوق قدرات محدودي ومتوسطي الدخل وهما الشريحة الكبرى للمصريين.

وكانت أسعار السلع قد شهدت خلال أشهر مارس/آذار، أبريل/نيسان، مايو/آيار الماضي قفزات غير مسبوقة، تجاوزت في بعضها حاجز الـ500%، وتصدرت تلك الزيادات السلع الغذائية الإستراتيجية التي تمثل عصب الأمن الغذائي المصري (القمح والمخبوزات والخضراوات واللحوم والدواجن)، في مقابل رواتب وأجور متدنية لا تستطيع، من قريب أو بعيد، مسايرة تلك الزيادات الهائلة رغم مساعي الحكومة تخفيف حدة الأضرار.

تحجيم الاستيراد وتحفيز المحلي

تحاول الحكومة المصرية خلال الآونة الأخيرة السيطرة على سعر الدولار في السوق من خلال حزمة من السياسات أبرزها تقييد عمليات الاستيراد وقصرها على السلع الضرورية والأساسية، وهي السياسة التي أدت إلى انزعاج المستوردين وقلصت نشاطهم التجاري بشكل واضح.

وفي هذا السياق تثمن مدير المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، هدى الملاح، هذا القرار معتبرة أنه سيساهم بشكل كبير في ترشيد الاستيراد وتحجيم السيولة الدولارية الخارجة من السوق المصري الداخلي إلى الخارج، منوهة في تصريحات لها أن قرار كهذا من شأنه أن يؤدي إلى إحجام الناس عن شراء السلع المستوردة وهو ما يسهم في تخفيف الطلب عليها.

وتعتبر الخبيرة الاقتصادية المصرية أن مثل تلك القرارات رغم ما تحمله من آثار عكسية مباشرة على المواطن وقدراته الشرائية، فإنها تعزز عملية الإنتاج الوطني وتشجع أبناء الوطن من صغار المنتجين والمستثمرين على إنعاش إنتاجهم الذي كان يعاني من تقزيم واضح أمام السلع المستوردة، ومن ثم يفتح الباب أمام التصدير وتعزيز العملة المحلية (الجنيه).

جدير بالذكر أن قيمة الواردات المصرية خلال الفترة من يناير/ كانون الثاني حتى سبتمبر/أيلول 2021، بلغت نحو 61 مليار دولار مقابل 52.4 مليار دولار خلال الفترة نفسها لعام 2020، بنسبة ارتفاع قدرها 16%، وفق التقرير الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي)، الذي كشف عن تصدر الوقود والزيوت المعدنية ومنتجات تقطيرها قائمة السلع الأكثر استيرادًا بقيمة بلغت 7.8 مليار دولار، تلتها الآلات والأجهزة الكهربائية وأجزاؤها بنحو 4.6 مليار دولار.

زيادة معدلات التضخم

التأثير المباشر والأسرع لرفع سعر الدولار الجمركي يتعلق بزيادة معدلات التضخم، حيث الإحجام عن الشراء في ظل وفرة المعروض من السلع، ما سيمثل ضغطًا كبيرًا على كفة المؤشرات الاقتصادية، ورغم عالمية تلك الأزمة خلال الآونة الأخيرة بسبب جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، فإن الوضع في مصر أكثر شراسة بسبب جشع التجار وغياب الرقابة، ما يسمح لهم بالتلاعب بأريحية في السوق وأسعار السلع.

وتشير التقديرات إلى ارتفاع معدل التضخم السنوي في مصر خلال أبريل/نيسان الماضي ليسجل 14.9%، وهو أعلى مستوى منذ نوفمبر/تشرين الثاني عام 2018، فيما توقع خبراء استمرار هذا الارتفاع حتى يصل ذروته في أغسطس/آب القادم، الأمر الذي دفع لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي لاتخاذ بعض القرارات خلال اجتماعها في 19 مايو/آيار الماضي كان على رأسها ارتفاع معدلات الفائدة بنسبة 2%.

كما بلغت معدلات أسعار المستهلكين رقمها القياسي خلال أبريل/ نيسان 2022 بمعدل 129 نقطة، مرتفعة بذلك عن شهر مارس/آذار 2022 بنسبة 3.7%، فيما ارتفع معدل التضخم السنوي بزيادة 10.5% خلال شهر واحد فقط، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وتتوقع رئيس قسم البحوث بشركة الأهلي فاروس لتداول الأوراق المالية، رضوى السويفي، وصول التضخم لأعلى مستوياته في أغسطس/آب القادم بنسب تتراوح بين 14 و15%، على أن يعاود التراجع مرة أخرى بحلول أبريل/نيسان 2023، فيما أرجع الخبير الاقتصادي خالد الشافعي في تصريحاته لـ "سي إن إن" هذا الارتفاع إلى عدة عوامل أبرزها جائحة فيروس كورونا وتباطؤ سلاسل الإمداد والتوريد، بجانب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي كان من أبرزها ارتفاع أسعار السلع الغذائية حول العالم لتقترب من متوسط زيادة 55%، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز.

المستهلك.. الخاسر الأكبر

كالعادة يظل المواطن هو الضحية الأبرز لتلك السياسات الاقتصادية والمالية، والمنوط به دفع فاتورة فشلها وعجزها على مر السنين، كونه الحلقة الأخيرة والأضعف في دائرة الاستهلاك السلعي، إذ تشير التقديرات الأولية إلى أن رفع سعر الدولار الجمركي سيزيد الأسعار بنسب تتأرجح بين 10- 12% لما يترتب عليه من ارتفاع تكاليف الاستيراد وبالتالي زيادة أسعار السلع المستوردة التي تمثل نصيب الأسد في السلع المستهلكة محليًا.

ورغم تحذيرات الحكومة من استغلال هذا القرار لرفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، أشار أحمد سليمان (تاجر) إلى أن تلك التحذيرات تستهدف تهدئة الرأي العام المحلي الغاضب بسبب تلك الزيادات المستمرة، لافتًا في تصريحات لـ"نون بوست" أن العالم كله يعاني من ارتفاع الأسعار لكن الوضع في مصر يتجاوز هامش الزيادة المنطقية بمراحل، في ظل إستراتيجية فقدان الثقة بين التجار والحكومة من جانب والتجار والمستهلكين من جانب آخر.

وأوضح التاجر المصري أن الحكومة هي السبب الواضح والوحيد والمباشر في الزيادة هذه المرة، ومن ثم لا يمكن تحميل التجار المسؤولية وتوجيه اللوم لهم في أي زيادات محتملة، لافتًا إلى أن الزيادة المباشرة في السلعة إن كانت 10%  بحسب الحكومة، فإنها حتى تصل إلى يد المستهلك ستتجاوز أكثر من 20%.

الرأي ذاته أكده رئيس شعبة المستوردين بالغرفة التجارية بالقاهرة، عماد قناوي،  الذي أشار إلى أن قرار وزارة المالية سيؤثر على أسعار استيراد المنتج خام، ومستلزم الإنتاج للمصانع، مضيفًا خلال مداخلة هاتفية لبرنامج "يحدث في مصر" عبر فضائية "MBC مصر"، أن هذه الخطوة ستؤدي إلى زيادة في سعر المنتج التام تتراوح ما بين 7% إلى 9%، مشيرًا إلى زيادة قيمة الجمارك بنسبة 6% وضريبة القيمة المضافة بنسبة 1.5%، نتيجة للقرار، مشددًا في نهاية حديثه على أن "الزيادات بقرارات حكومية، ليس للتاجر شأن بها ولن يحقق مكسبًا منها"، بحسب وصفه.

ومما يعمق الأزمة استحواذ الدين الخارجي الذي بلغ 145.529 مليار دولار بنهاية ديسمبر/كانون الأول 2021، على نصيب الأسد في الموازنة الجديدة، الأمر الذي دفع الحكومة إلى التوجه نحو جيب المواطن بوصفه الملاذ الآمن للخروج من هذا المأزق، فوفق البيان المالي لموازنة العام المالي 2022/2023 تتوقع الحكومة المصرية زيادة الضرائب خلال العام القادم بنحو 222 مليارًا و420 مليون جنيه، عما كانت عليه في 2021/2022 المقدرة بإجمالي 946 مليارًا و375 مليون جنيه، بزيادة قدرها 23.5%، بما يشكل نحو 78.5% من إجمالي إيرادات الدولة المصرية، في ظل افتقاد السياسات الاقتصادية الرامية إلى تعزيز مسارات الإنتاج وتنويع مصادر الدخل القومي.

شهرًا تلو الآخر تتقلص مؤشرات الرفاهية الاقتصادية أمام المصريين الذين وجدوا أنفسهم مجبرين على اتباع سياسات تقشفية حادة، تسحب معها مسارات عدة من الضروريات للكماليات، مدفوعين بحالة الفوضى في الأسعار وغياب الرقابة، متحملين وحدهم سداد فاتورة الفشل في السياسات المتبعة، لكن يبقى السؤال: إلى متى يستمر هذا النزيف؟ وحتى متى يتحمل الإنسان العادي تلك الأعباء؟