يواصل سعيد خطواته نحو تكريس نظام حكم الفرد الواحد

يواصل سعيد خطواته نحو تكريس نظام حكم الفرد الواحد

يواصل الرئيس التونسي قيس سعيد خطواته الحثيثة نحو تكريس نظام الحكم الواحد، رغم الضغوطات الداخلية والخارجية الممارسة عليه منذ أشهر، هذه المرة صوب تركيزه نحو سلك القضاء الذي استعصى عليه التحكم فيه إلى الآن.

إعفاء 57 قاضيًا

كعادته أطل على التونسيين ليلًا، في حضرة مجموعة من الوزراء المكفهرة وجوههم المُطأطأة رؤوسهم، وقد ظهرت عليه ملامح الغضب والتوتر، يُلقي عليهم درسًا دون أن نسمع صوت أحد من الحضور وإن كان همسًا، فلا صوت يعلو فوق صوته.

توعد سعيد في هذا الاجتماع "بفضح" القضاة ونشر مرسوم يكشف أسماء عدد منهم اتهمهم "بتغيير مسار قضايا" وتعطيل تحقيقات في ملفات إرهاب وارتكاب فساد مالي وأخلاقي وعدم الحياد وتجاوز الصلاحيات وتوجيه الأبحاث.

وقال في خطابه التليفزيوني الذي نُقل مباشرة على شاشة القناة الوطنية الأولى إنه منح القضاة فرصًا، وحذرهم غير مرة، لـ"تطهير" أنفسهم، وأضاف أنه فعل ذلك بعد إعطائه "فرصة تلو فرصة والتحذير بعد الإنذار للقضاء لتطهير نفسه".

ركز أغلب خطابه في أثناء المجلس الوزاري على اتهام القضاة والتهديد والوعيد، لكنه في أثناء الكلام لم يغفل جملته المعهودة بأنه لا يتدخل أبدًا في القضاء، ويرفض أي تدخل مهما كان مصدره، صحيح هو لا يتدخل في القضاء إنما يتحكم فيه.

لم يغفر سعيد رفض القضاة إخضاع سلطتهم المحمية بموجب الدستور إليه ورفضهم العودة إلى عهد ما قبل الثورة، زمن "قضاة التعليمات"

بعد ساعات قليلة من هذا الخطاب الحربي ضد القضاء، قالت الجريدة الرسمية التونسية إن سعيّد عزل 57 قاضيًا، من بينهم رئيس المجلس الأعلى للقضاء الذي حله الرئيس بدعوى "الحفاظ على السلم الاجتماعي وعلى الدولة"، وذلك بعد إدخال تعديلات في مرسوم سابق.

وفق المرسوم الجديد، يحق"للرئيس في صورة التأكد أو المساس بالأمن العام أو بالمصلحة العليا للبلاد، وبناء على تقرير معلل من الجهات المخولة إصدار أمر رئاسي يقضي بإعفاء كل قاض تعلق به ما من شأنه أن يمس من سمعة القضاء أو استقلاليته أو حسن سيره"، ويورد المرسوم أيضًا: "تُثار الدعوى العمومية ضد كل قاض يتم إعفاؤه على معنى هذا الفصل".

لكن من الملاحظ أن قائمة القضاة المعفيين شملت العديد من القضاة الشبان الذين لم يُسمع عنهم أي شبهة فساد مهما كان شكلها، وذنبهم الوحيد أنهم أعلنوا في وقت سابق رفضهم للإجراءات الانقلابية التي أعلنها سعيد وتجندهم للدفاع عن مدنية الدولة وديمقراطيتها.

استهداف متواصل للقضاء

هذه الخطوة تأتي ضمن جملة من الخطوات التي أقدم عليها قيس سعيّد بخصوص القضاء منذ انقلابه على دستور البلاد في 25 يوليو/تموز الماضي، ففي 6 فبراير/شباط الماضي قرّر سعيد في أثناء زيارة له إلى وزارة الداخلية حل المجلس الأعلى للقضاء، معتبرًا أن المجلس أصبح من الماضي.

وكان المجلس بمثابة الضامن الرئيسي لاستقلال القضاء منذ ثورة تونس 2011، التي أدخلت الديمقراطية إلى البلاد وإحدى أبرز المؤسسات التي تفتخر بها تونس، فمن صلاحياتها حسن سير القضاء وضمان استقلاليته طبق أحكام الدستور والمعاهدات الدولية المصادق عليها، لكن كان لسعيّد رأي آخر تجاهه.

قبل حل المجلس، ألغى سعيّد المنح والامتيازات المخولة لأعضاء المجلس الأعلى للقضاء، وذلك من خلال مرسوم رئاسي، نقح من خلاله القانون الأساسي عدد 34 لسنة 2016 المؤرخ في 28 أبريل/نيسان 2016 المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء، وتتمثل المنحة المذكورة في 2364 دينارًا إضافة إلى 400 لتر من الوقود.

بعد ذلك، أعلن سعيد تشكيل مجلس قضاء مؤقت وأصدر مرسومًا بمقتضاه يحق له "طلب إعفاء كل قاض يخل بواجباته المهنية"، ويحظر المرسوم على القضاة "الإضراب وكل عمل جماعي منظم من شأنه إدخال اضطراب أو تعطيل في سير العمل العادي بالمحاكم"، ويحق للرئيس الاعتراض على ترقية القضاة أو تسميتهم.

في الأثناء، ركّز سعيد في أغلب خطبه المطولة التي يُلقيها على الشعب باستمرار في مناسبة أو دونها، على انتقاد القضاة والتشكيك في عملهم وما فتئ يشوههم، متهمًا العديد منهم بالفساد والتستر على الإرهاب وخدمة أطراف سياسية وأصدر أوامره بفرض الإقامة الجبرية ومنع السفر للقضاة وإخضاعهم للاستشارة الحدودية (S17).

كما أسند لزوجته إشراف شبيل التي تشغل منصب قاضية، مهمة صناعة أذرع داخل القضاء، وتستعين شبيل في هذه المهمة بالقاضية ليلى جفال التي تقلدت منصب وزيرة أملاك الدولة في مرحلة أولى ثم وزيرة للعدل في حكومة نجلاء بودن، مستغلة بعض الملفات التي بحوزتهما وتورط بعض القضاة الفاسدين بهدف ابتزازهم.

كرس الرئيس التونسي قيس سعيد، دولة الأمر الواقع بعيدًا عن دولة القانون والمؤسسات

يصف سعيّد السلطة القضائية بـ"الوظيفة داخل الدولة" ونافيًا عنها أن تكون "سلطة"، قائمة بذاتها مستقلة عن السلطة التنفيذية، ففي عهد سعيد لا وجود لثلاث سلطات مستقلة عن بعضها بل توجد سلطة واحدة تحت يديه فقط.

وبدأ استهداف القضاء منذ الليلة الأولى للانقلاب، ففي خطابه الذي أعلن خلاله تجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وإقالة رئيس الحكومة، أكد سعيّد أنه سيضع يده على القضاء وذلك من خلال ترؤس النيابة العمومية إلا أنه لم يفلح في ذلك.

أهداف سعيد

لم يغفر سعيد رفض القضاة إخضاع سلطتهم المحمية بموجب الدستور إليه ورفضهم العودة إلى عهد ما قبل الثورة، زمن "قضاة التعليمات"، لذلك ركز أغلب جهده على التنكيل بهم وإذلالهم، فضلًا عن تشويههم وإلصاق التهم بهم دون أدلة.

هدف الرئيس التونسي من وراء استهداف القضاء تخويف منافسيه والقول لهم بأنه لا يكبر أحد أمام سعيّد، فاستهداف منظومة العدالة وضرب استقلالية مرفق القضاء سيجعل معارضي سعيّد يفكرون ألف مرة قبل قول أي كلمة ضده.

كما يسعى سعيد إلى تخويف القضاة قصد تطويعهم واستغلالهم للتنكيل بخصومه السياسيين الذين تعددت توجهاتهم وتوظيفهم لخدمة أجنداتها السياسية، خاصة أن سعيد يرى في القضاء المستقل حجر عثرة أمامه في سبيل تكريس مشروعه الغامض.

يعتبر ضرب القضاء جزءًا مهمًا من خطة قيس سعيد للاستئثار بالحكم في تونس، فهو يحاول إنتاج منظومة عدالة على المقاس كما فعل في السابق بن علي وبورقيبة اللذين طوعا القضاء للانفراد بالحكم وشد أركان سلطتهما، ويعلم سعيد يقينًا أنه لا يستطيع التقدم خطوة واحدة في تنزيل مشروعه الغامض على أرض الواقع، دون وضع يديه على القضاء.

يسعى سعيد من وراء تعدي السلطة التنفيذية على السلطة القضائية وسلطات المحاكم إلى إخضاع القضاء لسلطته هو، فهو يرى أن السبيل للتخلص من كل الشخصيات والمؤسسات التي تعارضه هو الإمساك بالقضاء والتحكم فيه.

فضلًا عن ذلك، يرى سعيد أن تخويف جزء من القضاة من شأنه أن يُبعده عن دائرة المحاسبة فهو يخشى المحاسبة ذلك أنه لم يترك مخالفة إلا وارتكبها، فقد تعدى على الدستور الذي أقسم على حمايته وخان العهود التي قدمها للتونسيين، فضلًا عن اعتماده تشويه الخصوم وسبهم وثلبهم دون دليل.

ويخشى سعيد أي يقوم القضاء بفتح ملف حملته الانتخابية التي أوصلته لسدّة الحكم في أكتوبر/تشرين الأول 2019، خاصة أن تقرير محكمة المحاسبات بشأن رقابة الحملات الانتخابية في الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها، كشف وجود 30 صفحة غير رسمية لفائدة حملة قيس سعيد بها 3.045.566 مشترك، تضم 120 مشرفًا (85 من تونس و24 من فرنسا و2 من الولايات المتحدة)، وقد اتهمت جهات سياسية سبق أن عملت مع حملة الرئيس، سعيد بالاستعانة بجهات خارجية للوصول للحكم.

صحيح أن في سلك القضاء قضاة فاسدين وجب محاسبتهم، لكن ذلك لا يبرّر عمليات الهدم وإلغاء الاستقلالية في هذا القطاع واحتكار سعيد كل السلطات، فتونس الآن رجعت إلى ما قبل الثورة، زمن تحكم بن علي بكل السلطات وتهميش القضاء.

بهذه الخطوات المتتالية في حق القضاء، كرس الرئيس التونسي قيس سعيد، دولة الأمر الواقع بعيدًا عن دولة القانون والمؤسسات، كل ذلك بهدف إرساء مشروعه الشعبوي الذي يُشبه إلى حد بعيد نظام حكم القذافي الذي حكم به ليبيا طيلة 40 سنة وأوصلها إلى الهاوية رغم الثروات التي تمتلكها.