يسير سعيد نحو فرض دولة الشخص الواحد

يسير سعيد نحو فرض دولة الشخص الواحد

تنطلق اليوم بدار الضيافة بقرطاج (تونس العاصمة)، أولى جلسات "الحوار الوطني" الذي دعا إلى الرئيس قيس سعيد في وقت سابق، لوضع أسس "الجمهورية الجديدة"، لكن يبدو أن هذا الحوار لن يحضره إلا بعض الموالين لسعيد "ولاء أعمى"، فقد توالت مواقف الرفض، لعدم جدية الرئيس في الحوار، فضلًا عن كون المخرجات جاهزةً منذ وقت.

الحوار بمن حضر

رغم تتابع مواقف الرفض حتى ممن ساندوا إجراءات ليلة 25 يوليو/تموز الماضي، اختار سعيد المضي في "طريقه المعبد" وإعلان شارة انطلاق حواره الوطني، ولسان الحال يقول "اجتمع بمن حضر" حتى إن اجتمع ببعض أصدقائه فقط.

توسعت قائمة رافضي المشاركة في الحوار وفي عضوية اللجان الاستشارية التي أحدثها قيس سعيد لصياغة مشروع دستور الجمهورية الجديدة، وشملت كما قلنا عناصر كانت قد عبرت في وقت سابق عن دعمها المطلق لتحركات سعيد نحو إقرار "دولة الفرد الواحد".

قبل يومين، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي قائمة مدعوين تتضمن نحو 30 شخصية دعاها عميد المحامين ورئيس اللجنة الاستشارية للشؤون الاقتصادية والاجتماعية إبراهيم بودربالة للمشاركة في الحوار الذي يعتزم تنظيمه على قاعدة الاستشارة الوطنية.

نتائج الحوار لن تكون خارجة عن نتائج ومخرجات الاستشارة الإلكترونية التي تصب في خدمة مشروع قيس سعيد الشخصي المبني على التفرد بالسلطة

منذ الكشف عن القائمة، سارعت شخصيات وطنية ومنظمات وأحزاب إلى الاعتذار، من ذلك ائتلاف "صمود" الذي يضم شخصيات داعمة لسعيد، إذ أعلن الائتلاف انسحابه من الحوار، مبررًا قراره بعدم توافر الحد الأدنى من شروط وضمانات المشاركة في الحوار، مع تمسكه بما أسماه نجاح مسار 25 يوليو/تموز.

كما رفض حزب آفاق تونس وحزب المسار الديمقراطي الاجتماعي وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد وجمعية النساء الديمقراطيات - كانوا مساندين لسعيد - المشاركة في الحوار، إلى جانب رفض عدد من الشخصيات المشاركة، على غرار المولدي الجندوبي الأمين العام المساعد السابق للاتحاد العام للشغل وحاتم المليكي (القيادي السابق في حزب قلب تونس)، والناشطات النسويات نائلة الزغلامي وأحلام بلحاج ودرة محفوظ ويسرى فراوس وآمنة منيف، إلى جانب الإعلامي والصحافي سفيان بن فرحات.

وقبل ذلك، أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل مقاطعة اللجان التي أقرها سعيد ورفضه عضويتها ومنحها مشروعية المركزية النقابية الأكثر تمثيلًا في البلاد، وهو نفس موقف عمداء كليات القانون والمحامين والحقوقيين في رابطة حقوق الإنسان.

نفهم من هنا أن الحوار انطلق بحضور عدد قليل ممن تمت دعوته، إذا علمنا أن سعيد أقصى من البداية كل الأحزاب والمنظمات والشخصيات التي ترى قرارات 25 يوليو/تموز انقلابًا على الدستور ومؤسسات الدولة الشرعية.

حوار شكلي

الاقتصار على عدد قليل من الحضور ورفض سعيد التشاور مع القوى السياسية والمدنية حتى ممن يساندوه، لإقناعهم بضرورة المشاركة في الحوار، يؤكد أن الرئيس التونسي غير مهتم بمخرجات هذا الحوار وإنما هو شكلي وصوري.

يتساءل المحلل السياسي التونسي سعيد عطية: "هل ما سينطلق اليوم هو حقًا حوار؟"، ثم يجيب في حديثه لنون بوست، "الأصل أن يكون الحوار بين مختلفين وينطلق من ورقة بيضاء، لكن حوار الرئيس يستند لاستشارته الخاصة ويجمع مؤيديه ومريديه دون غيرهم، ما ينفي عنه صفة الحوار".

يضيف عطية في حديثه لنون بوست "الحوار المفترض سيغيب عنه أكبر طرف دعم انقلاب 25 يوليو/تموز وهو الاتحاد العام التونسي للشغل، ما يعني أنه لن يكون حوارًا بقدر ما سيكون حفلة فلكلور لإضفاء حد أدنى من المشروعية على مشروع البناء القاعدي للرئيس".

بدوره وصف الصحفي التونسي كريم البوعلي الحوار بالشكلي، قائلًا: "نحن أمام حوار شكلي يجمع المريدين والمتموقعين خلف انقلاب 25 يوليو، ليس حوارًا بمعناه المتعارف عليه أي أن يجلس مختلفان في الرأي يتحاوران ويتناقشان ويتبادلان المواقف، هو مجرد ديكور وجلسة فلكلورية لمساندي قرارات الانقلاب".

وأضاف البوعلي "هي جلسة تلميعية لصورة النظام الاستبدادي القمعي في تونس وهو مجرد جس نبض للشارع التونسي، الهدف منه شكلنة العملية السياسية أي أن تصبح شكليات فقط لإضفاء مشروعية وهمية زائفة على شخص منقلب جمع كل السلطات في يده وبدأ حملته الانتخابية للاستفتاء بهذا الحوار وبعض الزيارات الميدانية".

الهدف من الحوار أيضًا التسويق الخارجي ليس أكثر، فالعديد من القوى الدولية طالبت في وقت سابق الرئيس التونسي التسريع بتنظيم حوار يضم مختلف القوى في البلاد، لذلك يريد سعيد الاستدلال بهذا "الحوار" أمام الأطراف المعنية بالوضع التونسي حتى تنتفي الحجة عليه.

"هم يُريدون حوارًا، لهم ما يُريدون لكن بالشكل الذي يخدم مصلحتي" هذا ما يردده سعيد في سره، فهذا الحوار مهما كان شكليًا وصوريًا سيكون حجة له لتأكيد انفتاحه على الآخر إلا من رفض وأقصى نفسه بنفسه.

أثبت سعيد أنه لم يعد يعير الاهتمام لأي طرف في الداخل ولا الخارج ولم يعد يكترث لأي ضغوطات ممارسة عليه للرجوع بالبلاد إلى المسار الدستوري

ما يؤكد أن الحوار شكلي، المدة الزمنية المخصصة له، فيجب على اللجان التي ستبدأ الاجتماع اليوم تجهيز الدستور بحلول يوم 20 يونيو/حزيران الحاليّ، أي في أسبوعين فقط عليها أن تجهز دستورًا يحدد مستقبل التونسيين وبلادهم.

أيضًا إقرار موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، يؤكد أن نتائج الاستفتاء محسومة، فالدستور جاهز وما الحوار المعلن عنه إلا ديكور لتأثيثه ومنحه شرعية، ولن يخرج الدستور عن تصورات سعيد لنظام الحكم والمنوال الاقتصادي والاجتماعي.

جمهورية الأمر الواقع

يعني هذا أن نتائج الحوار لن تكون خارجة عن نتائج ومخرجات الاستشارة الإلكترونية التي تصبّ في خدمة مشروع قيس سعيد الشخصي المبني على التفرد بالسلطة والتحكم في كل السلطات بين يديه دون رقيب.

يقول كريم البوعلي إن الشخصيات التي تشارك في الحوار "لا تمت للتونسيين بصلة، فهي مجرد جماعات وظيفية تحمل أفكارًا استئصالية تعادي طرفًا سياسيًا معينًا وتعادي الديمقراطية وحق الشعب في اختيار ممثلين بطريقة شرعية وبمؤسسات حرة ومستقلة وتريد الإجهاز على ثورة الحرية وإعادة إنتاج حكم الفرد الواحد".

يضيف البوعلي في حديثه لنون بوست "سعيد ماضٍ في توجهه في كتابة دستور جديد للبلاد وفرض مسار أحادي وإعادة إنتاج الديكتاتورية في معناها حكم الفرد الواحد المسيطر والمتغول على جميع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، فضلًا عن السلطة التأسيسية في حالة تونس الراهنة".

لم يقدم سعيد أي تنازل حتى لمسانديه، وهو ما يؤكد أن الرجل ماضٍ في برنامجه المسطر منذ فترة وماض في فرض "جمهورية الأمر الواقع" التي لا صوت فيها غير صوته ولا أحد له الحق أن يبدي أي رأي فيها.

أثبت سعيد أنه لم يعد يعير الاهتمام لأي طرف في الداخل ولا الخارج ولم يعد يكترث لأي ضغوطات ممارسة عليه للرجوع بالبلاد إلى المسار الدستوري، فهو يرى ضرورة هدم كل المؤسسات التي انبثقت عن مسار ثورة يناير/كانون الثاني 2011 التي لم يشارك فيها.