تمضي سيارة إسعاف منطلقة في أرجاء مدينة لوس أنجلوس، فيما يندفع إثرها سيلٌ من سيارات الشرطة والطائرات المروحية، هكذا يبدو فيلم المخرج مايكل باي الجديد "سيارة إسعاف" (Ambulance)، مجرّد مطاردة واسعة المدى، لا أكثر ولا أقل، الأمر أشبه بحلقة تلفزيونية إن اُقتطعت من سياقها ستتحول إلى قطعة صورية جوفاء لا تخدم هدفًا دراميًّا واضحًا ولا تؤسِّس لحدث ذي خصوصية.

يعود المخرج الشهير مايكل باي مرة أخرى للسينما بعد أكثر من عامَين على آخر عمل سينمائي له، الذي حُقِّق بالتعاون مع منصة نتفليكس، ولم يخرج باي عن المألوف من حيث النوعية، فهو يتميّز في نوعية الأكشن والحركة، يجدُ نفسه في إنتاجاتها الضخمة ونجومها الكبار.

والحقيقة أن النجاح الجماهيري الذي حقّقه باي على مدار العقدَين الماضيَين، بداية من فيلم "فتيان أشقياء" (Bad Boys) عام 1995، والذي امتدَّ ليكون سلسلة تجارية ناجحة، مرورًا بفيلم Armageddon عام 1998K وفيلم Pearl Harbor عام 2001K وفيلم "المتحولون" (Transformers) الذي امتدَّ هو الآخر إلى سلسلة أفلام؛ يضمن له الاستمرار في تقديم هذه النوعية، حيث توفَّر له الميزانيات الضخمة ونجوم الصف الأول، بيد أن هذه المرة لم ينجح باي في صنع فيلم جيد، بل نجحَ في صنع متتالية من المشاهد الحركية الجيدة فقط، أي أنه لم يخرج عن إطار الحركي والعنيف.

صورة

يدور فيلم "سيارة إسعاف" المقتبَس من نسخة دنماركية تحمل الاسم نفسه صدرت عام 2005، حول داني (الممثل جيك جيلنهال) الذي يقود عملية سطو مسلّح رقم 38 على بنك ضخم لسرقة مبلغ يتجاوز الـ 10 ملايين دولار، فيما يورِّط أخاه ويل (الممثل يحيى عبد المتين الثاني) الذي سبق وخدم في قوات المارين، ويدفعه للاشتراك في العملية مستغلًّا حاجته إلى المال من أجل علاج زوجته المريضة.

بيد أن الأمور تصبح أكثر تعقيدًا مع الدخول المفاجئ لشرطي داخل البنك، ما يقلب كل شيء رأسًا على عقب، فيضطرّا إلى الاستيلاء على سيارة إسعاف وأخذ من بداخلها كرهائن، لتتحول تلك السيارة إلى ملاذهما الوحيد للهروب في شوارع لوس أنجلوس، خصوصًا مع مهارة ويل في القيادة التي تجعلهما دائمًا يتقدمّان إلى الأمام.

يذكّرنا باي بأفلام أكشن التسعينيات؛ كمّ هائل من الحركة، والكثير من الفرقعات والانقلابات والطائرات، انغمرَ الفيلم بسلسلة من التحرُّكات والاندفاعات التي تغذي المشاهد تشويقيًّا، ولكنه لم يحاول بأي شكل التأسيس للقصة بحيث يمنحها سياقًا واقعيًّا يثري القصة من ناحية التكوين والأرضية، وفضّل الاعتماد بشكل كلّي على المطاردة كوسيلة للتسلية.

لهذا الفيلم مجرَّد من القيمة الأدبية والدوافع الحقيقية، بيد أنه على الناحية الأخرى يخلق مساحة لفرز الإدرينالين بتصميم حركي مميّز لمطاردة طويلة، بين لصَّين يفرّان في سيارة إسعاف وقوات الشرطة تلاحقهما بجيش من المعدّات والأسلحة النارية.

بالطبع يقع الفيلم في فخّ التزييف، لا يبدو الأمر واقعيًّا في الكثير من الأحيان، ولكنه على النقيض يقدِّم سلسلة استعراضات مثيرة، من خلال تنفيذ مُتقن لمشاهد الحركة والمطاردة، فيترك شعورًا بالمتعة لدى مراقبة اللصَّين يفرّان من قوات الشرطة بمهارة، وينجحان في الفرار من مسدساتهم النارية وعرباتهم المصفّحة، بل يحطمانها، لذا يمكن تضمين الفيلم تحت فئة الترفيهي (Entertainment)، لا يتجاوز المتعة البصرية التي تقدّمها متتاليات من الأكشن والحركة والقتالات.

صورة

بجانب هشاشة المحتوى القصصي، هناك عدة تعليقات على تقديم الشخصيات داخل القصة، قدّم باي شخصية ويل كنموذج للجندي الأمريكي البطل، الذي يلتزم بالكود الأخلاقي ويتحلّى بشخصية بطولية ومهارات فائقة.

إنها الطريقة المعهودة لتقديم الجندي الأمريكي داخل الأفلام الأمريكية، شخصية مثالية حتى لو أقدمت على خطيئة كبرى، وفي الوقت ذاته يتعاطى الفيلم مع شخصية الشرطي الأمريكي كشخصية مقدَّسة، يظهره مثاليًّا، فنجد جُملًا في الفيلم مثل "لا أحد يقتل شرطيًّا وينجو بفعلته"، كأنَّ فعل القتل نفسه مباح ولكن للمواطنين المدنيين، أما بالنسبة إلى الشرطي فالأمر مختلف، إنه انتهاك لسلطة الدولة.

إلى جانب ذلك تخلّت القصة عن المنطق في أغلب أجزائها، أنا لا أقصد هنا مشاهد المطاردة والقتال، إنما أشياء أخرى مثل دخولهما البنك متخفيَّين في قناعَين، ولكنهما لا يلبثان أن يخلعا هذين القناعَين دون أي تأثير، لماذا ارتدياهما من البداية إذا كانا سيخلعانهما، فضلًا عن الكثير من الأشياء التي توحي باستهتار وحشو المعلومات من أجل الهدف الأساسي، وهو الوصول إلى المرح الحقيقي خلال المطاردة.

فمثلًا في بداية الفيلم نتعرّف إلى مرض زوجة ويل، ثم يذهب دون علم زوجته لمقابلة أخيه داني الذي يخبره بعرض لا يمكن رفضه على حدّ قوله، بيد أنه يخبره قبل العملية بـ 5 دقائق فقط، يمنحه 5 دقائق للتفكير في أمر مصيري، إنه شيء مضحك.

يقدّم الممثل جيك جيلنهال أداءً متماسكًا كالعادة، لشخصية تتأرجح بين السيكوباتي المختل والكاريزماتي المندفع، في فيلمه الثاني على التوالي الذي يندرج تحت مظلة إعادة الإنتاج، بعد فيلم The Guilty عام 2021 المقتبس من إنتاج دنماركي آخر، بالإضافة إلى أداء الممثل يحيى عبد المتين الثاني الجيد والرزين، الذي يحفِّز لحظات عاطفية تضيف تنوُّعًا لسردية أحادية تفتقر للطبقات الدرامية.

يضيف يحيى بحضور مميز طبقة درامية مختلفة، ولكنها تقتصر على لحظات خاطفة ولا يبدو حضورها مؤثرًا في كلية الفيلم، يحيى عبد المتين الذي يتّقد بخطى ثابتة في مسيرته المهنية خلال السنوات الأخيرة، بانخراطه في عدة مشاريع مهمة مثل "رجل الحلوى" ومسلسل "المراقبون" وغيرهما من المشاريع ذات الجودة الفنية الجيّدة.

يحاول باي تعويض الأقصوصة المتداعية بتطويع أساليب جديدة للتعاطي مع مشاهد الأكشن، يتعرّض للمطاردات بتكوينات جديدة مميزة، ومنظور مختلف يرفع من النسق، ليمنح الفيلم ديناميكية عالية من خلال تصميمات لخدع حركية وانفجارات مدوية تمَّ تنفيذها بحرفية عالية.

نلاحظ حركة الكاميرا الطائرة "الدرون" التي يستخدمها باي في مشاهد كثيرة ليمنحها الحيوية المطلوبة، فنرى هذه الكاميرات الطائرة ترتفع للأعلى ثم تنخفض بسرعة جنونية، تخترق السماء ثم تهوي أسفل الجسور الخرسانية، ربما خلق باي منظورًا مختلفًا للقتالات والمطاردات من خلال هذا التنفيذ والتطويع الجيّدَين للكاميرا الطائرة.

هذا إلى جانب القطعات المونتاجية التي تحرّك رأس المُشاهد، وفي أحيان كثيرة تبدو مزعجة ويمكن أن تسبّبَ الغثيان لصاحبها، ولكنها تضع المتلقّي داخل الحدث بنسبة كبيرة، حيث سيكون وقع هذه المشاهد هائلًا عند مشاهدتها بتقنية الـ 3D.

صورة

الجدير بالذكر أن مايكل باي وكاتب السيناريو كريس فيداك حاولا أن يصنعا أرضية للقصة، ولكنها تظلُّ أساسًا متداعيًا لتجربة عشوائية، حاول كريس خلق ماضٍ لشخصياته، ليمنحها تاريخًا حقيقيًّا يتفاعل مع حاضرها فيصنع دوافع يمكن تصديقها، ولجأ إلى حيلة الأب المجرم السيكوباتي الذي علّم ابنه كيفية السطو على البنوك، ولكن هذه المعلومة لم تضف إلى الفيلم أي شيء تقريبًا.

حتى الصراعات الأخلاقية لم تكن بسبب تاريخ الأب، بل بسبب الكود الأخلاقي الذي يسير عليه الابن والذي تعلّمه في المارين عندما كان يخدم في أفغانستان، لذا معلومة الأب ذاتها لم تساهم بالقدر الكافي، لأنها لم تأخذ المساحة الكافية للانفراج والتلامس، كان يجب فرد مساحة للتاريخ وتوضيح الماضي أكثر ممّا لجأ إليه باي، مثل هذه الأشياء تضيف كثيرًا للدراما داخل الفيلم وتمنحه عمقًا سيرفع من جودة الفيلم الدرامية.