يضم اتحاد الشغل أكثر من نصف مليون عضو

يخوض الاتحاد العام التونسي للشغل "معركة وجود"، فنتائج الإضراب العام المزمع القيام به بعد غدٍ الخميس لها أن تحدد قوة المركزية النقابية في تونس، التي دائمًا ما أكدت امتلاكها مفاتيح الحل والربط في البلاد مهما كانت الأنظمة والحكومات التي تحكم.

محاولات جدية لضرب الاتحاد

إضراب عام يعمل نظام قيس سعيد على إفشاله وإظهار الاتحاد في ثوب المنهزم الذي لا يريد خيرًا للبلاد، إذ بدأت صفحات عُرفت بولائها ومساندتها للرئيس حملة تشويه لقيادات الاتحاد وتشكيك في قراراته وخاصة قرار الإضراب العام.

وتتحدث العديد من الصفحات في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" عن ملفات فساد مالي بحق القيادات النقابية، فضلًا عن فساد ومشاكل في المؤتمر الأخير الذي تم فيه تجديد الثقة في الطبوبي كأمين عام، إلى جانب تمتع القيادات بامتيازات دون وجه حق.

كما اختار النظام محاولة ابتزاز الاتحاد والضغط عليه من خلال استعمال القضاء والتعجيل بقضية المؤتمر الأخير التي لم تحسم قضائيًا، في محاولة لإبطال هذا المؤتمر، وهو ما أكده رئيس جمعية القضاة أنس الحمادي، في ندوة صحافية مؤخرًا، إذ قال الحمادي: "من بين القضاة المعفيين، القاضية المتعهدة بقضية مؤتمر اتحاد الشغل، التي رفضت طلب وزيرة العدل تعيين القضية في دائرة بعينها وبتاريخ محدد".

حكومة نجلاء بودن ليس لها أن تقدم أي إضافة للمركزية النقابية ولم تدخل المفاوضات إلا لتأكيد انفتاحها على الحوار

في هذا الصدد طالب "حراك 25 يوليو" المساند لسعيد، خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي ''بمحاسبة اتحاد الشغل بسبب توجهه لتنفيذ إضراب سياسي، و ضرورة التدقيق المالي في موارد الاتحاد".

فضلًا عن ذلك، أراد سعيد من خلال تعامله مع إضراب القضاة إيصال رسائل غير مباشرة لاتحاد الشغل، إذ دعا سعيد وزيرة العدل إلى الخصم من رواتب القضاة المضربين، في رسالة واضحة إلى الاتحاد العام التونسي للشغل الذي قرر خوض إضراب عام في المؤسسات الحكومية.

في ظل فشل محاولات التشويه والابتزاز واستغلال القضاء في ثني المركزية النقابية عن قرار الإضراب، توجهت الحكومة التي تعمل وفق أهواء الرئيس وتوجهاته إلى المفاوضات علّها تحرج الاتحاد.

دخلت الحكومة عشية أمس الثلاثاء هذه المفاوضات وهي تعلم أنها لن تستجيب لمطالب الاتحاد المتعلقة بسحب المنشور عدد 20 المتعلق بالتفاوض مع النقابات، وتطبيق الاتفاقيات المبرمة وإبداء الاستعداد لإصلاح المؤسسات العمومية بعيدًا عن تصورات صندوق النقد الدولي.

أرادت حكومة نجلاء بودن ومن ورائها سعيد من خلال هذه المفاوضات التي امتدت لقرابة 5 ساعات مساء أمس، حشر الاتحاد في الزاوية وإخراجه في ثوب المنظمة غير الوطنية التي لا تريد خيرًا للبلاد في ظل الوضع الاقتصادي الذي تعيشه.

أرادت الحكومة من وراء ذلك ضرب رمزية الاتحاد أمام عموم التونسيين، وتأكيد رغبتها في الوصول إلى حل يجنب البلاد خسائر بملايين الدولار في وقت تحتاج فيه تونس لأي موارد مالية مهما كان حجمها لتجاوز الأزمة الاقتصادية الخانقة.

إصرار على المضي في الإضراب

كما كان متوقعًا فشلت مفاوضات الحكومة مع الاتحاد، فحكومة نجلاء بودن ليس لها أن تقدم أي إضافة للمركزية النقابية ولم تدخل المفاوضات إلا لتأكيد انفتاحها على الحوار وإظهار الاتحاد في ثوب المنظمة التي تريد الإضرار بمصلحة تونس الفضلى.

في هذا الصدد قال الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل صلاح الدين السالمي، إن المفاوضات استمرت لساعات دون حصول أي اتفاق بين الطرفين، مضيفًا "الطرف الحكومي لم يُلبِ الحد الأدنى من مطالب الاتحاد"، مؤكدًا أن المفاوضات مع الحكومة فاشلة وغير مجدية، ودعا إلى التعبئة لإنجاح الإضراب.

يعتبر اتحاد الشغل من أكبر وأقوى المنظمات في تونس، وزاد نفوذه منذ الإطاحة بحكم بن علي في يناير/كانون الثاني 2011

من جهته قال الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل نور الدين الطبوبي إن الاتحاد لم يدع إلى الإضراب إلا بعد انسداد قنوات الحوار مع الحكومة، وأكد الطبوبي في كلمة ألقاها أمس الإثنين، أن اتحاد الشغل يرفض "المتاجرة بمعاناة العمال"، وأوضح أن الإضراب الذي دعا إليه الاتحاد ليس سياسيًا، بل من أجل استحقاقات اجتماعية، وفق تعبيره.

وكثف اتحاد الشغل - الذي يعتبر أكبر نقابة عمالية في تونس - استعداداته لإنجاح الإضراب، إذ عرفت العديد من الجهات اليوم اجتماعات عامة لقيادات نقابية تحضيرًا للإضراب الذي من المنتظر أن يشمل 159 مؤسسة عمومية، تشمل القطاعات الحيوية الكبرى، وأهمها النقل بجميع فروعه.

ونهاية مايو/أيار الماضي، أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل، تنفيذ إضراب عام في القطاع العمومي يوم 16 يونيو/ حزيران، للمطالبة بسحب منشور حكومي متعلق بالتفاوض مع النقابات، و"تعمد الحكومة ضرب مبدأ التفاوض والتنصل من تطبيق الاتفاقيات المبرمة وعدم استعدادها لإصلاح المؤسسات العمومية".

معركة وجود

يعتبر إضراب الخميس بمثابة الاختبار الحقيقي لقوة الاتحاد، ففي حال نجاح إضراب المركزية النقابية سيكون ذلك ضربة كبيرة لمشروع قيس سعيد، وهو ما يفسر سعي الرئيس سعيّد ونظامه بكل قوة لإفشاله وتأكيد سلبيته على اقتصاد البلاد.

يقول الاتحاد إن إضراب الخميس اجتماعي وليس سياسيًا، لكن المتأمل لحيثيات إقرار الإضراب يتأكد أنه سياسي محض، فالاتحاد يريد إثبات وجوده وأنه رقم صعب في المعادلة السياسية والاجتماعية، عكس ما يسعى له نظام سعيد الذي يريد تدجين الاتحاد وكل الأجسام الوسيطة.

رغم مساندة الاتحاد لسعيد في البداية وتأكيد قياداته وقوفهم إلى جانب إجراءات الرئيس التي تضمنت حل البرلمان والهيئات الدستورية بما فيها هيئة الانتخابات ومجلس القضاء الأعلى وإقالة الحكومة، فإن بعض الحيثيات دفعته إلى تغيير موقفه.

كان قرار سعيد استحداث لجان لكتابة الدستور دون النظر في مبادرة الاتحاد، سببًا مقنعًا للمركزية النقابية حتى يعدل بوصلته ويسمي الأشياء بمسمياتها، فالحوار الذي أعلنه سعيد شكلي تُحدد فيه الأدوار من جانب واحد وتُقصى فيه القوى المدنية، وفق الهيئة الإدارية للمركزية النقابية.

ويرفض اتحاد الشغل أن يكون مجرد ديكور في مسرحية الحوار وإعداد "دستور الجمهورية الجديدة"، كما يرفض أن يتحمل مسؤولية خيارات الرئيس قيس سعيد الخاطئة، لذلك يراهن على نجاح الإضراب لإثبات قوته وجدارته بمشاركة الرئيس في تحديد مستقبل تونس.

يضم اتحاد الشغل عددًا كبيرًا من الأعضاء، إذ يبلغ عدد الأعضاء الذين يدفعون الرسوم وفقًا لتقديرات نشرت سنة 2018، أكثر من نصف مليون شخص (نحو 5% من إجمالي سكان تونس)، يتوزعون على معظم القطاعات الاقتصادية والفئات الاجتماعية، وللاتحاد فرع في كل منطقة بتونس.

رغم تأزم العلاقات بين اتحاد الشغل والرئيس، فإن العلاقة بين الطرفين لم تصل بعد نقطة اللاعودة، فالاتحاد مستعد للعودة قليلًا إلى الوراء إن تم منحه بعض الامتيازات وإن ظهر في ثوب المشارك الجدي في صياغة تصورات الحكم في الفترة المقبلة.

خلال مرات عديدة أظهر الاتحاد انفتاحه على الحوار، لكن سعيد يرفض ذلك تمامًا ويصر على المضي قدمًا في تنزيل مشروع حكمه القائم على حكم الفرد الواحد، فلا مكان لأي جسم وسيط في تصور سعيد للدولة، ما يفسر رفضه الكبير لمبادرات الاتحاد للحوار.

يعلم سعيد أن عدم التوصل لحل مع اتحاد الشغل والدخول في صراع معه، سيكلف النظام خسائر كبرى مالية وشعبية، إلا أنه يصر على مواصلة الصراع دون أن يفكر ولو للحظة في الرجوع قليلًا إلى الخلف وتوسيع دائرة الحوار.

يعتبر اتحاد الشغل من أكبر وأقوى المنظمات في تونس، وزاد نفوذه منذ الإطاحة بحكم بن علي في يناير/كانون الثاني 2011، إذ أصبح بمثابة الحكم بين الأحزاب السياسية المختلفة، وتمكن سنة 2013 صحبة عمادة المحامين ومنظمة حقوق الانسان ومنظمة الأعراف في إنقاذ تونس من أزمة كادت تقضي على البلاد وحصل بمقتضاها على جائزة نوبل للسلام.