ترجمة وتحرير: نون بوست

أدى السيّاج الكهربائي وأحيانًا الكتل الخرسانية العالية، أي "الحاجز الأمني" الذي أقامته "إسرائيل" بشكل غير قانوني في سنة 2002، إلى عزل بعض السكان الفلسطينيين خارج حدود القدس. هذا هو الحال في بلدة أبو ديس التي تقع في الضفة الغربية التي حُرم سكانها من الوصول إلى المدينة المقدسة.

يتذكّر حمزة عريقات أنه لطالما رأى كتلًا خرسانيّة ضخمة تسد أفق نظره. يبلغ هذا الشاب الفلسطيني 20 سنة، وقد وُلد في السنة التي بدأت فيها "إسرائيل" بناء ما يسميه الجميع هنا "جدار الفصل العنصري". يقع الجدار في حديقة منزله مباشرةً، تحت نافذة الغرفة التي يتقاسمها مع إخوته الثلاثة في بلدة أبو ديس وسط الضفة الغربية.

كان غالبًا ما يتناول الطعام مع أسرته وأصدقائه على السطح خلال فصل الصيف. ومن هناك يرون القدس بوضوح شديد وراء الكتل الخرسانية ومن مسافة قريبة جدًا يشاهدون قبة الصخرة التي تبرز فوق المدينة القديمة بقبتها الذهبية. وفي هذا السياق، قال حمزة عريقات  متنهدا وهو يمرّر يده فوق خصلة شعره بخجل "كان والدي يعمل هناك، وكان يعيش يومه هناك. لم تتح لنا الفرصة أبدًا لرؤية تلك الحياة".

زار المدينة المقدسة خلال فترة طفولته، ثم زارها مرة أخرى لإجراء عملية جراحية في أحد المستشفيات هناك. قبل بناء الجدار، كان والده يستغرق عشر دقائق بالسيارة للوصول لكنه الآن بات يستغرق نصف يوم في كل مرة يذهب إلى هناك بسبب الممرات المرهقة عند نقاط التفتيش والحافلات والانتظار. بعد سنة 2015 وموجة الهجمات بالسكاكين، شدد الإسرائيليون القواعد وأصبحت تصاريح الدخول أكثر ندرة.

جدار طوله 700 كيلومتر

في نهاية نيسان/ أبريل، صعد حمزة سلمًا وتمكن من الوصول إلى الجانب الآخر مع بعض الأصدقاء خلال شهر رمضان. قام أصدقائه بقطع الأسلاك الشائكة التي تتدلى على الحواجز الخرسانية. أوضح الطالب مبتسما ثم نزل عن الشرفة: "لقد كان أمرًا جنونيًا! كنا بالمئات. في السابق، كنت أخشى الصعود، ونخشى مقابلة الجنود. لقد ذهبنا للصلاة في المسجد الأقصى". في الحديقة، كان الهواء شبه منعدم في نهاية الصباح بسبب الكتل الخرسانية التي تسد الرياح.

قررت "إسرائيل" بناء الجدار خلال الانتفاضة الثانية لسنة 2001 وسط موجة التفجيرات الانتحارية. وأقيمت الكتل الخرسانية الأولى عام 2002. واليوم، لم ينته بعد بناء الجدار. يمتد هذا "الحاجز الأمني" لمسافة تزيد عن 700 كيلومتر، 85 بالمئة منه داخل الضفة الغربية المحتلة، مستحوذا في طريقه على الأراضي الفلسطينية وعازلا بعض الأراضي الزراعية.

في نظر القانون الدولي، يعتبر هذا النظام المعقد الذي يجمع بين الكتل الخرسانية والأسوار الإلكترونية وأجهزة الاستشعار والأسلاك الشائكة والأسوار والحفر وأبراج الحراسة والكاميرات غير قانوني. تزعم "إسرائيل" أنها تدافع عن نفسها ضد الهجمات الفلسطينية. في هذا الصدد، يوضح الجغرافي الفلسطيني خليل تفكجي "لم يُبن الجدار لأسباب أمنية بل هو يندرج ضمن عملية ترسيم الحدود قررها طرف واحد [وهي إسرائيل]، في الضفة الغربية". ويضيف قائلا: "حتى في القدس، أقيم الجدار لاستبعاد السكان الفلسطينيين". لقد وجد البعض أنفسهم معزولين عن قلب المدينة المقدسة، رغم أنهم يقيمون داخل حدود البلدية. وفي الحقيقة، يهدف هذا التقسيم إلى زيادة الوجود الإسرائيلي في المدينة.

بلدة خانقة

في أبو ديس، خنق الجدار البلدة التي أصبحت مثل الجيب. "نحن على جزيرة" هكذا وصف رئيس البلدية، عبد السلام عياد البلدة مضيفا "تبعد عنا رام الله 20 كيلومترا شمالاً وبيت لحم 10 كيلومترا إلى الجنوب ولا يفصلنا عن هذه المدن سوى حواجز التفتيش. وحسب قوله، فقد تم قطع أكثر من 2550 هكتارًا من البلدة بين مسار الجدار والأراضي التي أصبحت خارج البلدة وتحت سيطرة الإسرائيليين.

صورة
حمزة عريقات، 20 سنة، على سطح منزل العائلة في أبو ديس. يمر الجدار مباشرة عبر حديقته.

يواصل عضو مجلس المدينة التي يبلغ عدد سكانها 14000 نسمة، التي تستضيف جامعة القدس، حديثه قائلا: "من المستحيل حساب كل ما فقدناه. خسرنا الأرض، وأعمالنا، ومراكزنا التعليمية والصحية، التي كانت كلها في القدس. وخسرنا أرواحا بما فيهم أشخاص كانوا ينتظرون تصاريح للذهاب إلى المستشفى ولم يحصلوا عليها في الوقت المناسب!".

كما أشار إلى أنه تم نصب أول حاجز بين أبو ديس والمدينة المقدسة خلال الانتفاضة الأولى في سنة 1987، لكن على حد قوله "لم يكن له تأثير كبير على الحياة اليومية للفلسطينيين في أبو ديس، حيث استمر الناس في التنقل. لقد غير الجدار كل شيء. وإلى جانب الاحتلال، يُضاف الانقسام بين الفلسطينيين، ونحن نتعايش معه حتى اليوم".

كل شخص هناك تقريبا لديه عائلة على الجانب الآخر في المدينة المقدسة. من على درجات حرم جامعة القدس، يمكن لآية عبده أن ترى بوضوح تل جبل المكبر، أحد أحياء القدس. هذا هو المكان الذي يعيش فيه أبناء عمومتها وجدتها التي بسبب تقدمها في السن لا تستطيع أن تنتقل إلى هناك وتعبر نقاط التفتيش.

لقد ذهبت هي نفسها إلى المدرسة الثانوية في المدينة المقدسة لكنها لم تحصل على ترخيص منذ خمس سنوات. تقول الطالبة البالغة من العمر 23 سنة، التي ترتدي  فستانا بيج أنيق به نقاط بيضاء، "لديّ أيضًا صديقات في القدس، لم نعد نرى بعضنا كثيرا. نتصل ببعضنا البعض ... على الرغم من أننا على بعد عشر دقائق! إنها عنصرية".

أحيانا يمكن التسلل منه، وأحيانا مقفل

على موقع "إير بي إن بي"، حررت فدوى العبادي نفسها من الجدار. قالت إنها تعرض غرفا للإيجار في القدس الشرقية، رغم أنها تستضيف معها شقيقتها في منزلها في أبو ديس.

ذكرت فدوى، وهي أستاذة متقاعدة، "قبل الحجز، أشرح لمضيفي الوضع، لكني أحب أن يعيش الناس هذه التجربة، ليتعرفوا على طريقة عيشنا. وأكثر ما يزعجهم هو رؤية الفلسطينيين عندما يضطرون للنزول من الحافلة عند نقاط التفتيش بينما لا يقوم الإسرائيليون بذلك!

وأضافت: "ذات مرة، اطلع زوجان هولنديان إلى خرائط غوغل قبل القدوم إلى المنطقة، ولاحظا أنها ليست بعيدة، قدِما من القدس وسارا إلى الأمام مباشرة، وفجأة اعترض طريقهما الجدار لأنه لم يتم تحديده على نظام التموضع العالمي".

وُلدت الباحثة في سنة 1947، قبل ستة أشهر من خطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين، في قلب المدينة المقدسة. اليوم، هي بحاجة إلى تصريح للعودة. وحسب قولها، أبو ديس ليست المنطقة الوحيدة التي ذبلت منذ أن أقيم الجدار قبل عشرين عاما. فالقدس الشرقية معزولة أيضا عن أراضيها النائية وعن الضفة الغربية.

وتتذكر هذه الناشطة التي تم اعتقالها عدة مرات قائلة "عندما كانت هناك اعتصامات في المسجد الأقصى، كان عشرات الآلاف منا يفدون بالحافلة. اليوم، كل شيء يتم في رام الله، لكنه بعيد جدا بالنسبة لي، لقد توقفت عن ممارسة نشاطي. إننا نشعر وكأننا في قفص".

تحت رحمة المصالح الإسرائيلية، يتحول الجدار إلى "مُنخل" حيث يتسلل العمال الفلسطينيون عبر الفتحات الموجودة في السياج لكسب بضعة بنسات، وهي عمالة رخيصة تخفف أيضا من الأزمة الاقتصادية المستعرة في الضفة الغربية.

في آذار/ مارس وأبريل/ نيسان، بعد موجة الهجمات، ضيقت "إسرائيل" الخناق. ولإرضاء الرأي العام، أعلنت تعزيز الجدار في مناطق معينة ببناء كتل إسمنتية بارتفاع تسعة أمتار مكان السياج.

حيال هذا الشأن، قال خليل التفكجي: "إنها سياسة العصا والجزرة التي تتماشى حسب الوضع". ومن جانبها، بالكاد تنتقل فدوى العبادي من أبو ديس رافضة الخضوع للتعسف. وأضافت قائلة "يؤلمني الانتظار لرؤية نقاط التفتيش وخاصة الطريقة التي يعاملنا بها الجنود. في سنة 1990، خلال الانتفاضة الأولى، اعتقدنا أن الكرة كانت في ملعبنا، وأننا سنفوز. لقد احتفلنا كثيرا بسقوط جدار برلين، لكن كيف لنا أن نتخيل أن ذلك يمكن أن يحدث مرة أخرى؟".

المصدر: لوموند