ما إن أعلن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر انسحابه من العملية السياسية، بعد تقديم نواب الكتلة الصدرية استقالاتهم من مجلس النواب وتأكيد الصدر على هذا الانسحاب في لقاء جمعه بنواب الكتلة الصدرية في مقر إقامته بالحنانة، حتى بدأت وسائل الإعلام الإيرانية، وعبر العديد من المطالعات الصحفية التي صدرت، وتحديدًا في صحف "صباح نو واعتماد وإيران الرسمية"، بمهاجمة الصدر، معتبرة إياه المسؤول الأول عن الانسداد السياسي في العراق والمتسبب في تفكك وحدة الصف الشيعي.

اللافت للانتباه أن جميع الصحف التي هاجمت الصدر تتبع التيار المحافظ في إيران، وعلى ما يبدو هناك أزمة كبيرة بين الصدر وهذا التيار الذي ينتمي إليه الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، خصوصًا بعد أن رفض الصدر جميع المبادرات السياسية التي قامت بها إيران خلال الفترة الماضية من أجل إقناعه بالتحالف مع الإطار التنسيقي الشيعي، سواء المبادرات التي قادها قائد فيلق القدس إسماعيل قآني أم المبادرات التي جاءت بعد زيارة العديد من المسؤولين العراقيين إيران بعد صدور نتائج الانتخابات المبكرة.

فمما لا شك فيه أن إيران وعلى الرغم من ممارستها دبلوماسية هادئة أحيانًا ومتشنجة أحيانًا أخرى، حيال الصدر وباقي أطراف التحالف الثلاثي، والحديث هنا عن الحزب الديمقراطي الكردستاني والكتلة السنية، فإنها تنظر بخشية كبيرة لتحركات الصدر، خصوصًا أنها تأتي في سياق تهميش القوى السياسية الشيعية التقليدية المرتبطة بها، والمقصود هنا حزب الدعوة والمجلس الأعلى وتحالف الفتح.

فهي وعلى الرغم من تأثيرها الأمني في العراق، عبر الفصائل المسلحة المرتبطة بها، فإنها تبدو غير مطمئنة من تشكيل حكومة جديدة بقيادة الصدر وحديثه المستمر عن ضرورة إعادة هيكلة هيئة الحشد الشعبي ودمج الفصائل المسلحة ضمن الأجهزة الأمنية العراقية.

فرصة غير مواتية لإيران

رغم أن إيران تبدو أكثر الأطراف الإقليمية الرابحة من خطوة الصدر الأخيرة، فإنها متخوفة منها أيضًا، فهي تخشى أن تكون قوى الإطار التنسيقي في مواجهة مباشرة مع الشارع العراقي المحتقن، بسبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة، ففشل قوى الإطار التنسيقي في التأسيس لحكومة عراقية جديدة وفاعلة، قد يجعلها تخسر ما تبقى من تأثير سياسي، هذا فضلًا عن أن إيران حتى اللحظة، غير مرحبة بفكرة أن تمضي قوى الإطار التنسيقي بتشكيل حكومة بمعزل عن الصدر، فهي تدرك جيدًا أن وجود الصدر في العملية السياسية أفضل لها من وجوده خارجها، لأنه سيكون شريكًا في نجاحها أو فشلها، لأن إيران تبدو اليوم غير مستعدة، لأسباب داخلية وخارجية، لمواجهة موجة شعبية جديدة في العراق قد تعرض مجمل نفوذها السياسي في العراق للخطر.

تنظر إيران إلى أن المراهنة على قوى الإطار التنسيقي، في تنفيذ المهمة الإيرانية في العراق، تبدو صعبة للغاية

وفي الوقت الذي قد تجد فيه إيران فرصة، وعبر نجاح قوى الإطار التنسيقي في إيصال رئيس وزراء جديد متماهي مع الرؤية الإيرانية في العراق، فإن فرص نجاح أي رئيس وزراء قد تبدو ضعيفة جدًا، في مشهد يُعيد للأذهان حكومة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي الذي كان خاضعًا لتأثير كل من سليماني والمهندس، ما جعله في مواجهة مباشرة مع الشارع العراقي الذي لم يقتصر سبب خروجه على فشل حكومة عبد المهدي فحسب، وإنما صب جم غضبه على النفوذ الإيراني في العراق.

تبدو إيران اليوم في وضع إستراتيجي صعب للغاية، فعلى الصعيد الداخلي، تشهد موجة متصاعدة من الاحتجاجات الشعبية واتساع حجم الخروقات الاستخبارية والأمنية وفشل حكومة رئيسي في معالجة الملفات الاقتصادية وتدهور العملة الإيرانية، أما على الصعيد الخارجي، فإلى جانب تعثر المحادثات النووية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والقوى الكبرى، فإنها تواجه أيضًا وضعًا إقليميًا صعبًا للغاية، إذ تأتي التطورات السياسية في العراق، مترافقة مع زيارة مرتقبة للرئيس الأمريكي جو بايدن للشرق الأوسط، الهدف الرئيسي لها وضع ركائز جديدة لمظلة أمنية تشمل دول الخليج و"إسرائيل" للحد من التهديدات الإيرانية المتصاعدة.

وفي ظل هذا الوضع السياسي المعقد في العراق، تنظر إيران إلى أن المراهنة على قوى الإطار التنسيقي في تنفيذ المهمة الإيرانية في العراق، تبدو صعبة للغاية، خصوصًا أن ممثل المرجعية النجفية السيد أحمد الصافي تحدث بصورة واضحة في المهرجان السادس لفتوى الجهاد الكفائي الذي أقيم في النجف في 16 يونيو/حزيران 2022، عن رفض مبطن لعودة الشخصيات التي كانت مسؤولة عن سقوط ثلثي العراق بيد تنظيم "داعش" إلى الواجهة مرة أخرى، وحديث الصافي جاء بعد ورود العديد من الأخبار التي تحدثت عن نية قوى الإطار التنسيقي ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء مرة أخرى.

تحاول إيران اليوم إيجاد مسار سياسي جديد يخدم رؤيتها السياسية في العراق، فهي تنظر بأهمية كبيرة لحجم نفوذها في العراق، فضلًا عن مكانة العراق كجسر إقليمي يغذي دورها في سوريا ولبنان، ومن ثم فهي تحاول تطويع المتغيرات السياسية العراقية بالشكل الذي يجعلها تمثل فرصة أكثر من كونها تهديدًا.

هذه الرؤية تعكسها الخشية الإيرانية من تبعات انسحاب الصدر من العملية السياسية، فهي على ما يبدو غير واثقة من قدرة حلفائها على ملء الفراغ النيابي الذي خلفه انسحاب الصدر أو حتى قدرتهم على مواجهة أي موجة شعبية صاعدة في المرحلة المقبلة، وعلى هذا الأساس يُقيم صانع القرار الإيراني، مخاطر وفرص انسحاب الصدر من العملية السياسية وتخليه عن الحق الدستوري بتشكيل الحكومة المقبلة.