في 13 يونيو/حزيران 2021، نجح يائير لابيد ونفتالي بينيت بالشراكة مع عباس منصور في تشكيل ائتلاف حكومي جديد لدى كيان الاحتلال الإسرائيلي أنهوا معه حقبة رئيس وزراء الاحتلال السابق بنيامين نتنياهو في الحكم لفترة متعاقبة منذ 2009.

وتشكل الائتلاف من 8 أحزاب لم يجمعها أي أبعاد سياسية وأيدلوجية باستثناء هدف واحد وهو إقصاء نتنياهو عن سدة الحكم، ما فتح الباب لتوقع انهيار الائتلاف عند أول "هزة" ستتعرض لها الحكومة خلال تمرير القوانين.

ومع فشل الائتلاف الحكومي في تمرير قانون "الأبارتايد" في 7 يونيو/حزيران مؤخرًا، تعرضت حكومة نفتالي بينيت لهزيمة بعد رفض تمديد سريان قانون إسرائيلي في المستوطنات بالضفة الغربية المحتلة.

وكان هذا القانون يسري منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967 ويمنح المستوطنين فيها نفس الحقوق التي يتمتع بها المستوطنون واعتاد الكنيست تمديده كل 5 سنوات، ما أحرج الائتلاف الحكومي أمام المعارضة التي يتزعمها نتنياهو.

وفقدت حكومة بينيت-لابيد الأغلبية الضئيلة البالغة 61 مقعدًا من أصل 120 مقعدًا في أبريل/نيسان، عندما استقالت إحدى العضوات، ومنذ ذلك الحين وحكومة نفتالي بينيت تترنح ولم تتمكن من تمرير الكثير مشاريع القوانين في الكنيست.

بموجب الاتفاق الائتلافي المبرم سيترأس يئر لابيد رئاسة الحكومة الانتقالية إلى حين إجراء الانتخابات

كما واجهت الحكومة الحاليّة التي أعلن في 20 يونيو/حزيران حلها والذهاب نحو انتخابات خامسة ستجري خلال أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، شبح العمليات الفدائية التي ضربت الداخل المحتل في أبريل/نيسان الماضي، ما عزز من عوامل فشلها وضعف استقرارها.

وبموجب الاتفاق الائتلافي المبرم سيترأس يائير لابيد رئاسة الحكومة الانتقالية إلى حين إجراء الانتخابات، فيما سيعود بينيت إلى منصب رئيس الحكومة البديل "نائب الرئيس"، تزامنًا مع أوضاع أمنية وسياسية غير مستقرة تعصف بالاحتلال.

انهيار الائتلاف الحكومي الحاليّ

ستكون الانتخابات التي ستجري في أكتوبر/تشرين الأول المقبل هي الخامسة في ثلاث سنوات التي سينتخب فيها مستوطنو الاحتلال قيادة سياسية جديدة ستحاول تشكيل حكومة جديدة، غير أن المشهد السياسي لا يوحي بأن هذه الانتخابات ستكون الأخيرة في وقتٍ قياسي.

الكاتب والباحث سليمان بشارات أوضح لـ"نون بوست" أن جميع المراقبين للشأن السياسي الإسرائيلي كانوا يتوقعون انهيار الائتلاف الحكومي الحاليّ وأنه لن يصمد كثيرًا، والسبب في ذلك مجموعة من التحديات الداخلية منها أنه جاء عقب ثلاث انتخابات متتالية للكينست، ولم يحظ أي حزب على نسبة الحسم، وكذلك طبيعة التركيبة التي ضمتها الحكومة، إضافة للعامل الآخر وهو بقاء نتنياهو في الساحة السياسية وهو يرى أنه الأحق بقيادة حكومة الاحتلال، وبالتالى سعى دومًا إلى تفكيك الائتلاف بطرق متعددة.

الأمر الآخر المهم الذي تمر به دولة الاحتلال الآن هو أفول نجم القيادات التقليدية، وهذا بحد ذاته أحد أسباب الدخول في حالة عدم الاستقرار السياسي الداخلي لعدم وجود القيادة الملهمة التي تجمع عليها التركيبة الداخلية إسرائيليًا. 

ويشير بشارات إلى أن تعزز اليمين المتطرف في الاحتلال والسيطرة الواضحة للأحزاب الدينية يجعل مفهومها للعمل السياسي يجب أن يكون منقادًا للفكر الديني، وهذا بحد ذاته بات يحدث تباينًا واضحًا في التركيبة لدولة الاحتلال.

الهزات التي تعرض لها الاحتلال من المقاومة الفلسطينية وبالتحديد العمليات التي نفذها الفدائيون داخل الكيان الإسرائيلي، أحدثت إرباكًا داخليًا لعدم قدرة الحكومة على توفير الحماية للمجتمع الإسرائيلي

ووفق المختص والباحث بشارات فإن حضور الأحزاب الدينية يدفع باتجاه النزعة الأكثر تطرفًا سواء في الممارسات على الأرض أم المواقف، وهنا يحدث حالة من الصراع الذاتي التي يمكن أن تمهد دومًا لحالة من عدم الاستقرار السياسي. 

ولا ينكر بشارات في حديثه أن الهزات التي تعرض لها الاحتلال من المقاومة الفلسطينية وبالتحديد العمليات التي نفذها الفدائيون داخل الكيان الإسرائيلي، أحدثت إرباكًا داخليًا في عدم قدرة الحكومة على توفير الحماية للمجتمع الإسرائيلي وبالتالي الضغط على الأحزاب اليمينية التي سهلت تفكيك الحكومة.

صعود التيارات الدينية لسدة الحكم

يقوم الاحتلال على مفهوم الخليط أو المزيج غير المتجانس، إذ سعى منذ بداية قيامه لاستخدام أدوات أو برامج تحاول خلق حالة من الانصهار الذاتي للمجتمع الصهيوني وهي "بوتقة الصهر"، إلا أن هذه البوتقة لم تنجح في تشكيل تجانس للعرقيات والمنابع الفكرية في المجتمع الإسرائيلي، وهذا الأمر دفع التيارات الدينية للصعود على حساب أفول الأحزاب التقليدية والعلمانية، وبالتحديد حزب العمل الإسرائيلي.

وهو الأمر الذي يبقي "إسرائيل" ضمن دوامة داخلية من عدم الاستقرار السياسي، وبالتالي عدم الاستقرار المجتمعي الداخلي، وسنلاحظ كيف يمكن أن ينعكس ذلك على أمرين: الأول زيادة النزعة الدينية والتحلل من المفهوم السياسي، وبالتالي التطرف أكثر باتجاه اليمين، الأمر الثاني قد يعمل على تفكيك مفهوم القوة للاحتلال الإسرائيلي من خلال الانشغال بكيفية اجتياز الإشكالية الداخلية التي يمر بها.

وفي هذا السياق، يقول المختص في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور: "صعود التيارات الدينية جاء كنتيجة واضحة لغياب أحزاب أخرى، ومرتبط بطريقة أو بأخرى بطبيعة التركيبة الخاصة بالمجتمع الإسرائيلي وتحوله للتطرف الديني بشكل أكبر"، ويضيف منصور لـ"نون بوست" "هذه التيارات ووجودها لن تؤدي إلى حالة الاستقرار السياسي في الاحتلال وقد تلعب دورًا بارزًا في الذهاب إلى انتخابات جديدة بعد الانتخابات المقبلة كنتيجة لحضورها في المشهد السياسي ككل خلال الفترة الأخيرة".

أسباب وعوامل غياب الاستقرار السياسي للاحتلال

لا يمكن اختزال الأسباب والعوامل الخاصة بغياب الاستقرار السياسي في الاحتلال بعامل واحد أو حتى بنتائج انتخابات بعينها، فلم ينجح الاحتلال على مدار 3 سنوات في تحقيق حكومة أكثر استقرارًا من سابقتها وهو ما كان يعيد الكرة للناخبين في كل مرة.

ووفقًا للمراقبين فإن نتنياهو هو الشخصية القوية الوحيدة بين قادة الأحزاب في الاحتلال، وهو ما يجعل المشهد يعيده إلى الساحة في كل مرة مع فقدان الشخصيات السياسية القادرة على تحقيق انتصار سياسي وتشكيل حكومة مستقرة.

وإلى جانب ذلك، فإن غياب الاستقرار سيؤدي إلى تعزيز اعتماد الاحتلال على الولايات المتحدة (الحليف الأكبر والأوسع للاحتلال) للحفاظ على الاستقرار السياسي والأمني، وخصوصًا فيما يتعلق بجبهة إيران الأكثر اشتعالًا مؤخرًا.

ورغم دخول بعض قادة الجيش السابقين إلى العملية السياسية مثل بيني غانتس الذي يقود منصب وزارة الحرب، وقبله يعلون وأيهود باراك، فيما يخطط غادي أيزنكوت للدخول في الانتخابات المقبلة، فإنهم جميعًا لم يتمكنوا من تحقيق الاستقرار.

لن يعيش الاحتلال حالة من الاستقرار السياسي قريبًا في ظل وجود التيارات الدينية وأفول نجوم قادة سياسيين ومغادرتهم للحكم وعدم صعود جيل جديد من السياسيين يكون قادرًا على حماية النظام السياسي للاحتلال

لا يمكن بأي حال من الأحوال التقليل من خطورة الاستقرار السياسي على الاحتلال على الصعيد الأمني والعسكري وحتى السياسي والداخلي، خصوصًا مع حالة التسخين والحرب المعلنة مع إيران وهو ما سيضع الكيان ككل أمام تحدٍ كبير، إلا أن هذا التحدي سيكون التعامل معه مختلفًا بعض الشيء في ظل حضور الولايات المتحدة التي من الممكن أن تسارع لعقد الاتفاق النووي مع طهران خشية من عودة محتملة وقريبة لرئيس الوزراء السابق نتنياهو الذي كان على وشك شن حرب على طهران قبل أن يغادر سدة الحكم.

ومن الناحية الأمنية والسياسية فإن ثمة تحديات أخرى أبرزها تلك المتعلقة بالمقاومة الفلسطينية وإمكانية استخدام السلاح لتحقيق مكاسب سياسية مرحلية في ضوء حالة الهدوء والمراوحة في المكان، بالتوازي مع تهديدات حزب الله المتعلقة باستهداف حقل كاريش على الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة.

وعمليًا فإن الاحتلال لن يعيش حالة من الاستقرار السياسي قريبًا في ظل وجود التيارات الدينية وأفول نجوم قادة سياسيين ومغادرتهم للحكم وعدم صعود جيل جديد من السياسيين يكون قادرًا على حماية النظام السياسي للاحتلال.