بوجه غابت عنه ملامح الحياة، وصوت يتأرجح على أوتار القهر، وخطوات مكبلة بطعنات الصدمة الغائرة، وقفت الأم المكلومة على أبواب مشرحة المستشفى الدولي بالمنصورة (شرق) تتسول من أفراد الأمن نظرة أخيرة على جثمان ابنتها التي فارقت الحياة في ثوان معدودة إثر ذبحها على يد زميلها في الجامعة، في مشهد يفوق في وحشيته الدرامية أفلام هولويود وفي واقعيته الدامية سجلات عصابات شيكاغو الشهيرة.

"عايزة حق بنتي.. عاوزة أشوفها بس"، بهذه الكلمات المبللة بدموع الحسرة، صرخت والدة نيرة أشرف، الفتاة العشرينية في الفرقة الثانية بكلية الأداب جامعة المنصورة، التي سقطت جثة هامدة أمام إحدى بوابات الحرم الجامعي، بعدما تلقت طعنات غائرة في الصدر والبطن من زميل الدراسة وجارها في محل سكنها في مدينة المحلة الكبرى (غرب) الذي لم يكتف بذلك ليجهز على ما تبقى من أنفاسها بذبحها بسلاح حاد على مرأى ومسمع من الجميع.

الموجع في المشهد، هو حالة اللامبالاة والصمت التي خيمت على المارة ممن اكتفوا بالتقاط الصور والمقاطع المرئية دون أن يتدخل أحدهم لوقف الجريمة قبل وقوعها، هذا التخاذل المشين الذي يعكس إلى أي مدى وصل المجتمع المصري من التفكك والتحلل من عرى الانسجام والمروءة حتى بات مخلخلًا من داخله.

الجريمة بكل تفاصيلها المرة أحدثت حالة من الصدمة للشارع المصري بشتى أطيافه، غير أن الصدمة لم تقف عند هذا الحد، فبعد ساعات قليلة فوجئ الجميع بصاعقة جديدة، شاب يلقي بنفسه من أعلى برج الجزيرة بالجيزة، وآخر يذبح شقيقته في الأقصر (جنوب) وثالث ينتحر من فوق كوبري بالمنصورة أيضًا بعدما كتب رسالة طلب فيها عدم حضور والده جنازته.

موجة من الجرائم المتنوعة تعرضت لها الساحة المصرية خلال الساعات الماضية، أثارت الكثير من التساؤلات، ليس في حجمها وعددها، فالأمور ربما تكون عادية نسبيًا، لكن في مضمونها وتفاصيلها وما تحمله من دلالات، فعودة ظاهرة الانتحار للأضواء مرة أخرى وارتكاب الجرائم على أيدي شباب في عمر الزهور، أعاد الملف برمته لساحة النقاش المجتمعي مرة أخرى.. فما الذي أوصل المصريين إلى هذه الحالة؟

أرقام صادمة

الأرقام الرسمية وغير الرسمية عن معدلات الجرائم في مصر تشير إلى طفرة كبيرة في المعدلات تشي بوجود شيء ما يستوجب الاهتمام والدراسة، ففي آخر 3 سنوات فقط زاد معدل الجريمة بنسبة45.81 % وفقًا لموقع نامبيو المتخصص في قياس نسب الجريمة والأمان عالميًا، فيما احتلت القاهرة العام الحاليّ المركز 166 على مستوى العالم من حيث نسبة الجريمة، إذ بلغت نسبة الجريمة 49.78% مقابل 50.22% معدل الأمان، لتحتل المرتبة 16 إفريقيًا والرابع على مستوى دول شمال إفريقيا بعد ليبيا والجزائر والمغرب.

أما معدلات الانتحار فقفزت بشكل هائل، إذ تشير التقارير الصاردة عن الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) إلى زيادة أعداد من أقدموا على الانتحار في مصر من 1160 حالة في 2005 إلى 3700 حالة في 2007، وصولًا إلى 4200 حالة في 2008، فضلًا عن تجاوز أعداد من حاولوا الانتحار 500 ألف في 2015، فيما كشف الصحفي الأمريكي جيفري فليشمان، في تقريره المنشورة في صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" أن الدولة المصرية شهدت 104 آلاف محاولة انتحار في 2009 نجحت منها 5000 حالة (بزيادة 800 حالة عن العام السابق عليه)، فيما بلغت حالات الانتحار 5 من بين كل 1000 مواطن في 2010، ليقفز الرقم إلى 400 ألف محاولة انتحار في 2011/ 2012.

وبحسب منظمة الصحة العالمية تحتل مصر المرتبة الأولى عربيًا في معدلات الانتحار، لتتفوق بذلك على بعض الدول التي تشهد نزاعات وصراعات وحروب أهلية، فيما شهد عام 2019 أكثر من 3020 حالة انتحار، وفي المتوسط هناك 88 حالة انتحار من بين كل 100 ألف مصري، وهناك قرابة 88 ألف شخص ينتحرون كل عام، وفق أحدث إحصاءات المنظمة الأممية.

ومن الأمور اللافتة للنظر أن 66.6% من المقبلين على الانتحار في مصر تتراوح أعمارهم ما بين 15 و25 عامًا، تليها في المرتبة الثانية المرحلة العمرية ما بين 25 و40 عامًا، فيما هناك 21.7% من طلبة الثانوية العامة يفكرون في الانتحار بحسب دراسة رسمية لوزارة الصحة المصرية.

أما جرائم القتل فتصدرت قائمة الجرائم المرتكبة في مصر وفق تقارير وزارة الداخلية التي كشفت عن طفرة هائلة في معدلات تلك الجرائم خلال العقد الأخير، فقد ارتفعت جرائم القتل العمد من 774 جريمة في 2010 إلى 2144 في 2012 ثم 2890 جريمة في 2014، لتتراجع تدريجيًا خلال الفترة من 2015 وحتى 2017، قبل أن تعاود ارتفاعها مرة أخرى.

وتعاني الأرقام الخاصة بمعدلات الجرائم لاسيما الانتحار من غياب للشفافية في ظل عدم توافر إحصاءات رسمية حديثة منذ 2017، بسبب توثيق العديد من تلك الجرائم على أنها حالات وفاة طبيعية، توهمًا من الأسر بأن الانتحار وصمة عار تلتصق بالأسر والعائلات، وهو ما يجعل الإحصاءات المتداولة محل تشكيك من الجهات الرسمية بين الحين والآخر.

الفقر وضغوط الحياة.. المتهم الأول

الأوضاع المعيشية الصعبة وضغوط الحياة القاسية كانت على رأس قائمة الأسباب الرئيسية وراء زيادة معدلات الجرائم في السنوات الأخيرة، وهو ما أكده استشاري الطب النفسي، جمال فرويز، الذي أرجع تلك الطفرة في نسب الجريمة إلى انتشار الفقر والبطالة التي زادت معدلاتها أكثر بسبب جائحة كورونا مؤخرًا.

فيما حمّلت أستاذ علم الاجتماع، سامية صالح، المخدرات والإدمان جانبًا من المسؤولية، لافتة إلى أنها أحد العناصر المسببة للعنف في المجتمع بصفة عامة، لا سيما إن لم يكن للمدمن مصدر دخل ينفق به على ما يتعاطاه من مواد مخدرة، ومن ثم يلجأ للجريمة بحثًا عن التمويل.

وانطلاقًا من التفسير السابق، فإن الفقر يقود إلى اضطرابات نفسية حادة، لا سيما لأبناء الطبقة المحدودة والمتوسطة، وهو ما قد ينجم عنه انفلات في التوازن والثبات العقلي ما قد يقود في النهاية إلى جرائم بشعة، حسبما أوضح استشاري علم النفس بجامعة عين شمي، أحمد فوزي، الذي أرجع الانتحار للاضطراب النفسي الذي يأخذ صورًا متعددةً، بحيث يصبح المريض أكثر اندفاعية وكاره للحياة بصورة كبيرة، الأمر الذي يدفعه إلى التخلص من حياته بأي سبيل، منوهًا أن ما يقرب من 34%  من المصريين يعانون من الاضطراب النفسي، 15% منهم يخططون للانتحار.

يذكر أن الفيلسوف الإصلاحي الشهير، إميل دوركايم، في كتابه "الانتحار" رفض فكرة الربط بين جريمة الانتحار والاضطراب النفسي، مؤكدًا أن الانتحار عمل واع يدرك المقدم عليه نتائجه جيدًا، لكنه مؤشر قوي لوجود "خطأ ما" في النظام الاجتماعي، منوهًا في كتابه أن ما يدفع الأفراد للانتحار هو ما أسماه "ضعف التنظيم الفردي والجمعي"، الذي يقصد به فقدان المجتمع القدرة على حفظ أفراده وتنظيم شؤونهم بشكل يجعلهم راغبين في مواصلة الحياة.

الفن في قفص الاتهام

يلعب الفن دورًا كبيرًا في حياة الإنسان، إذ تشكل الدراما حسبما يقول استشاري الصحة النفسية وليد هندي "حجر أساس لتشكيل شخصية الإنسان ووجدانه، لما لها من عامل أساسي في تحديد منهج تفكيره واتجاهاته النفسية وطرق تعامله مع المواقف والمشاكل الاجتماعية المختلفة، بل وإيجاد حلول لها، لذا لا يجب التعامل معها على أنها وسيلة للترفيه والتسلية فقط، والتغاضي عن تأثيرها ودورها في تنشئة الفرد".

الخبير النفسي في تصريحاته لصحيفة "أخبار اليوم" المصرية أكد أن "الدراما تحولت إلى أداة هدم وليست بناء، وأصبح بعضها عائقًا أمام خطط الدولة لتحقيق التنمية المستدامة باختراقها للقيم الأخلاقية، وكيف تلهث خلف الإثارة ضاربة القيم والعقائد والثوابت بعرض الحائط، بل وأصبحت أيضًا مرشدًا لتنفيذ بعض الجرائم، ومنها جرائم مستجدة لم تكن موجودة من قبل".

ومع تزايد معدلات الجريمة دومًا ما يكون الفن أحد أبرز المتهمين، في ظل نوعية الأفلام الأخيرة التي تعزف على وتر الجريمة والجنس والإدمان، وما لها من تأثير قوي على الشباب تحديدًا، حتى بات بعض المشاهير ممن يجسدون تلك الأدوار "قدوة ومثل" لكثير من صغار السن، وهو ما شدد عليه الصحفي المصري أيمن شعبان، الذي أشار في مقال له تعليقًا على حادثة مقتل فتاة المنصورة "ربما شاهد الجاني فيلم "إبراهيم الأبيض"، وأعجبته شخصية "البطل الذي صال وجال وخاض حروبًا ضارية بالسلاح الأبيض" من أجل الانتقام، أو تحقيق حلمه ولم الشمل مع محبوبته "حورية".. هذه المرة كان البطل هو "الفنان" المصري أحمد السقا، ومن المحتمل أن يكون مجرم فتاة المنصورة جذبته شخصية "عشري"، الصديق الخائن صاحب القلب الميت صاحب مبدأ "واللي قلبه ميت يعمل إيه؟ يقعد في البيت؟.. يخيط بروفلات؟ ويناكف في الجيران؟!".

ويأتي الاحتقان السياسي والتضييقات على الحريات وغلق المجال العام ضمن بورصة الترشيحات في المستوى الأول من دوافع انتشار جرائم الانتحار تحديدًا في مصر، ولعل العبارة الشهيرة للناشطة السياسية المصرية زينب مهدي، التي لجأت لإنهاء حياتها طواعية في 2016 أكبر دليل على هذا الترابط حين تركت رسالة كشفت فيها عن سبب انتحارها قائلة: "تعبت واستهلكت.. مفيش فايدة.. مفيش عدل.. وأنا مدركة ده.. مفيش نصر جاي.. بس بنضحك على نفسنا علشان نعيش" ومن قبلها خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، عبد الحميد شتا، الأول على دفعته، الذي انتحر بإلقاء نفسه من فوق كوبري النيل في 2003 بسبب استبعاده من اختبارات الخارجية كونه "غير لائق اجتماعيًا"، وهي الجريمة التي هزت الشارع المصري حينها.

انطلاقًا مما سبق، فإن المؤشرات كافة تذهب إلى استمرار الدوافع والمحفزات التي أدت إلى زيادة معدلات الجريمة، فنسب الفقر في تزايد مستمر، وصلت إلى 30% وفق الإحصاءات الرسمية فيما تجاوزت الـ60% بحسب تقديرات غير رسمية، مع توقع زيادة وتيرتها خلال المرحلة المقبلة، في ظل الإبقاء على التضييقات وكبت الحريات، مع الدعم المستمر لنوعية الدراما ذاتها التي تشجع على العنف، وعليه لا يتوقع تراجعًا في نسب ومعدلات الجرائم المرتكبة لا سيما تلك المعبرة بشكل مباشر عن رفض الواقع بكل تفاصيله، ما لم تكن هناك مراجعة حقيقية ومكاشفة واضحة لمعالجة الأسباب ووضع خطط ممنهجة للحفاظ على ما تبقى من المجتمع قبل انفراط عقده.