استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال مشاركته في احتفالات أعياد الميلاد للمسيحيين في 7 يناير/كانون الثاني 2022، ملامح الجمهورية الجديدة التي يريد تدشينها في البلاد، قائلًا إنها "جمهورية الحلم والأمل، جمهورية العلم والعمل، الجمهورية القادرة وليست الغاشمة، المسالمة وليست المستسلمة".

وقبل ذلك بثماني سنوات ونصف تقريبًا وفي الأول من يوليو/تموز 2013، وخلال بيان الجيش المصري عقب تظاهرات 30 يونيو/حزيران ضد الرئيس الراحل محمد مرسي، قال السيسي الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع وقتها جملته الشهيرة: "لقد عانى هذا الشعب الكريم ولم يجد من يرفق به أو يحن عليه".

ومنذ تصريحات الرئيس المصري بداية هذا العام اكتست شاشات الفضائيات المصرية، الحكومية والخاصة، بهاشتاغ #الجمهورية_الجديدة، في إشارة إلى التذكير بالإنجازات التي حققها النظام الحاليّ في النهوض بالدولة المصرية والانتقال بها من الجمهورية التقليدية التي تعاني على كل المسارات إلى الأخرى الجديدة المفعمة بالأمل والروح الجديدة.

اليوم ومع حلول الذكرى التاسعة لتظاهرات 30 يونيو/حزيران، التي كان يؤمل الشعب عليها في الخروج من النفق الذي أوقعهم فيه نظام الإخوان، إلى آفاق النعيم والرخاء الذي وعدهم بها جنرالات دولة الثالث من يوليو/تموز، يبقى السؤال: هل وجد المصريون في جمهورية السيسي الجديدة أحلامهم التي بسببها أسقطوا أول تجربة ديمقراطية في التاريخ الحديث؟

بينما يشترط الدستور المصري إنفاق 3% من الناتج المحلي - كحد أدنى - على الصحة ومثلهم على التعليم، تكشف أرقام الموازنة مخالفة صريحة لذلك، فقد بلغت ميزانية التعليم 192 مليار جنيه بنسبة 2.1% من الناتج المحلي، وبتراجع عن العام الماضي الذي وصلت فيه النسبة إلى 2.47%

الجمهورية الجديدة كما يراها أنصار السيسي

الكاتب الصحفي المصري، مصطفى حمزة، في مقاله المنشورة بصحيفة "الأهرام" (الممولة حكوميًا) استعرض ملامح الجمهورية الجديدة من وجهة نظر السيسي وأنصاره، لافتًا أن الأمر لا يتعلق فقط بالعاصمة الإدارية الجديدة التي يعتبرها البعض "عملًا خرافيًا" لما تتميز به من إمكانات وقدرات بنائية غير مسبوقة، امتصت مئات المليارات من الجنيهات لإنهاء العمل بها حتى باتت على أهبة الاستعداد للافتتاح المتوقع أن يشهد حضور قادة وزعماء دول المنطقة، كأحد المنجزات المهمة في مسيرة السيسي (كما يرون).

فالأمر لا يتعلق فقط بتطوير المباني والجدران كما يقول الصحفي المصري "وإنما كذلك بتنمية البشر والإنسان، فالجمهورية الجديدة هي دولة يتمتع فيها المواطن بكرامته، من حياة كريمة وسكن مناسب وصحة جيدة"، كذلك الاهتمام بالشباب باعتبارهم أمل الأمة وقادة المستقبل، لذا أنشأت الدولة عددًا من الكيانات لاحتوائهم على رأسها "اتحاد شباب الجمهورية الجديدة"، فضلًا عن المنتديات والمؤتمرات السنوية الخاصة بالشباب.

الجمهورية الجديدة لا يمكن أن تضاهي جمهوريات العالم المتقدم دون حريات مسؤولة، فلا بد من توفير الحد الأدنى من الحريات لكن وفق ضوابط بحسب الكاتب المصري، الذي يرى أن الحرية المطلقة مفسدة مطلقة، منوهًا أن جمهورية السيسي الجديدة "لا يمكن أن تقوم إلا على احترام حقوق الإنسان التي من أهمها الحق في تداول المعلومات والتعبير عن الرأي بوسائل مشروعة وقانونية، في إطار الدستور المصري".

الارتقاء بالعنصر البشري.. فوضى الأولويات

في الوقت الذي تؤكد فيه الجمهورية الجديدة على أهمية صحة المواطنين وتعليمهم لتأهيلهم لحمل مشاعل التنمية والتطوير، تأتي الموازنة العامة للدولة لـ2022/2023 لتفند تلك المزاعم وتحولها إلى مجرد شعارات للاستهلاك المحلي، كونها تخالف الواقع جملةً وتفصيلًا.

فبينما يشترط الدستور المصري إنفاق 3% من الناتج المحلي - كحد أدنى - على الصحة ومثلهم على التعليم، بالإضافة لـ2% للتعليم العالي و1% للبحث العلمي، تكشف أرقام الموازنة مخالفة صريحة لذلك، حيث بلغت ميزانية التعليم 192 مليار جنيه بنسبة 2.1% من الناتج المحلي، وبتراجع عن العام الماضي الذي وصلت فيه النسبة إلى 2.47%، علمًا بأن قطاع التعليم يعاني أزمات حادة، نقص في عدد المعلمين البالغ أكثر من 250 ألف معلم بحسب تصريحات وزير التربية والتعليم، فضلًا عن البنية التحتية المترهلة، بجانب الأزمات الحادة في قطاع المناهج والكتب الدراسية.

وفي قطاع الصحة لا يختلف الأمر كثيرًا، إذ بلغت ميزانيتها في العام المالي الجديد 128 مليار جنيه بنسبة 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ1.5% في الموازنة الحاليّة، علمًا بأن ميزانية الصحة المقررة وفق الدستور يجب أن تصل إلى 276.5 مليار جنيه من أجل الوصول إلى نسبة 3%، مع الوضع في الاعتبار المستوى المتدني للخدمات الصحية على كل المسارات الذي أدى إلى هروب الأطباء بأكثر من 60% من حجمهم الإجمالي، فضلًا عن التراجع الكبير في معدلات المستشفيات مقارنة بعدد السكان.

خلال السنوات الستة الماضية فقط (2016 - 2022) ارتفع حجم الدين بنسبة 150% لتستحوذ مصر وحدها على 34% من إجمالي ديون منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال عام 2019 حسب تقرير البنك الدولي

وعلى الجانب الآخر، تتزايد حصة الجهات السيادية (الداخلية - القضاء - الدفاع) في الموازنة العامة بصورة لافتة للنظر، تعكس مفارقة واضحة للعيان مقارنة بالتعليم والصحة، حيث زادت حصة تلك الجهات في المجمل بنسبة 10% عما كانت عليه في العام المالي الحاليّ (قطاع الدفاع والأمن القومي زاد لوحدة بنسبة 12%)، لتصل إلى 88.1 مليار جنيه تستحوذ على 4.8% من المخصصات في الموازنة.

وبعيدًا عن الأرقام الرسمية المعلنة في الموازنة فإنها لا تعبر عن الواقع بشكل موضوعي، في ظل غياب معايير الشفافية بشأن موارد تلك الجهات، فالقطاعات الثلاث تمتلك مئات الصناديق الخاصة والحسابات المتعددة خارج دائرة الموازنة، تحقق من ورائها الكثير من الأرباح والعوائد التي ربما تفوق الأرقام الملعنة رسميًا.

وبحسب كتاب "الرؤية والإنجاز" الذي أعدته مؤسسة الرئاسة ويتضمن المشروعات التنموية في مصر خلال الفترة من 30 يونيو/حزيران 2014 حتى 30 يونيو/حزيران 2021، فقد أنفقت الدولة 1.3 تريليون جنيه على مشروعات الطرق والكبارى وتطوير السكة الحديد وخطوط مترو الأنفاق والجر الكهربائى خلال آخر 7 سنوات، فقد تم تدشين أكثر من ألف كوبري وشبكة طرق جديدة بأطوال 7 آلاف كيلومتر.

الديون الخارجية.. استقلالية منقوصة

وفيما يتعلق بالاستقلالية الاقتصادية ومنافسة القوى الكبرى كما يُمني أنصار الجمهورية الجديدة أنفسهم، تشير الأرقام الرسمية الصادرة عن البنك المركزي، إلى عكس الاتجاه تمامًا، إذ سجل الدين الخارجي نحو 137.859 مليار دولار في نهاية العام المالي 2021-2020، مقابل نحو 123.490 مليار دولار في نهاية العام المالي 2019-2020 بزيادة سنوية قدرها 14.369 مليار دولار، هذا بخلاف 40 مليار دولار قيمة فوائد هذا الدين، بما يعني أن الرقم الفعلي للدين الخارجي بفوائده قد يصل إلى أكثر من 177 مليار دولار، من دون حساب عوائد السندات.

وخلال السنوات الستة الماضية فقط (2016 - 2022) ارتفع حجم الدين بنسبة 150% لتستحوذ مصر وحدها على 34% من إجمالي ديون منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال عام 2019 حسب تقرير البنك الدولي، وهو ما كان له صداه على الموازنة العامة للدولة التي تخلت عن 80% من حجمها لسداد فوائد الديون والأقساط المحققة بحسب بيانات وزارة المالية المصرية.

وأرجع الخبراء هذا الارتفاع الجنوني في حجم الديون الخارجية إلى السياسات الاقتصادية التي تتبنّاها الدولة خلال السنوات الأخيرة، التي تعتمد في مقامها الأول على الاستدانة من الخارج لتنفيذ خطتها التنموية داخليًّا، لتعطي الكباري والطرق والمدن السكنية الجديدة الأولوية القصوى مقارنة بالتعليم والصحة والارتقاء بالعنصر البشري، وهو ما نجم عنه ارتدادات كارثية على الحالة المعيشية للمواطن، فضلًا عن هروب الاستثمارات الأجنبية من البلاد البالغة 15 مليار دولار خلال الأشهر الثلاث الأخيرة.

إفقار الشعب.. نتيجة منطقية لسياسات خاطئة

في علم المنطق، فإن المقدمات حتمًا تقود إلى نتائج، ومن ثم قادت السياسات الاقتصادية والمالية التي اتبعتها الجمهورية الجديدة إلى تدني المستوى المعيشي للمواطنين والزج بالملايين نحو آتون الفقر المدقع، وسط توقعات باستمرار موجات الزج حال ظل التمسك بالسياسات الحاليّة قائمًا.

التقارير والإحصاءات الواردة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تشير إلى أن البلاد تسير بخطوات حثيثة نحو مستنقع الفقر، فبات أكثر من 30 مليون مصري تحت مستوى خط الفقر، حيث قفزت معدلاته بصورة جنونية خلال العقدَين الماضيين، من 16.7% عام 2000 إلى 29.7% عام 2021.

ورغم الوعود التي قطعها السيسي على نفسه بشأن تحسن الأوضاع، بدءًا من عام 2015 الذي أطلق عليه "عام الرخاء"، مرورًا بطلبه من الشعب التحمُّل لمدة عامَين آخرَين عام 2016، ثم الصبر عامي 2018 و2019 وصولًا إلى يونيو/حزيران 2020 حين قال إن مصر ستكون في منطقة أخرى تمامًا من حيث المستوى الاقتصادي والاجتماعي، فإن شيئًا لم يحدث، إن لم تكن الأمور قد ازادت سوءًا عما كانت عليه، فقد تجاوز عدد من لا يتجاوز دخلهم اليومي دولار واحد أكثر من 30 مليون مواطن، فيما تشير تقديرات أخرى غير رسمية إلى أن العدد يتجاوز هذا الرقم بكثير.

تحتل مصر المرتبة الأولى عربيًا في معدلات الانتحار، لتتفوق بذلك على بعض الدول التي تشهد نزاعات وصراعات وحروب أهلية، بحسب منظمة الصحة العالمية

زيادة معدلات الجريمة.. فقدان الأمل

وصف السيسي جمهوريته الجديدة بأنها "جمهورية الحلم والأمل" غير أن الأرقام الرسمية وغير الرسمية عن معدلات الجرائم في مصر تشير إلى عكس ذلك، وهو ما توثقه المواقع الإخبارية ومنصات السوشيال ميديا صباحًا ومساءً، بما يعكس فقدان حالة الأمان المجتمعي الذي يتغنى بها أنصار دولة يوليو/تموز.

وفق الأرقام الرسمية زاد معدل الجريمة بنسبة 45.81% وفقًا لموقع نامبيو المتخصص في قياس نسب الجريمة والأمان عالميًا، فيما احتلت القاهرة العام الحاليّ المركز 166 على مستوى العالم من حيث نسبة الجريمة، إذ بلغت نسبة الجريمة 49.78% مقابل 50.22% معدل الأمان، لتحتل المرتبة 16 إفريقيًا والرابع على مستوى دول شمال إفريقيا بعد ليبيا والجزائر والمغرب.

فيما تكشف معدلات الانتحار المرتفعة عن فقدان الأمل لدى قطاع كبير من المواطنين لا سيما الشباب، إذ تشير التقارير الصاردة عن الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء إلى زيادة أعداد من أقدموا على الانتحار في مصر من 1160 حالة في 2005 إلى 3700 حالة في 2007، وصولًا إلى 4200 حالة في 2008، فضلًا عن تجاوز أعداد من حاولوا الانتحار 500 ألف في 2015.

وتحتل مصر المرتبة الأولى عربيًا في معدلات الانتحار، لتتفوق بذلك على بعض الدول التي تشهد نزاعات وصراعات وحروب أهلية، بحسب منظمة الصحة العالمية، ففي المتوسط هناك 88 حالة انتحار من بين كل 100 ألف مصري، وهناك قرابة 88 ألف شخص ينتحرون كل عام،  فيما شهد عام 2019 أكثر من 3020 حالة انتحار،  بحسب منظمة الصحة العالمية.

المثير للقلق في قراءة ديموغرافية تلك الأرقام، أن 66.6% من المقبلين على الانتحار في مصر تتراوح أعمارهم ما بين 15 و25 عامًا، تليها في المرتبة الثانية المرحلة العمرية ما بين 25 و40 عامًا، فيما هناك 21.7% من طلبة الثانوية العامة يفكرون في الانتحار بحسب دراسة رسمية لوزارة الصحة المصرية، بينما أرجع خبراء هذا الارتفاع الكبير إلى الوضع المعيشي الصعب والاحتقان الداخلي وكبت الحريات، بجانب أبعاد أخرى كالدراما (تتحكم فيها الدولة من خلال الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية التابعة لجهاز المخابرات) التي تعزف على أوتار الجريمة والجنس في مقابل تجهيل الدين وغياب القدوة.

غياب البعد الإنساني.. الشعب لم يجد من يحنو عليه

رغم أن معظم خطابات الرئيس تعزف على أوتار العاطفة واستمالة محدودي ومتوسطي الدخل كونهم الفئة الأكثر احتياجًا للاحتواء والدعم، إلا أن الجمهورية الجديدة تقوم في ركيزتها على سياسات تضرب بالبعد الإنساني والاجتماعي عرض الحائط، وهو ما يمكن الوقوف عليه أمام كل مشروع تطوير يقوم به النظام الحاليّ.

الغالبية العظمى من الطرق والكباري التي يتم تدشينها، وتعد الضلع الأبرز في الجمهورية الجديدة، كانت على حساب آلاف الأسر التي يُزج بها خارج منازلها التي تتعرض للهدم والإزالة من أجل تعبيد المشروعات الجديدة، ودون سابق إنذار ولا منح مهلة للتصرف، تجد الأسر نفسها مجبرة على مغادرة بيوتها وفق قانون جديد تم تشريعه قبل سنوات باسم "قانون المنفعة العامة" الذي يسمح للسلطات بالحصول على أي عقار وإخراج سكانه منه من أجل بناء المشروعات القومية.

السيسي خلال إطلاقه "المشروع القومي لتنمية الأسرة المصرية"، في العاصمة الإدارية الجديدة، نهاية فبراير/شباط الماضي قال نصًا: "أنا علشان أفتح شارع، بشيل ألف بيت علشان الناس تمشي في حتت محدش يمشي فيها"، وهي السياسة التي تتبعها الحكومة مع كل المشروعات المتعلقة ببناء الطرق والكباري خلال السنوات الأخيرة.

الحصول على العقارات المأهولة وإخراج سكانها منها لأجل المنفعة العامة ربما يكون مقبولًا لدى البعض، لكن شريطة أن يكون هناك تعويض مناسب على قدر الأثر المتوقع، ماديًا ومعنويًا، كأن يتم تقييم العقار بسعر عادل مع التعامل مع السكان بآدمية واحترام يحفظ لهم إنسانيتهم، غير أن ما تم كان عكس ذلك في معظم الأحيان، إذ قُدرت المنازل بأسعار بخسة لا تتناسب مطلقًا وسعرها الحقيقي.

ففي الجيزة على سبيل المثال حُدد سعر الغرفة بـ40 ألف جنيه رغم أن الأسعار هناك في متوسطها تتجاوز هذا الرقم بأكثر من الضعف تقريبًا، وهو ما أفقد الكثير من الأسر استقرارهم المجتمعي بعد التيه في مغبة البحث عن سكن بسعر رخيص وإمكانات متوسطة وفق المبلغ المحصل عليه نظير تنازلهم عن بيوتهم أو اللجوء إلى الإيجار باهظ الكلفة.

كبت الحريات.. جمهورية الخوف

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقوم جمهورية ديمقراطية دون أرضية حقوقية ثابتة، تؤمن بحق المواطن في التعبير عن الرأي دون استهداف أو تنكيل، هكذا يقول علماء السياسة، وهكذا يدندن الداعمون للجمهورية الجديدة في مصر، لكن ووفق لغة الأرقام الصادقة معظم الوقت، فالوضع مغاير تمامًا.

كل المؤشرات تذهب إلى أن المصريين يقبعون داخل جمهورية من الخوف والقلق وعدم الأمان، جمهورية تنكل بمعارضيها وتزج بهم في السجون، وهو ما تكشفه الأرقام التي تشير إلى أن عدد المعتقلين يتجاوز 60 ألف رغم نفي السلطات الرسمية لتلك الأرقام المؤثقة من بعض الكيانات الحقوقية الدولية.

ومن التنكيل السياسي إلى الكبت الإعلامي وغلق صنبور الحريات من منبعه، حيث استخدام كل أنواع القمع والتنكيل بحقّ الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، من مداهمات وغلق وتشميع للمقار، وحبس صحفيين ومنعهم من النشر، ليعود بالوضع إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حيث التأميم الكامل، وهي الوضعية التي طالما عبر السيسي عن "حسده " للرئيس الراحل جمال عبد الناصر بسببها.

المتابع للمشهد المصري خلال السنوات الماضية يجد أن ما أطلق عليه مشروع "الجمهورية الجديدة" وغيره من المشروعات الأخرى لا تهدف إلا لبناء مجد شخصي للرئيس، من أجل أن يتباهى به داخليًا وخارجيًا

وحتى نهاية 2021، بلغ عدد الصحفيين المعتقلين 65 صحافيًّا وصحافية، وفق ما رصدته مؤسسة حرية الفكر والتعبير (مستقلة معنية بحرية الرأي)، فضلًا عن حجب السلطات المصرية أكثر من 500 موقع منذ عام 2017 وحتى اليوم، بجانب غلق مئات الصحف والمواقع الخاصة، وبعض الصحف الورقية الحكومية كما هو الحال في الصحف المسائية (الأهرام المسائي (الصادرة عن مؤسسة "الأهرام")، والأخبار المسائي (الصادرة عن مؤسسة "أخبار اليوم")، و"المساء" (الصادرة عن مؤسسة "دار التحرير للطبع والنشر"))، ومجلة الكواكب مؤخرًا، وتحويلها إلى منصات إلكتروينة فقط.

المتابع للمشهد المصري خلال السنوات الماضية يجد أن ما أطلق عليه مشروع "الجمهورية الجديدة" وغيره من المشروعات الأخرى لا تهدف إلا لبناء مجد شخصي للرئيس، من أجل أن يتباهى به داخليًا وخارجيًا، كما أشار الصحفي شريف أيمن، الذي يرى أن السيسي يحيا أوهام مصر الخديوية، مستشهدًا على ذلك بـ"مشهد ركوبه "يخت المحروسة" في أثناء افتتاح تفريعة قناة السويس، أو سعيه الدؤوب لبناء مدن جديدة ينقل المصريين إليها قسرًا بعد إخراجهم من منازلهم بداعي التطوير، أو اعتياده مخاطبة رئيس الوزراء بمصطلح "دولة رئيس الوزراء" وهو اللفظ المعهود في العصر الملكي".

وفي المجمل.. فإنه وعلى مدار 9 سنوات كاملة منذ الوعود التي أطلقها السيسي حين كان وزيرًا للدفاع ثم تلك الصادرة من داخل قصر الاتحادية، تذهب جميعها في اتجاه خدمة "النخبة"، فالجمهورية الجديدة التي ينشدها الرئيس لا تخدم إلا المحظيين من أباطرة المال والسلطة، فالعاصمة الإدارية لا يسكنها إلا المليارديرات والوزراء وأسرهم، والقطارات الكهربائية الحديثة بين العين السخنة والعلميين بالساحل الشمالي لن يركبها إلا رجال الأعمال وأبناء السلطة، حتى الطرق السريعة التي شهدتها أطراف مصر الشمالية تخدم عائلات المال والحكم أكثر من غيرهم (وكلها نُفذت بأموال القروض الخارجية والديون الباهظة)، فيما يقبع السواد الأعظم من الشعب يتابع ما يحدث من مقاعد المتفرجين، جالسًا أمام شاشات التلفاز مستمعًا لمناشدات التقشف من ألسنة الإعلاميين الذين يتقاضون ملايين الجنيهات سنويًا، ومتحسرًا على وضعيته المنهارة يومًا بعد الآخر.