احتجاجات متصاعدة في ليبيا

شهدت الساحة الليبية موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية، لكنها هذه المرة أكثر ضراوة مما سبق لما تعكسه من دلالات عامة تشير إلى كفر الجميع، شرقًا وغربًا، بالنخب السياسية الحاليّة والفصائل والتيارات التي تتنافس على كعكة السلطة دون أي اعتبار للملايين من أبناء الوطن.

وخرج آلاف المحتجين في العديد من المدن الليبية، أمس الجمعة 1 يوليو/تموز 2022، رافعين العديد من الشعارات التي تطالب بتحسين مستوى المعيشة وتوفير الحد الأدنى من الخدمات والمقومات الحياتية والتقليل قدر الإمكان من انقطاع التيار الكهربائي في بلد يعد واحدًا من أكثر بلدان العالم إنتاجًا للنفط.

الاحتجاجات تجاوزت حاجز الهتافات إلى اقتحام مبنى البرلمان في طبرق (شرق) وإضرام النار في بعض أجزائه، بعد انسحاب قوات الأمن المكلفة بحمايته، فيما اكتظت منصات التواصل الاجتماعي بعشرات المقاطع المصورة عن التظاهرات التي عمت البلاد في انعكاس مباشر وواضح لحجم الاحتقان الشعبي إزاء حالة الجمود السياسي التي تحياها ليبيا والمنسحبة بطبيعة الحال على كل مجالات الحياة.

وحالت التجاذبات السياسية دون تحقيق حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية التي تشكلت العام الماضي، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، لأي من تعهداتها السابقة بالعمل على حل المشكلات المتعلقة بالكهرباء والطاقة، فيما يهدد باستمرار الأزمة ذاتها مع تعيين برلمان الشرق لفتحي باشاغا رئيسًا لوزراء حكومة جديدة، في ظل رفض الدبيبة التنحي، الأمر الذي يقود إلى طريق مسدود سيكون له تداعياته على تفاقم المشهد الداخلي بصورة مغايرة لما كان عليه في السابق بعد توحد الشرقيين والغربيين على هدف واحد يتعلق بتغليب مصلحة الوطن على المصالح الفئوية للمتناحرين سياسيًا.

احتجاجات شرقًا وغربًا

نظم المتظاهرون واحدة من أكبر التظاهرات التي شهدتها طرابلس (غرب) خلال السنوات الأخيرة، تظاهرات عكست إرادة شعبية واضحة على الميل نحو استخدام العنف كوسيلة وحيدة لتوصيل رسالة الغضب مما آلت إليه الأوضاع على كل المستويات، حيث احتشد المحتجون وهم يرتدون قمصان صفراء عاكسة للضوء، باتجاه ميدان الشهداء بقلب طرابلس، ورددوا هتافات لم تترك أحدًا، ضد الساسة والفصائل المسلحة والحكومة وتطالب بإجراء انتخابات عاجلة.

الوضع كذلك في مصراتة حيث اقتحم المحتجون المجلس البلدي وكتبوا على الباب الرئيسي له عبارات تطالب بتغيير النخبة السياسية وتغليب مصالح لييبا العليا على المصالح السياسية الخاصة التي حولت البلاد إلى "كعكة" يتبادل عليها الطامعون في السلطة دون أي اعتبار لمصالح ومستقبل الملايين من الليبيين، الأمر ذاته في بنغازي والبيضاء.

ومن أقصى الغرب إلى النقطة الأبعد في الشرق، حيث ردد المتظاهرون هتافات معادية للحكومات المتعاقبة والتيارات السياسية المختلفة بينما كانت ألسنة اللهب تتصاعد من جنبات البرلمان الذي اتهموه بالخيانة وسرق أموال البلاد وذلك بعد مرور 8 سنوات على انتخابه.

اتفاق الشرق والغرب على المطالب ذاتها مشهد لم يعتده الليبيون الذين وقعوا طيلة السنوات الماضية في فخاخ الإقصاء والتناحر بين كتلتي الشرق والغرب على حد سواء، ساعد على ذلك بعض الأجندات الخارجية التي ساعدت في تفاقم الوضع واتساع الهوة بين أبناء الوطن الواحد، وهو التطور الذي يحمل الكثير من الدلالات والرسائل في آن واحد.

الكفر بكل النخب

الدلالة الأبرز التي عكستها احتجاجات الأمس تتمحور حول إعلان الكفر بكل النخب والأطياف السياسية التي تسيطر على المشهد، إذ تبين بعد عقد كامل من التجربة أنها لا تصلح للحفاظ على مصالح الأمة ولا خدمة أهدافها وتلبية مطالب شعبها.

وتبين كذلك أن كل الكيانات، شرقها وغربها، التي تصدر نفسها على أنها وطنية من الطراز الأول ما كانت تتحرك إلا وفق أجندة ذاتية تستهدف من خلالها تحقيق بعض المكاسب السياسية على حساب الخصوم والمنافسين، بصرف النظر عن اقتراب تلك المكاسب أو تباعدها مع المصالح القومية لليبيا التي كانت في أمس الحاجة لجهود أبنائها للخروج من المأزق المتفاقم عامًا تلو الآخر.

وقد وثق المحتجون دلالتهم عبر الصور التي حملوها لرموز المشهد السياسي الحاليّ وعليها علامات رفض بوجودهم في الساحة السياسية، وكان على رأسها: رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ورئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب فتحي باشاغا، واللواء خليفة حفتر، بالإضافة إلى المستشارة الأممية ستيفاني وليامز.

أما الرسالة التي أراد المحتجون توصيلها للجميع فتتعلق بتحميل التناحر السياسي الحاليّ مسؤولية ما وصلت إليه الأمور من تدني على كل المسارات، فهذا التناحر كان السبب الرئيسي في إحداث الوقيعة والفتنة بين أبناء البلد الواحد الذي تقسم إلى بلدين رئيسيين: أحدهما في الشرق والآخر في الغرب، هذا بخلاف دويلات أخرى صغيرة مترامية في الوسط والجنوب.

وأدى هذا السجال إلى إجهاض موارد الدولة وتوظيفها لخدمة مصالح فئوية مدعومة بأجندات خارجية، الأمر الذي أدى في النهاية إلى حدوث انفجار مجتمعي بعدما ساءت الأمور وخرجت عن إطارها التقليدي الآمن الذي كان بمثابة حائط الصد أمام أي احتقان شعبي متصاعد.

وساعدت التطورات الإقليمية والدولية الأخيرة التي كان من تداعياتها أزمة عالمية في الأسعار وزيادة معدلات التضخم، في إخراج شبح الاحتقان الليبي الداخلي من زنزانته التي قبع فيها عشر سنوات كاملة، هذا الشبح الذي لم يفرق بين حفتر والسراج، ولا بين باشاغا والدبيبة.

ركود سياسي عقيم

تعاني ليبيا من حالة ركود سياسي مكتمل الأركان، أصاب الحياة العامة بالشلل التام، في ظل صراعات ونزاعات لا تتوقف بين مختلف الفصائل والقوى، حتى تحولت البلاد إلى قصعة مستباحة لكل تيار يبحث عن مكانة سياسية في خريطة السلطة حتى إن لم يكن مؤهلًا لذلك، وهو ما نجم عنه صعود عشرات القوى التي تفتقد للحد الأدنى من الخبرات السياسية.

قبل أسبوع تقريبًا شهدت جنيف أحد الاجتماعات التي كان يؤمل عليها للخروج من هذا النفق المظلم، بين رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، التي تعتبر امتدادًا للمسار الدبلوماسي بعد فشل جولات اللجنة الدستورية المشتركة في القاهرة لصنع إطار دستوري للانتخابات المؤجلة.

قبيل الاجتماع أصدرت خمس دول عربية بيانًا مشتركًا بمثابة خريطة طريق للخروج بأفضل نتائج محتملة قبل تفاقم الوضع بعد الأزمة التي أحدثها تولي فتحي باشاغا رئاسة الحكومة الجديدة الذي قوبل برفض شعبي كبير، وتمحور البيان حول 3 مسارات مختلفة مرتبطة بخيط زمني واحد": الأول وضع خريطة طريق مكتملة تقود إلى إجراء انتخابات عاجلة، وهي الخريطة المعروفة إعلاميًا باسم "خريطة جنيف"، الثاني: الضغط على صالح والمشري من أجل الوصول إلى نقاط مشتركة تذهب إلى انتخابات في أقرب وقت، أما المسار الثالث فيتعلق بضرورة وجود حكومة موحدة.

وفي نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي، فشلت كل محاولات إجراء الانتخابات المقررة بعد حالة الجدل التي تسببت فيها فوضى القوانين الصادرة عن مجلس النواب دون العودة للمجلس الأعلى للدولة، وهو ما أدى في النهاية إلى تفريغ العملية برمتها من مضمونها بعد ترشيح شخصيات مطلوبة للعدالة، وفي تلك الأثناء اختار برلمان طبرق فتحي باشاغا، وزير الداخلية الأسبق في حكومة فايز السراج، رئيسًا للحكومة، لكنه الاختيار الذي وصفه البعض بالصفقة التي جرت بين حفتر وعقيلة وباشاغا لإبعاد الدبيبة الذي رفض الاختيار ودعم الاحتجاجات التي خرجت ضد هذا الاختيار ما تسبب في إجهاضه نهاية الأمر والوصول إلى مربع الصفر مرة أخرى.

وبعد عشرات الجولات المكوكية التي خاضها ممثلو القوى السياسية المتناحرة، تبين بما لا يدع مجالًا للشك أن الحلول لن تأتي من الخارج، ففي ظل التجاذبات التي تحياها البلاد نتيجة تباين الأجندات الخارجية التي نجحت في تجنيد تيارات وقوى داخلية لخدمة توجهاتها، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تصل الأوضاع إلى ما ينشده الشعب الليبي الذي يتوق نفسه بحكومة وطنية موحدة وجيش موحد ودولة موحدة ذات سيادة واستقلالية وتتمتع بكل مواردها النفطية والمعدنية، وهو ما يتعارض جملة وتفصيلًا مع المشهد الحاليّ الذي تلعب فيه القوى الدولية والإقليمية الخارجية أدوار المؤلف والبطل والمخرج، بينما تقوم التيارات السياسية الداخلية في ليبيا بدور الكومبارس والدوبلير، فيما يكتفي الليبيون بالمشاهدة من مقاعد المتفرجين.

مفاوضات سرية برعاية إماراتية

نشر موقع Africa Intelligence الاستخباراتي الفرنسي في الأول من  يوليو/تموز الحاليّ تقريرًا كشف فيه تفاصيل احتضان الإمارات لاجتماع سري بين ممثلي عبد الحميد الدبيبة وخليفة حفتر تدور بشأن اختيار رئيس للحكومة، بين دعم الدبيبة كرئيس وزراء حكومة الوحدة الليبية في مقابل مرشح آخر موال لحفتر لتولي مؤسسة النفط الوطنية.

ويمثل الدبيبة في الاجتماع مستشاره وابن أخوه (إبراهيم الدبيبة) مع سفيره لدى الإمارات، سفيان الشيباني، فيما يمثل حفتر ابنه صدام، وفرحات عمر بن دارة، آخر محافظ لمصرف ليبيا المركزي في عهد القذافي، وفق الموقع الاستخباراتي الفرنسي، الذي أشار إلى أن آخر لقاء جمع بين الطرفين كان في 27 يونيو/حزيران الماضي.

التقرير أوضح أن هدف الدبيبة من المفاوضات كان تفكيك محور الشرق الداعم لاختيار باشاغا رئيسًا جديدًا للوزراء، وهو التحالف المدعوم من حفتر وعقيلة صالح، وفي المقابل يرى الأخير أن ردود الفعل العنيفة ضد هذا الاختيار سبب رئيسي للبحث عن بدائل أخرى تحفظ لهما مصالحهما، فيما يضع حفتر عينيه على النفط منذ سنوات طويلة إيمانًا منه بدوره القوي في تحديد هوية الفائزين في المعركة الداخلية.

ويمثل رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، مصطفى صنع الله، التحدي الأبرز في التوصل لاتفاق بين الطرفين، فرغم ميل الرجل نحو تحالف الشرق بداية الأمر، إلى جانب حفتر وعقيلة، لكن سرعان ما توترت الأجواء تباعًا، فيما ينظر إليه على أنه أحد الأسباب الرئيسية وراء إشعال الموقف، سواء حين حجب الأموال عن طرابلس أول الأمر أم بعد إرساله المليارات إلى مصرف ليبيا المركزي، ما جعله مستهدفًا من الطرفين معًا.

ممثلو حفتر والدبيبة يسعون إلى تعيين عمر بن دارة رئيسًا لمجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط ورئيسًا تنفيذيًا لها، فيما يختار حفتر ثلاثة مديرين في مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، بينما يختار الدبيبة العضوين المتبقين، وفق موقع Africa Intelligence الذي يعتبر إزاحة صنع الله من منصبه مسألة صعبة في ظل ما يتمتع به الرجل من دعم قوي داخليًا وخارجيًا.

وفي المحصلة.. كشفت تلك الاحتجاجات هشاشة الأحزاب والقوى السياسية شعبيًا، إذ تواجه رفضًا غير مسبوق، ما يضعها في تحدٍ صعبٍ أمام مستقبلها السياسي، إما الانتصار للإرادة الشعبية وإعادة النظر في سياستها وقدراتها على دعم استقلالية الوطن وسيادته الداخلية، وإما كتابة شهادة وفاتها السياسية بشكل رسمي، وذلك قبل تجاوز الخطوط الحمراء التي ستجعل معها كل السيناريوهات متاحة على طاولة المشهد.