من جديد تطل أزمة جديدة على مناطق الشمال السوري وخاصة مناطق ريف حلب الشمالي الواقع تحت سيطرة الجيش الوطني السوري، حيث تعاني هذه المناطق من تهريب القمح المنتج منها إلى مناطق سيطرة قسد وسيطرة قوات النظام السوري، في ظل أزمة غذائية خانقة تواجه العالم، عدا عن أن كل الدول تحاول في هذه الأوقات المحافظة على مخزونها وإنتاجها من أجل مواجه القادم الأسوأ على العالم من شح في الموارد ومنتجات الغذاء.

لكن بعض المتنفذين في فصائل المنطقة العسكرية والمحسوبين على الجيش الوطني السوري يساهمون في إدخال منطقتهم بأزمة غير محسوبة العواقب، حيث يعملون على السماح بتهريب القمح مقابل دفعات مالية، بل وصل الأمر بأن يكون بعض القادة العسكريين هم من يقودون هذه الحملات، لكن من سينقذ المنطقة إن دخلت في أتون مجاعة كبيرة، لكن الفساد الحاصل يعزز من فرضية حصول الأزمة لملايين المواطنين الذين يقطنون في هذه المنطقة.

تهريب القمح

وفي السياق ذاته، تداول نشطاء وصحفيون سوريون على وسائل التواصل الاجتماعي في الأيام الأخيرة أخبارًا تفيد أن المنطقة تعاني من أزمة في القمح نتيجة للتهريب الحاصل من المنطقة، وقال الباحث السوري أحمد أبازيد في تغريدة له على تويتر: "أزمة غذائية متوقعة في الشمال السوري بسبب عدم شراء محصول القمح من المزارعين وتهريب القسم الأكبر من الحصاد خارج المنطقة نحو تركيا أو نحو مناطق قسد والنظام"، وأحال أبازيد سبب المشكلة إلى عدم شراء الحكومة المؤقتة كميات كبيرة من المحصول والدفع الآجل للمزارعين ومشاركة فصائل في عمليات التهريب.

تواصل "نون بوست" مع أحد مسؤولي المؤسسة العامة للحبوب ليوضح لنا مدى صحة الأنباء التي تتحدث عن تهريب محصول القمح إلى خارج مناطق السيطرة، ليقول لنا: "توجد عمليات تهريب واضحة على أيدي بعض المتنفذين من الفصائل"، ويعزو المسؤول الذي رفض كشف اسمه، سبب التهريب إلى أن "الأسعار في مناطق سيطرة النظام ومناطق سيطرة قسد أعلى من السعر الذي حددته الحكومة المؤقتة، فالحكومة المؤقتة حددت الطن الواحد بسعر 450 دولارًا إلى 475 دولارًا، بينما يباع الطن في مناطق "قسد" على الأقل بـ550 دولارًا، وفي مناطق النظام يتم بيعه بـ500 دولار"، ويشير المصدر إلى أن الفلاح يضطر إلى بيع محصوله لتلك المناطق لزيادة ربحه.

ويقول المصدر: "الحكومة المؤقتة تعمل حاليًّا على منع التهريب والسيطرة على المنافذ غير الرسمية التي يتم منها إخراج شحنات القمح إلى مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية وقوات النظام السوري"، يذكر أن وزارة الداخلية في الحكومة المؤقتة أصدرت قرارًا ينص على منع تهريب مادة القمح والعمل على ضبط خطوط التماس ومراقبة الأسواق المحلية المختصة بتجارة الحبوب، وتشديد المراقبة على التجار من أصحاب السوابق في تهريب القمح، ومصادرة الكميات المعدة للتهريب وتسليمها إلى المؤسسة العامة للحبوب.

وحذر المصدر المسؤول في المؤسسة العامة للحبوب من وقع أزمة غذائية كبيرة جراء تهريب القمح إذا لم يتم تدارك الأمر، وتقدّر كميات القمح المهرب إلى خارج المناطق المحررة بآلاف الأطنان، وعند سؤاله عن الجهة المسؤولة عن التهريب قال: "كثر هم المستفيدون من تهريب القمح وأولهم بعض قادة الفصائل الذي يقودون حملات التهريب عبر بعض السماسرة والتجار المشهورين بهذا الأمر، ولا أستطيع أن أسمي أشخاصًا بعينهم".

وفي تصريحات صحفية قال رئيس مجلس محافظة حلب الحرة، عبد الغني شوبك، إن المؤسسة العامة للحبوب اشترت نحو 500 طن فقط من إجمالي الخطة التي وضعتها الحكومة المؤقتة لشراء 20 ألف طن، وقال شوبك: "هناك تجار منتفعون وجشعون لا يهمم الأمن الغذائي لهذه المناطق"، وأشار شوبك إلى أن حاجة السكان في ريف حلب الواقع تحت سيطرة المعارضة أكثر من 100 ألف طن سنويًا.

"التهريب خيانة"

بدورها أدانت "نقابة المحامين الأحرار" في بيان لها عمليات تهريب القمح الحاصلة في المناطق المحررة باتجاه مناطق سيطرة النظام ومناطق سيطرة "قسد"، واعتبرت النقابة في بيانها هذه العمليات "نوع من المتاجرة بأقوات السوريين وإنذار بكارثة تهدد حياة ومصير القاطنين في تلك المناطق"، وقالت: "ندين العمل الإجرامي ونعتبره مساهمة في دعم نظام الإجرام والميليشيات الطائفية".

وحمّل البيان "السلطات والقوى الموجودة، خاصة الجيش الوطني السوري، المسؤولية الكاملة عن حماية قوت الشعب السوري، مع المطالبة بملاحقة عمليات تهريب القمح التي تجري واعتبارها خيانة للثورة والشعب السوري ولدماء الشهداء وعذابات المعتقلين".

وقد كشفت بعض المواقع الإعلامية السورية أن وجهة التهريب ليست فقط إلى مناطق النظام و"قسد" بل إلى تركيا أيضًا، حيث تساهم الفصائل بإدخال شحنات كبيرة من القمح إلى تركيا عبر معبر الراعي، وقالت مصادر إن قادة في الجيش الوطني متورطون بـ"تهريب" القمح لتركيا من المعبر على مرأى من عناصر "الشرطة العسكرية"، وأبرز هؤلاء المتورطين في التهريب هم القيادي في فرقة "السلطان مراد" أبو وليد العز والقائد السابق لفصيل "سليمان شاه" محمد الجاسم أبو عمشة وبعض قادة "فرقة الحمزة" التي يقودها سيف أبو بكر.

بدوره اتهم المرصد السوري لحقوق الإنسان فصيل "السلطان مراد" بالإشراف على عمليات تهريب القمح، ويقول المرصد "رغم قرار الحكومة المؤقتة التابعة للائتلاف الوطني بمنع تصدير المادة إلى الدول المجاورة أو تهريبها إلى المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري أو الخاضعة لقسد للحفاظ على المخزون الإستراتيجي من مادة القمح والشعير، والحفاظ على أسعار الخبز، فإن عمليات التهريب المنظمة التي تقوم بها فصائل الجيش الوطني ومن ضمنهم فصيل السلطان مراد مستمرة على قدم وساق، ضاربًا عرض الحائط بكل القرارات الصادرة من الحكومة المؤقتة وعدم الاكتراث بفقدان هذه المادة الأساسية وتأثيرها السلبي على المواطن".

إلى ذلك، أدان ناشطون سوريون ما يحصل من تهريب لمادة القمح إلى وجهات مختلفة وإبقاء المنطقة تحت شبح أزمة غذائية، ويقول حسن جنيد الناشط السوري "تهريب القمح من مناطق شمال غرب سوريا إلى مناطق سيطرة النظام وقوات وسوريا الديمقراطية هو جريمة اقتصادية وإنسانية، في ظل هذه الظروف الصعبة التي يعيشها العالم يتم تهريب القمح من تجار بحماية ما يسمى "الجيش الوطني السوري" التابع الائتلاف الوطني المعارض هي جريمة بحق 4 ونصف مليون سوري".

بدوره غرد الناشط السوري فادي عبيد: "لإنقاذ موسم القمح ومخزون الطحين يجب أن ترفع حكومتا الإنقاذ والمؤقتة أسعار شراء القمح لتصبح موازية للأسعار التي تدفعها قسد، وإلا فإن عمليات تهريب القمح ستؤدي إلى أزمة في الشمال المحرر، خاصة أن الحرب في أوكرانيا جعلت من أزمة القمح والغذاء أزمة عالمية، وبذلك فإن المساعدات غير مضمونة".

ختامًا، يبدو أن المتاجرة بأهالي المناطق المحررة باتت سهلة على بعض المتنفذين وأصحاب المناصب، فيطمعون بجمع الأموال والثروات على حساب أقوات الناس وحياتها، وطبعًا لن يكون القمح المادة الوحيدة التي يتم تهريبها تحت أنظار هؤلاء المسؤولين والقادة، فمنذ السيطرة على هذه المناطق يتم التلاعب والتهريب بكل البضائع والأصناف، عدا عن تجارة المخدرات والممنوعات التي تدمر المجتمع، وفي ظل غياب سلطة رادعة تحمي المجتمع يعمل هؤلاء على راحتهم دون أن يكترثوا لأحد.