مسجد الفتاح العليم (نسبة إلى اسم الرئيس عبد الفتاح السيسي) على العملة الجديدة رغم أن عمره لم يتجاوز 3 سنوات

أثار إعلان البنك المركزي المصري طرحه ورقة نقدية فئة عشرة جنيهات بلاستيكية (من خام البوليمر)، الكثير من الجدل داخل الشارع المصري وعلى منصات التواصل الاجتماعي، لما تضمنته الخطوة من تفاصيل كثيرة فيما يتعلق بطريقة الطرح والتصميم الخاص بالعملة المطروحة.

ورغم أن هذه هي المرة الأولى التي تستخدم فيها العملات البلاستيكية في مصر، لكن الفكرة في حد ذاتها ليست جديدة، فقد طُرحت في 2013 ورفضت حينها، فيما شهدت الساعات التالية لإعلان البنك المركزي هذا القرار سجالًا بين فريقين بشأن ما تعكسه تلك العملة من إبراز لهوية المرحلة الحاليّة أو كما يسميها النظام وإعلامه (الجمهورية الجديدة).

التصميم الجديد - بحسب بيان المركزي - يعزف على وتر الجمع بين الحضارة الفرعونية القديمة، ممثلة في تمثال حتشبسوت، والحضارة الآنية التي أرسى نظام عبد الفتاح السيسي قواعدها حاليًّا، المتمثلة في مسجد "الفتاح العليم" بالعاصمة الإدارية باعتباره أحد معالم الطرازات المعمارية الحديثة.

الفكرة من منطلقها ربما تكون جيدة في ظل تحول الكثير من دول العالم إلى استخدام هذا النوع من العملات، لكن الإبحار في التفاصيل الأكثر عمقًا يثير الكثير من التساؤلات عما تعكسه خيوط الفئة البلاستيكية الجديدة، كتابة وتصميمًا ورسومات، من دلالات تكشف - مع بعض السياقات الأخيرة - وبشكل كبير، ملامح جمهورية السيسي المُرَوّج لها التي رغم تماسها مع الجمهورية التقليدية في بعض الخيوط لكنها تنسحب منها رويدًا رويدًا في محاولة للاستقلال التام لحساب تمجيد شخصي يحسب للرئيس الذي طالما يدندن بأن ما حدث في البلاد في سنوات حكمه الثمانية لم يحدث منذ أكثر من قرن كامل.

مواكبة للعصر وفوائد اقتصادية

انطلقت الحكومة المصرية في طرحها لعملات بلاستيكية من تطبيقها لسياسة النقد النظيف، وتقليل كلفة طباعة أوراق النقد خاصة الفئات الأكثر انتشارًا كفئات العشرة والعشرين جنيهًا، بما يتماشى مع برامج التنمية المستدامة التي تتبانها الدولة من خلال رؤية مصر 2030

وتتميز العملة الجديدة المصنوعة من مادة البوليمر بعدة مميزات أبرزها: صعوبة تزويرها بسببب ارتفاع تكلفة تصنيعها وعمرها الافتراضي الطويل الذي يصل إلى 300% من العمر الافتراضي للفئات الحاليّة المصنوعة من القطن، بجانب أنها أكثر مقاومة للتلوث مقارنة بفئات النقد الورقية المتداولة.

علاوة على تميزها بالمرونة والقوة والسُمك الأقل ومقاومتها الشديدة للماء بما يقيها من التلف، بجانب أنها أقل في درجة التأثر بالأتربة ما يبقي على شكلها النظيف، وأخيرًا فهي عملة صديقة للبيئة وقابلة لإعادة التصنيع، بما يسهم في النهاية في خفض النفقات العامة لمعادلة الأوراق النقدية في مصر التي تكلف الدولة الكثير خاصة بعد ارتفاع الأسعار العالمية.

لم تكن مصر الدولة الوحيدة ولا الأولى التي لجأت لاستخدام العملات البلاستيكية، فهناك سجل طويل من التجارب الدولية الأخرى، في مقدمتها أستراليا التي استخدمت تلك العملات عام 1996، بعد إجراء العديد من الاختبارات عليها، ثم صدرتها إلى أكثر من 20 دولة أخرى حول العالم، منها تشيلي ورومانيا وتايلاند ونيوزلندا وفيتنام وسلطنة بروناي وبابوا غينيا الجديدة.

بعض الدول ألغت العملة الورقية القديمة التي كانت متداولة بصورة كاملة واستبدلتها بتلك الفئات البلاستيكية، فيما جمعت دول أخرى بين العملتين، الورقية والبلاستيكية، جنبًا إلى جنب، كما هو حال بريطانيا والمكسيك وروسيا، ومن المتوقع أن تنضم إليهم مصر بعد دخول عملتها البلاستيكية الجديدة إلى أسواق الصرف والتعامل المالي.

عملة بلاستيكية

سياسات الاستسهال وعدم الإبداع

رغم انبهار كثير من المصريين بالتصميم أول الأمر، سرعان ما تلاشى هذا الانبهار بعد التدقيق في تفاصيل العملة المطروحة، التي تتطابق إلى حد كبير، مع العملة الإسترليني ذات الفئة (10 جنيهات إسترليني)، مع تغيير بعض الجزئيات بما يضفي عليها الهوية المصرية.

ويتطابق الفونت والرسم المستخدم مع فئة العشرة جنيهات إسترليني مع الفئة المصرية، كذلك الميل الخطي حرفيًا، إذ أزال البنك المركزي صورة الروائية الإنجليزية الشهيرة جاين أوستن (1775- 1817) ليضع مكانها مسجد الفتاح العليم، دون أي تغيير آخر في تصميم العملة.

إستراتيجية الاستسهال وعدم الإبداع التي كشفتها العملة الجديدة تعززت أكثر مع الأزمة التي أثارها الفنان الروسي جورجي كوراسوف، الذي اتهم مصر بسرقة ألواحه الزيتية ووضعها في محطة مترو الأنفاق "كلية البنات" شرق القاهرة، وهو ما أثار ضجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي كان لها صداها لدى هيئة مترو الأنفاق التي قررت إزالة الرسومات واستبدالها بأخرى مع قطع التعامل مع الشركة المنفذة.

اللافت للنظر أن الفنانة التشكيلية التي صممت تلك الرسوم المسروقة، وتدعى "غادة والي" أختيرت ضمن أقوى 100 امرأة في إفريقيا، وتم تكريمها في المجلس القومي للمرأة بصفتها نموذجًا للفتاة الموهوبة، وهو ما فرض حالة من السخرية والشكوك بشأن معايير الاختيار والتكريم في مصر، وتقديم أهل الحظوة والثقة على أهل الكفاءة.

الإستراتيجية ذاتها طبقتها الحكومة المصرية خلال السنوات السبعة الماضية على المستوى الاقتصادي، حيث قتل الإبداع ووأد أي محاولات عملية للخروج من المأزق والميل نحو الحلول السهلة عبر الاقتراض من الخارج وتطبيق سياسة الاستدانة دون حدود قصوى، وهي السياسة التي رفعت الدين الخارجي المصري ليصل إلى 145.529 مليار دولار بنهاية ديسمبر/كانون الأول 2021.

ونتاجًا لسياسة الاستسهال تلك ارتفع حجم الدين الخارجي لمصر خلال السنوات الستة الماضية فقط (2016 - 2022) بنسبة 150% لتستحوذ مصر وحدها على 34% من إجمالي ديون منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال عام 2019 حسب تقرير البنك الدولي، الأمر الذي لم تجد معه الحكومة بدًا إلا جيب المواطن لتعويض هذا العجز الكبير، حتى شكلت الضرائب المحصلة من الشعب نحو 78.5% من إجمالي إيرادات الدولة المصرية، في ظل افتقاد السياسات الاقتصادية الرامية إلى تعزيز مسارات الإنتاج وتنويع مصادر الدخل القومي.

وفي ضوء تلك المقدمات التي أغفلت عنصر الإبداع وتجاهلت معايير المنافسة الحقيقية في ظل غياب العدالة والهيمنة الكاملة على المشهد ارتفعت معدلات الفقر بصورة كبيرة، إذ تسير البلاد بخطوات متسارعة نحو هذا المستنقع، فبات أكثر من 30 مليون مصري تحت مستوى خط الفقر، ليرتفع المعدل من 16.7% عام 2000 إلى 29.7% عام 2021.

هوية ثقافية جديدة

حرصت الدولة المصرية منذ عقود على إنعاش عملاتها الورقية بمعالمها الأثرية الخالدة التي يعود أعمار بعضها إلى آلاف السنين، في مسعى لتوثيق الحضارة المصرية والتذكير بها للأجيال جيلًا بعد جيل، مستفيدة مما تمتلكه من آثار تمثل أكثر من ثلث أثار العالم بحسب بعض التقديرات.

وقد تضمنت كل الفئات النقدية المتداولة في السوق المصري حضارات ثنائية، إيمانًا بقيمتها وتخليدًا لها، فالوجه يعكس حضارة ما فيما يعكس الخلف حضارة أخرى تتنوع بين الفرعونية والطولونية والفاطمية والمملوكية والعثمانية والملكية والخديوية، بدءًا من فئة الـ25 قرشًا وحتى الـ200 جنيه.

ففئة 25 قرشًا تتضمن جامع السيدة عائشة ونسر صلاح الدين، أما فئة 50 قرشًا فتشمل الجامع الأزهر ورمسيس الثاني، بينما فئة الجنيه تحتوي على جامع السلطان قايتباي ومعبد أبو سمبل، وفئة الـ5 جنيهات، جامع ابن طولون وصورة "الإله حابي"، فيما رُسم جامع الرفاعي والملك خفرع على فئة الـ10 جنيهات (قبل تغييرها حاليًّا)، بينما استقر جامع محمد علي والعجلة الحربية على فئة الـ50 جنيهًا، وجامع أبو حريبة ومعبد حورس على فئة الـ100 جنيه، أما الفئة الكبرى في السوق حاليًّا وهي الـ200 جنيه فرسم عليها جامع قاني باي وتمثال الكاتب المصري.

في مقابل ذلك جاءت العملة البلاستيكية الجديدة لتضرب بهذا العرف التراثي التقليدي عرض الحائط، في تهديد واضح للهوية الثقافية المصرية التي يبدو أن هناك خطة ما لإعادة تشكيلها وفق سردية مغايرة نسبيًا، فتم إزالة مسجد الرفاعي، أحد معالم القاهرة الأثرية الخالدة، الذي أمرت ببنائه خوشيار هانم والدة الخديوي إسماعيل سنة 1286هـ/1869م، ليستبدل مكانه مسجد الفتاح العليم (نسبة إلى اسم الرئيس عبد الفتاح السيسي) الذي لم يتجاوز عمره 3 سنوات.

الطعن في ثوابت مصر الثقافية تحول إلى سياسة ممنهجة خلال السنوات الأخيرة التي شهدت طفرة هائلة في مجال الطرق والكباري على أنقاض المواقع الأثرية والمناطق التراثية، حيث أطاحت الدولة بتراثها الذي يمتد لآلاف السنين من أجل تدشين أحد أضلاع الجمهورية الجديدة التي ينشدها النظام الحاليّ دون أي اعتبار لمعايير التاريخ والأصالة والهوية، وكان من أبرز ضحايا تلك الإستراتيجية هدم جبانة المماليك ومن قبلها هدم وكالة العنبريين.

مثل تلك الممارسات أغضبت المصريين بصورة وثقتها تفاعلاتهم على منصات التواصل الاجتماعي، فاتهموا النظام الحاليّ بهدم الذاكرة المصرية واستحداث ذاكرة جديدة بمفاهيم عصرية تنسلخ من الماضي وتحاول تدشين مرحلة جديدة بما يحرم الأجيال القادمة من التعرف على تاريخهم المجيد وكأن هناك مخططًا لقطع التواصل بين الماضي والحاضر.

المجد الشخصي.. الدافع والهدف

لم يكن اختيار المسجد الذي سُمي نسبة إلى الرئيس المصري ليحل محل مسجد الرفاعي على الفئة النقدية الجديدة اختيارًا عشوائيًا، ولم يكن تسليط الضوء عليه دون غيره من المساجد التاريخية واحتكاره للأذان المبث على التليفزيون المصري بكل قنواته خطوة من بنات أفكار وزير الإعلام أو رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون، فالأمر برمته قراءة لطموحات السيسي الذي طالما ينسب لنفسه الفضل في هذه النهضة التي تشهدها البلاد من وجهة نظره.

القطار بسرعاته الحاليّة لا يُستبعد أن يصل إلى مرحلة وضع صورة السيسي شخصيًا على إحدى الفئات النقدية مستقبلًا إذا ما استمر في الحكم، كما يتوقع كذلك في ضوء مطالب البعض بأن يطلق اسم الرئيس على العاصمة الإدارية الجديدة (هناك قضية منظورة أمام القضاء بهذا الطلب) التي لم يستقر على اسمها حتى اليوم.

هذا السياق العام نحو "الجمهورية الجديدة" الذي تكلل بتفاصيل العملة البلاستيكية المطروحة مؤخرًا يسير في إطار مساعي السيسي لبناء مجد شخصي له من أجل أن يتباهى به في الداخل والخارج كما أشار الصحفي شريف أيمن، الذي اتهم الرئيس بأنه يحيا أوهام مصر الخديوية في إشارة إلى مشهد ركوبه يخت المحروسة في أثناء افتتاح قناة السويس الجديدة، هذا بجانب السادية الواضحة في الخطابات الأحادية التي لا تقبل النقد أو النقاش.

في المجمل، ربما يكون قرار طرح عملات بلاستيكية خطوة جيدة في ضوء المكاسب والفوائد المحققة من خلالها، لكن التفاصيل التي شهدتها لا سيما دلالات تغيير الهوية الثقافية المصرية لصالح حسابات شخصية، أفقد تلك الخطوة قيمتها وجعلها في مرمى الانتقاد والسخرية.