تخشى الجزائر أن تفتح تونس أبواب التطبيع مع الكيان الصهيوني

تخشى الجزائر أن تفتح تونس أبواب التطبيع مع الكيان الصهيوني

بعد أكثر من سنتين من الإغلاق قررت الجزائر أخيرًا إعادة فتح حدودها البرية مع جارتها الشرقية والسماح بتنقل المواطنين بين البلدين، ما يعني حدوث تطورات مهمة في العلاقة بين نظام قيس سعيد ونظام تبون، فهذا الأخير كان يستغل ورقة الحدود للضغط على تونس في مسائل عدة أهمها "التطبيع"، فالجزائر لا تريد أن تكون بين دولتين مطبعتين، فهل يعني فتح الحدود تلقي الجزائر الضمانات الكافية لعدم التطبيع التونسي؟

فتح الحدود

قرار فتح الحدود بين تونس والجزائر أعلنه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أمس الثلاثاء، على هامش لقائه بالرئيس التونسي قيس سعيد بمناسبة احتفال بلاده بالذكرى الـ60 للاستقلال عن المستعمر الفرنسي.

قال تبون لدى توديعه سعيد: "اتخذنا معًا قرار فتح الحدود ابتداءً من 15 يوليو/تموز"، مشيرًا إلى أن "الحدود لم تغلق، كانت مفتوحة لكن للبضائع"، وكانت تونس والجزائر قد قررتا في 16 مارس/آذار 2020 غلق الحدود البرية بينهما بسبب انتشار كوفيد-19، ورغم تحسن الوضع الصحي في البلدين لم يتم فتحها.

كان من المقرر أن يعاد فتح الحدود البرية بين البلدين في 20 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قبل أن يتقرر إرجاء فتحها في آخر لحظة، كما لم يناقش الأمر مجددًا إبان زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى تونس في منتصف ديسمبر/كانون الأول 2021.

يدرك سعيد ضرورة وقوف نظام تبون إلى جانبه في الوقت الحاليّ حتى يواصل حكمه بعد تنامي الغضب الشعبي ضده

يعتبر هذا القرار مهمًا جدًا لتونس، إذ تعول هذه الأخيرة كثيرًا على فتح الحدود، خاصة مع بداية موسم السياحة، ويعتبر الجزائريون طوق نجاة الموسم الصيفي، نظرًا لأهمية السوق الجزائرية التي ينتفع منها كل العاملين في القطاع السياحي.

ويبلغ عدد السياح الجزائريين الوافدين إلى تونس سنويًا أكثر من مليوني سائح، ومباشرة إثر قرار تبون قال ممثل ديوان السياحة التونسي في الجزائر فؤاد الواد، إنه يتوقع توافد عدد كبير من السياح الجزائريين إلى تونس شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب.

لهذا القرار فوائد أخرى أيضًا، إذ سيعيد النشاط للتجارة البينية بين البلدين وهو ما سيعود بالفائدة على آلاف التونسيين في المناطق الحدودية التي تصنف من بين الأضعف في سلم التنمية بالبلاد، فقد دفع غلق الحدود عددًا مهمًا من سكان الشريط الغربي نحو الهجرة غير النظامية هربًا من صعوبة العيش والبطالة.

من شأن هذا القرار كذلك أن يساهم ولو بجزء بسيط في تعافي الاقتصاد التونسي الذي يعاني من أزمات عديدة، ونتيجة هذه الأزمات قفز التضخم السنوي في تونس خلال يونيو/حزيران الماضي، عند قمة ثلاثة عقود، وبلغ التضخم السنوي في البلاد في يونيو/حزيران الماضي 8.1%.

ضمانات تونسية بعدم التطبيع

كانت السلطات الجزائرية تتذرع بالوضع الصحي ووباء كورونا لمواصلة غلق الحدود مع تونس، لكن تحسن الوضع الصحي في البلدين منذ قرابة السنة وتواصل غلق الحدود أكد وجود أسباب أخرى وراء هذا القرار، وأهمها مسألة التطبيع.

تعيب الجزائر على النظام التونسي السماح بتنامي موجة التطبيع مع الكيان الصهيوني في الجارة الشرقية، إذ عرفت هذه الأخيرة مؤخرًا موجة تطبيع غير مسبوقة، حيث استقبلت رحلات جوية مباشرة من تل أبيب وجلس وزير دفاعها إلى الطاولة نفسها مع وزير الدفاع الإسرائيلي.

سبق أن أقرت الصحف الإسرائيلية بوجود رغبة إسرائيلية في توسعة دائرة دول الجوار، وأكدت تلك الصحف وجود عداء واضح من الجزائر تجاه تل أبيب، ورفض جزائري لمثل هذه الخطوة، ويعارض نظام تبون تطبيع تونس مع الإسرائيليين، كون بلاده لا تريد أن يحاصرها كيان الاحتلال الصهيوني من الشرق أيضًا، بعد أن وضع قدمه في الحدود الغربية للبلاد بعد تطبيعه مع المغرب في ديسمبر/كانون الأول 2020.

وعملت الجزائر مؤخرًا، على الضغط على قيس سعيد حتى يعدل عن موقفه من التطبيع ويرجع إلى سالف عهده، فقبل توليه الرئاسة قال سعيد: "التطبيع خيانة عظمى.. ما يحدث في فلسطين هو مظلمة القرن.. الحق الفلسطيني لا يسقط بالتقادم ومن يكون له علاقة مع الكيان الصهيوني هو خائن''.

يبدو أن الجزائر حصلت على بعض الضمانات في هذا الخصوص من الجانب التونسي، وهو ما دفعها إلى فتح الحدود مجددًا، فغلق الحدود كان الهدف منه التضييق على نظام قيس سعيد والضغط عليه، خاصة أن سعيد يعيش عزلة كبيرة منذ انقلابه على دستور بلاده ومؤسسات الدولة الشرعية.

ويأتي انسياق قيس سعيد وراء موجة التطبيع بناءً على وعود إسرائيلية وعربية وغربية تسوق للتطبيع، إذ خيّل لسعيد وحاشيته أن التطبيع أو فتح الأبواب له كفيل بحصوله على الدعم الدبلوماسي والمالي الكافي لإنجاح خططه لفرض نظام حكم الفرد الواحد في تونس.

دائمًا ما يُكرر الرئيس التونسي إعجابه بالتجربة المصرية، خاصة بالجيش المصري وقدراته منذ حرب أكتوبر 1973

يدرك سعيد ضرورة وقوف نظام تبون إلى جانبه في الوقت الحاليّ حتى يواصل حكمه بعد تنامي الغضب الشعبي ضده، لذلك سارع إلى تقديم الضمانات والتطمينات الكفيلة بعدم إغضاب الجزائر على المدى القصير.

ويرفض النظام الجزائري موجة التطبيع العربي، وعمل في الفترة الأخيرة على قيادة تحركات في القارة الإفريقية للتضييق على الإسرائيليين في القارة السمراء، كما وقف أمام انضمام كيان الاحتلال إلى الاتحاد الإفريقي.

احتواء تونس وعدم تركها للحلف المصري الإماراتي

فضلًا عن مسألة الضمانات المتعلقة بالتطبيع، تسعى الجزائر من خلال قرار فتح الحدود المسك بزمام الأمور مرة أخرى واحتواء تونس ثانية وعدم تركها للحلف المصري الإماراتي، وسبق أن نبه النظام الجزائري في أوقات سابقة من تحول تونس إلى خلفية لتمدد هذا الحلف في المنطقة.

تتوجس الجزائر من التقارب والتنسيق الحاصلين بين النظام التونسي وكل من فرنسا ومصر والإمارات، ما جعلها تنسق أكثر مع تركيا وإيطاليا بخصوص ما يحدث في شمال إفريقيا، خاصة في ليبيا وتونس، ومعروف عن أنقرة وروما رفضهما للمحور المصري الفرنسي الإماراتي.

كدليل على ارتماء تونس في حضن هذا الحلف، استقبالها قبل نحو شهرين فتحي باشاغا الذي كلفه برلمان طبرق برئاسة الحكومة، واعتراضها على استقبال رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، وهو ما يناقض تصور الجزائر لما يحدث في ليبيا، ويُذكر أن الملف الليبي يشكل حجر الزاوية في الدائرة الأمنية الجزائرية.

شهدت الأشهر الأخيرة تقربًا كبيرًا من سعيد تجاه نظيره المصري، إذ يحرص الرئيس التونسي على الاتصال بالسيسي في كل مناسبة وإن كانت "بسيطة"، لتهنئة "شقيقه"، ويُعتبر هذا التقارب الذي يحدث بين البلدين في الفترة الأخيرة غير مسبوق منذ سقوط نظام زين العابدين بن علي في تونس.

ودائمًا ما يكرر الرئيس التونسي إعجابه بالتجربة المصرية، خاصة بالجيش المصري وقدراته منذ حرب أكتوبر 1973، وأكد سعيد عند زيارته مصر ولقائه السيسي في أبريل/نيسان 2021 أن "أمن مصر من أمن تونس"، وأنه يشارك موقف مصر في كل القضايا الإقليمية والدولية، وهو ما أدخله في أزمة مع الجزائر.

هذه المواقف تزعج الجزائر، لذلك يرى نظامها ضرورة أن تعود تونس إلى حلفها وتقاسمها الرؤى بخصوص تطورات الوضع في المنطقة، ما من شأنه أن يقوي موقفها مما يحدث، في ظل سعي الحلف المصري الإماراتي الفرنسي إلى فرض توجهه بالقوة في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء الإفريقية.