عمليات نهب وحرق في النيل الأزرق السوداني

عمليات نهب وحرق في النيل الأزرق السوداني

تعيش مناطق عدة في السودان توترات كبيرة، في ظل عدم قدرة سلطات الانقلاب السيطرة على الوضع في البلاد وتسبّبهم في تأجيج الاختلافات في هذا البلد العربي، ما زاد من مخاوف السودانيين من إمكانية انفجار الوضع في بلادهم أكثر، خاصة أن العديد من تلك الاحتكاكات مبنية على اختلافات عرقية.

اشتباكات عنيفة

يوم 11 يوليو/تموز الحاليّ، اندلعت اشتباكات بين عناصر من قبيلة "الهوسا" وقبائل "الفونج" بولاية النيل الأسود جنوب شرق السودان، وكانت الشرارة الأولى لهذه الاشتباكات نشوب خلاف بشأن أرض زراعية أقدم فيها رجل من قبيلة "الهوسا" على قتل آخر من قبائل "الفونج" في منطقة أداسي التابعة لمحلية قيسان.

ولا تُعتبر هذه الاشتباكات الأولى من نوعها، إذ سبق أن شهدت المنطقة نزاعات بين القبيلتين راح ضحيتها الآلاف على غرار ما حصل سنة 2011، وتتعدد أسباب الاشتباكات بين الطرفين، لكن السبب الأبرز هو مطالبة قبيلة الهوسا بإنشاء إمارة خاصة بهم في ولاية النيل الأزرق على الحدود مع إثيوبيا، وهو ما ترفضه البرتي صاحبة السيطرة التاريخية على المنطقة.

ويقول قياديو من قبائل الهوسا إنهم طلبوا بأن تكون لهم إدارة أهلية للإشراف على الوصول إلى الأراضي والمياه، لكن قبيلة الفونج رفضت ذلك واستفزتهم، وتؤكد الفونج بأنها تملك الأراضي وترفض عبور أي سكان لا ينتمون إلى القبيلة أو أي إشراف خارجي.

تعتبر "الإدارة الأهلية" نظامًا قبليًا معترفًا به في الإدارة المدنية، وبموجبه تتولى هذه الإدارة التي تتضمن العمدة والناظر والشيوخ، شؤون القبيلة، ومن يمسك الإدارة الأهلية يتمكن من امتلاك مزيد من النفوذ داخل الولاية.

يعود سبب رفض الفونج منح الهوسا الإدارة الأهلية إلى كون هذه الأخيرة تعطى لصاحب الأرض وباعتبار أن هذه الأرض أرضهم وفق قولهم، فلا يوجد داعي إذًا لمنح الهوسا الإدارة الأهلية، وهو ما أدى إلى اندلاع اشتباكات دامية بينهما.

والفونج هم جماعة عرقية في السودان وعنصر أصيل وقديم في ولاية النيل الأزرق، وسبق أن حكمت المنطقة وأسست سلطنة الفونج أوديار الشلك على النيل الأبيض، وقد ساهموا في نشر الإسلام في شرق إفريقيا، ويرجع أصلها وفق العديد من الباحثين إما إلى بلاد الحبشة وإما بلاد البرنو.

أما قبلية الهوسا، فيعدّ الموطن الأصلي لها في نيجيريا غرب إفريقيا، وتوزعت سلالتها في عدد من الدول، بينها السودان الذي يبلغ عدد أفراد الهوسا فيه نحو ثلاثة ملايين وهم مسلمون يتحدثون لغة خاصة بهم ويعيشون بشكل رئيسي من الزراعة في دارفور، الإقليم المتاخم لتشاد، وكذلك في كسلا والقضارف وسنار والنيل الأزرق على الحدود مع إثيوبيا وإريتريا.

قتلى وجرحى ونازحون

حصيلة هذه الاشتباكات كانت كبيرة جدًا، ففي آخر بيان لوزارة الصحة السودانية قالت إن حصيلة أحداث العنف القبلي في ولاية النيل الأزرق ارتفعت إلى 79 قتيلًا بينهم 8 حالات داخل المستشفيات و71 خارجها، فيما بلغ إجمالي الإصابات 199 بينها 10 حالات تم تحويلها خارج ولاية النيل الأزرق.

إلى جانب ذلك، دفعت الاشتباكات المتواصلة في المنطقة مجموعة كبيرة من السكان إلى النزوح، قدّرت أعدادهم بنحو 18 ألف نازح، كما فقدت الكثير من الأسر التي تعيش في العراء مواشيها ومخزونها الغذائي، وهو ما جعلهم في حالة عوز.

فضلًا عن ذلك، عرفت العديد من المناطق أعمال عنف وشغب، إذ تم إحراق عدد من البيوت في مدينة الروصيرص بولاية النيل الأزرق، وعرفت المدينة عمليات نهب في سوقها المركزي وبعض أحيائها وفق تقارير إعلامية.

نتيجة تدهور الوضع الصحي في المنطقة، أرسلت وزارة الصحة طائرة إسناد طبي ضمت فريقًا يتكون من 11 اختصاصيًا، وأجهزة ومعينات و5 أطنان من الأدوية، كما دعت الوزارة إلى ضرورة الإسراع بتقديم العون الإنساني للمتضررين من الأحداث التي شهدتها النيل الأزرق وإجلاء الحالات الحرجة لولاية الخرطوم لعلاجها.

كما تم فرض حظر التجوال في مدينتي الدمازين والروصيرص بولاية النيل الأزرق، وانتشرت قوات الأمن في مناطق عدة من الولاية، وأكد حاكم إقليم النيل الأزرق أحمد العمدة بادي أن أجهزة الدولة ستفرض النظام والقانون ولن تسمح لخطابات الكراهية أن تمزق النسيج الاجتماعي، باعتبار أنها أحد أسباب الأزمة الحاليّة.

إلى جانب ذلك، قرر مجلس الأمن والدفاع برئاسة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، تعزيز القوات الأمنية بولاية النيل الأزرق والتعامل الحازم والفوري مع حالات الانفلات والاعتداءات على الأفراد والممتلكات، فضلًا عن تشكيل لجنة للتحقيق والتحري في هذه الأحداث.

مخاوف من انفلات الوضع

اندلعت الاشتباكات في إقليم النيل الأزرق في البداية، لكن سرعان ما امتدت إلى مناطق أخرى من ذلك ولاية كسلا شرقي البلاد، وعرفت الولاية سقوط العديد من القتلى والجرحى، إلى جانب حرق مقرات حكومية وأسواق تجارية.

جاء ذلك عقب إقدام محتجين من قبيلة "الهوسا" على إغلاق الجسر الرئيسي على نهر "القاش" باستعمال المتاريس والعصي رفضًا لأحداث الاقتتال العرقي التي حصلت في ولاية النيل الأزرق والمطالبة بمحاسبة كل المتورطين في أعمال العنف التي يقولون إنها استهدفتهم في النيل الأزرق.

نفس الشيء حصل في مدينة واد مدني - عاصمة ولاية الجزيرة على بعد 180 كيلومترًا جنوب الخرطوم - إذ أقدم محتجون من الهوسا على إغلاق طريق وجسر واشتبكوا أيضًا مع محتجين آخرين، ما تسبب في العديد من الإصابات الخفيفة بين الطرفين.

يخشى الأهالي في النيل الأزرق من انفلات الوضع وتكرر الأحداث التي شهدتها الولاية سنة 2011، حين سقط حينها آلاف القتلى والجرحى نتيجة صراع بين الجيش السوداني وقوات الحركة الشعبية لتحرير السودان.

كما سبق أن شهدت المنطقة نزاعات مسلحة وتاريخ طويل من القتال بين سنوات 1983 و2005، تضرر بسببها نحو مليون شخص بين قتيل وجريح ونازح، الأمر الذي يشرعن مخاوف سكان الإقليم من تطور الاشتباكات وخروجها عن السيطرة.

وتتهم أطراف سودانية، على غرار الحركة الشعبية-شمال، وهي الحزب الحاكم في ولاية النيل الأزرق، حركة مسلحة غير موقعة على السلام ومتحالفة مع قيادات سياسية في الداخل بتأجيج الوضع في أحداث النيل الأزرق وإدخال الطابع المسلح في الخلافات القبلية.

يذكر أنه في هذه الاشتباكات تم ملاحظة امتلاك الهوسا لعتاد عسكري ثقيل من الممكن أن يؤدي لانفجار الوضع في أي وقت وحدوث مجازر مرة أخرى كما حدث سابقًا في مناطق عدة على غرار دارفور وجنوب كردفان.

تزداد المخاوف إذا علمنا أن هذه الاشتباكات جاءت بالتزامن مع نزاع قبلي آخر في إقليم دارفور، غربيّ البلاد، ففي ولاية غرب دارفور سقط عشرات القتلى نتيجة نزاع قبلي بمنطقة كلبس، فيما نزح أكثر من 50 ألف شخص.

تُعد النزاعات القبلية في السودان واحدة من النزاعات التي لا تتوقف منذ سنوات، ما جعل العديد من الأهالي يتهمون من في السلطة وحلفاءهم من الجماعات المسلحة بتأجيج هذه الصراعات خدمة لمصالحهم، عملًا بمبدأ "فرّق تسد"، للحصول على مكاسب سياسية.