سعيد يدلي بصوته في الاستفتاء

سعيد يدلي بصوته في الاستفتاء

تعيش تونس اليوم الإثنين حدثًا فارقًا في تاريخ البلاد، إذ تشهد استفتاءً على دستور تم إعداده لأول مرة عن طريق شخص واحد، وهو شخص الرئيس، فدستور سنة 2014 أعده المجلس التأسيسي على خطى دستور سنة 1959، أما دستور سنة 1861 الذي يعد أول دستور عربي حديث، فقد صاغته مجموعة من المصلحين الوطنيين.

طريقة صياغة هذا الدستور، تؤكد النوايا المبيتة لرئيس تونس الذي "نكث" العهد وارتد على قسم أداه بالحفاظ على دستور الثورة، وما الاستفتاء الذي يجري اليوم إلا خطوة أخيرة نحو فرض نظام حكم الأمر الواقع القائم على الديكتاتورية والاستبداد.

أطول يوم اقتراع

بدأت عملية الاقتراع اليوم مبكرًا على غير العادة، إذ فُتحت مراكز ومكاتب الاقتراع في الساعة السادسة صباحًا بتوقيت تونس، على أن يتم الانتهاء من التصويت عند العاشرة مساءً (من 5 صباحًا وحتى 9 مساءً بتوقيت غرينتش) وهو أطول يوم انتخابي تشهده تونس.

تقول هيئة الانتخابات التي عينها قيس سعيد إنه تم تسجيل نحو 9 ملايين و278 ألفًا و541 ناخبًا تونسيًا بشكل آلي أو تلقائي للمشاركة في الاستفتاء وتم تخصيص أكثر من 11 ألف مركز اقتراع لهذا الحدث، وكان الناخبون التونسيون بالخارج البالغ عددهم 356 ألفًا و291 قد بدأوا في الإدلاء بأصواتهم السبت ولديهم حتى الإثنين للاقتراع.

بدأت أول عملية اقتراع في المهجر يوم 22 يوليو/تموز في سيدني بأستراليا في الساعة 11 ليلًا بتوقيت تونس، وسيكون مكتب سان فرانسيسكو الأمريكية آخر مكتب يُغلق وذلك في الساعة الثانية من فجر الثلاثاء 26 يوليو/تموز بالتوقيت المحلي لتونس.

الغريب في هذا الاستفتاء أنه ليس هناك حاجة إلى حد أدنى من المشاركة لإقرار الدستور الجديد، وتقول القواعد التي وضعها سعيد إن الدستور سيدخل حيز التنفيذ بمجرد نشر النتائج النهائية ولا تذكر ما سيحدث إذا رفضه الناخبون.

يأتي هذا الاستفتاء، بعد سنة من ذكرى انقلاب قيس سعيد على دستور البلاد ومؤسسات الدولة الشرعية، إذ أقدم سعيد في مثل هذا الموعد من السنة الماضية على تجميد عمل البرلمان وبعدها حله وأقال الحكومة وبدأ الحكم بمراسيم.

طريق معبّدة

من المتوقع أن تشهد تونس اليوم نسبًا ضعيفةً للاقتراع، في ظل حملة المقاطعة الكبيرة لهذا الاستفتاء، ويرفض العديد من التونسيين المشاركة في عملية التصويت وإن كان بـ"لا" لأن المشاركة تعتبر اعترافًا ضمنيًا بهذا الدستور والمسار الذي صيغ خلاله، فالتصويت وفق هؤلاء يمنح سعيد شرعيةً لا يستحقها، لذلك فالمقاطعة أولى بالنسبة لهم.

لكن الرئيس قيس سعيد لا يُعير الأمر أي اهتمام، إذ لم يشترط أي نسبة تصويت لتمرير الدستور، يعني ذلك أنه حتى إن صوت هو فقط فإن الدستور سيمر لا محال، وما الاستفتاء إلا محاولة لتبييض صورته أمام المجتمع الدولي وتأكيد أن الدستور مستمد من الشعب.

ليس هناك دليل على هذا أبرز من الاستشارة الإلكترونية التي نظمها سعيد طيلة 3 أشهر، ومع ذلك كانت نسبة المشاركة فيها ضعيفة جدًا، وكانت الإجابة فيها مجهزة من قبل والخطوات التي تليها معتمدة دون انتظار ما ستؤول إليه.

يعني هذا أنه ليس هناك أهمية كبرى للنتائج التي سيتم إعلانها غدًا الثلاثاء، وقد استبق سعيد الأمر بتعيين هيئة انتخابات وفق مقاسمه، تأتمر بأمره ولا سلطة لأحد عليها إلا سلطته، فهو الماسك بزمام الأمور في البلاد كلها "ظاهريًا".

وكدليل على وجود تزوير، النسبة العالية للناخبين المعلن عنها حتى الآن، فهيئة الانتخابات قالت إن نسبة التصويت خلال الساعات الثلاثة الأولى فاقت 6% رغم أن مكاتب الاقتراع شبه خاوية، على عكس انتخابات سنة 2019 التي بلغت فيها نسبة التصويت في الساعات الثلاثة الأولى نحو 2% فقط.

ماذا بعد إقرار الدستور؟

السؤال المطروح الآن: ماذا بعد إقرار الدستور الجديد؟ الرئيس التونسي قيس سعيد وأنصاره يقولون إن الدستور الجديد سيقطع مع الماضي الأليم ومع الإرهاب والفوضى وكل المظاهر السلبية التي عرفتها ما توصف عندهم بالعشرية السوداء.

يقولون أيضًا إن الدستور الجديد سيؤسس لجمهورية ثالثة قوامها العدل والقانون والمؤسسات، فيها سيسترد الشعب سلطته وحكمه وخلالها ستتقدم البلاد وتعرف انتعاشه اقتصادية كبرى تنسي الشعب خيبات الماضي.

هذا قولهم، لكن المتأمل جليًا في دستور سعيد، يرى أنه لا يحكي عن الاقتصاد ولا عن كيفية تطوير البلاد وبنائها من جديد، وإنما يحكي فقط عن الصلاحيات الواسعة لرئيس الجمهورية مقابل تقييد باقي المؤسسات الأخرى وجعلها صورية لا دور لها.

هذا الدستور سيعيد تونس إلى ما قبل ثورة يناير/كانون الثاني 2011، أي إلى حكم الفرد المطلق، فالدستور الجديد يمنح الرئيس صلاحيات كبرى تشابه تلك التي كان يتمتع به بن علي وبورقيبة وجميعنا يعرف ما آلت إليه الأوضاع في تونس نتيجة هذه الصلاحيات.

ينص الدستور الجديد أن الرئيس صاحب الكلمة الأولى في الدولة، فهو من يضبط السياسة العامة للدولة ويحدد اختياراتها الأساسية، ولمشاريعه القانونية "أولوية النظر" من نواب البرلمان، وهو أيضًا من يعين الحكومة دون النظر إلى نتائج الانتخابات التشريعية وليست بحاجة لأن تحصل على ثقة البرلمان لتزاول مهامها وله أن يقيلها متى شاء دون أن يكون للبرلمان دور في ذلك.

يتمتع الرئيس وفق الدستور الجديد بالحصانة الكاملة، إذ لم يتضمن الدستور بنودًا لإقالة الرئيس، خلافًا لما جاء في دستور عام 2014، وفي المقابل يمنحه حق حل البرلمان والمجلس الوطني للجهات، ليس هذا فحسب فالرئيس يتدخل في القضاء أيضًا فهو من يعين القضاة إثر تقديم ترشحاتهم من جانب المجلس الأعلى للقضاء.

بعد المصادقة على هذا الدستور لن تكون في تونس هيئات دستورية تتفاخر بها، إذ ألغى قيس سعيد، في مشروع دستوره، هيئات دستورية أربعة، مبقيًا على هيئة الانتخابات فقط، وأصبحت معه المحكمة الدستورية معينة بدل أن تكون منتخبة.

حتى المحكمة الدستورية ستكون تحت إمرة قيس سعيد، حيث ألغى هذا الأخير آلية انتخاب المحكمة من السلطة التشريعية، وضمانات حيادها واستقلاليتها، وتركيبتها المنفتحة على المحامين والجامعيين من خارج مهنة القضاء، ليعوضها بهيئة معينة آليًا بحسب الوظائف من القضاة المباشرين في المحاكم بحسب أقدميتهم في الخدمة.

نتيجة هذا الاستفتاء ستزيد عزلة تونس، وسيتضرر اقتصادها أكثر، وستعرف البلاد أزمات اجتماعية حادة لا أحد يعرف مآلاتها، خاصة أن فئات كثيرة من الشعب لم تعد تجد قوت يومها في ظل غلاء الأسعار المتواصل وارتفاع نسب البطالة.

دولة الشخص الواحد

تهميش البرلمان وإحداث برلمان موازٍ له تحت اسم مجلس الجهات والأقاليم، والتحكم في الحكومة وسياسة الدولة والتدخل في عمل القضاء وإلغاء الهيئات الدستورية، كل ذلك يعني أن تونس مقبلة على نظام الشخص الواحد.

هذا الأمر لم يكن خافيًا على أحد، فمنذ تقلده كرسي الرئاسة في أكتوبر/تشرين الأول 2019، ظهر جليًا سعي سعيد إلى التحكم في مسار الحكم في البلاد رغم الصلاحيات المحدودة التي يمنحها دستور سنة 2014 للرئيس وهو ما أدخل البلاد في مشاكل حكم وأثر على الاقتصاد.

يعيش سعيد حالة نرجسية واضحة، لذلك عليه أن ينزل مشروعه الذي حلم به وأن يحكم وحده دون أن يشاركه أحد في ذلك، حتى يحقق ما عجز عنه الآخرون، لكن نتائج قرابة الثلاث سنوات من الحكم تؤكد أن سعيد ماضٍ بتونس إلى طريق مجهول.