مع استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا وتداعياتها الكبيرة على العالم كله، ظهرت جبهة أخرى للتصعيد بين روسيا والولايات المتحدة في أفريقيا، ففي الأسبوع الماضي أعلنت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية عن جولة لمديرتها، سامانثا باور، في منطقة القرن الأفريقي، موضحةً أنها ستخصّص تمويلًا قدره 1.2 مليار دولار لمواجهة أزمة الجفاف والجوع في المنطقة، وبالتحديد في إثيوبيا والصومال وكينيا.

بعد أيام فقط من إعلان المساعدة الأمريكية السخيّة للقرن الأفريقي، بدأ وزير الخارجية، سيرغي لافروف، الأحد، جولةً في الدول الأفريقية تستغرق 5 أيام، يقوم خلالها بزيارات عمل إلى كل من مصر وإثيوبيا وأوغندا وجمهورية الكونغو، يناقش فيها "الأجندة الدولية والإقليمية والتعاون الثنائي".

نُذكّر أيضًا بأن الرئيس الأمريكي جو بايدن أعلن في بيان الأسبوع الماضي، أنه يتطلّع إلى استضافة قادة من جميع أنحاء القارة الأفريقية في العاصمة واشنطن في الفترة بين يومَي 13 و15 ديسمبر/ كانون الأول لحضور قمة قادة الولايات المتحدة وأفريقيا، وأوضح البيان أن القمة ستُظهر التزام الولايات المتحدة الدائم تجاه أفريقيا، وكذلك ستؤكّد على أهمية العلاقات بين الولايات المتحدة وأفريقيا، وأيضًا زيادة التعاون بشأن الأولويات العالمية المشتركة.

كذلك، يقوم المبعوث الأمريكي الجديد إلى القرن الأفريقي، مايك هامر، هذه الأيام بجولة إلى مصر والإمارات وإثيوبيا لـ"دعم مساعي الحل الدبلوماسي لقضية سد النهضة"، إلى جانب الاطّلاع على الجهود المبذولة لدفع محادثات السلام بين الحكومة الإثيوبية وسلطات إقليم تيغراي.

الاستراتيجية الأمريكية في أفريقيا

احتلت القارة الأفريقية مرتبة متأخرة في أولويات إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، فلم تُبدِ هذه الإدارة اهتمامًا بالقارة الأفريقية، ولم يَقُم الرئيس بأي زيارة إلى دولة أفريقية طيلة فترة ولايته، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، عندما استخدم عدة مرات ألفاظًا عنصرية بحقّ الأفارقة.

كما أن إدارته اتّبعت بالفعل سياسة "أمريكا أولًا"، الشعار الذي رفعه ترامب، حيث أصدرت عدة قرارات أفضت إلى فكّ الارتباط بين التزامات واشنطن والقارة السمراء، ومن ذلك على سبيل المثال إصدار إدارته خطة لتقليص عدد القوات الأمريكية التي تقوم بمهام مكافحة الإرهاب في أفريقيا بنسبة 25%، إلى جانب سحب كبير من القوات الأمريكية من الصومال في يناير/ كانون الثاني 2021.

معظم الأمريكيين من أصل أفريقي يؤيّدون الحزب الديمقراطي في الانتخابات الأمريكية

ورغم أن المخاوف الأمريكية بشأن النفوذ المتنامي للصين في أفريقيا كانت متعاظمة في عهد ترامب، إلا أن إدارته انتهجت سياسة التجاهل التي أتاحت الفرصة للصين للمزيد من توسيع نفوذها في أفريقيا على حساب النفوذ الأمريكي، حيث استطاعت بكين ملء الفراغ بتكثيف دبلوماسيتها وتنويع استثماراتها وتعزيز مكانتها كشريك تجاري أول للدول الأفريقية.

ورغم التفاؤل الذي ساد الأفارقة في إمكانية حدوث تغيُّرات جوهرية في السياسة الأمريكية تجاه أفريقيا عقب تسلُّم الرئيس جو بايدن مقاليد السلطة، إلا أن المخرجات ما زالت ضعيفة حتى الآن رغم مُضيّ عام ونصف على تسلُّمه للسلطة، حيث غرقت إدارته في عدة ملفات داخلية وخارجية منها جائحة كورونا والركود الاقتصادي وملف الإجهاض، إلى جانب الحرب الروسية على أوكرانيا والحرب الباردة مع الصين.

مبعث الأمل والتفاؤل كان بسبب الاعتقاد السائد بأن الرؤساء المنتمين إلى الحزب الديمقراطي هم الأكثر استجابة للتطلعات والمصالح الأفريقية من الرؤساء المنتمين إلى الحزب الجمهوري، خاصة أن معظم الأمريكيين من أصل أفريقي يؤيدون الحزب الديمقراطي في الانتخابات الأمريكية، وهو ما برز خلال انتخابات عام 2016 حيث صوّت 4% فقط من الأمريكيين الأفارقة لصالح ترامب، في حين صوّت 96% لصالح المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون.

جانب آخر من هذا التفاؤل يعود إلى الاعتقاد بأن إدارة بايدن تدرك أهمية أن تكون شريكًا قويًّا وموثوقًا به لدى الأفارقة في ظل التنافس الدولي على النفوذ في القارة السمراء، وذلك يتطلب قدرًا أكبر من الاهتمام بتعزيز العلاقات الدبلوماسية وإعادة تقديم المساعدات الإنمائية للدول الأفريقية.

كما أن التطورات التي تشهدها الساحة العالمية والأفريقية تفرض قضايا جديدة يفترض أن تنال اهتمامًا لأجندة بايدن تجاه أفريقيا، مثل ملفات التغير المناخي ومكافحة جائحة كوفيد-19 وريادة الأعمال في أفريقيا، بالإضافة إلى مكافحة الإرهاب والتعامل مع خطر الصراعات ودعم الديمقراطية.

إلا أن النتائج التي تحققت حتى الآن كانت ضعيفة، حيث أعادت الولايات المتحدة بالفعل قواتها إلى الصومال، إذ سمح الرئيس بايدن لحوالي 500 عنصر من قوات العمليات الخاصة الأمريكية بإعادة الانتشار في الصومال، وتناقض هذه الخطوة ما قامت به إدارة ترامب في ديسمبر/ كانون الأول 2020، حين سحبت القوات المتمركزة في البلاد والبالغ عددها 700 عنصر.

مارست إدارة بايدن ضغوطًا دبلوماسية تجاه الحكومتَين الإثيوبية والإريترية لحملهما على وقف حملتهما العسكرية على إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا، وضغطت لفرض حل دبلوماسي للصراع، لكنّ النتائج ما زالت متواضعة حتى الآن رغم أن علاقة إثيوبيا التاريخية بالولايات المتحدة قد توتّرت جرّاء الضغوط الدبلوماسية والعقوبات التي فرضتها واشنطن على أديس أبابا.

استقبل الرئيس بايدن العام الماضي في واشنطن نظيره الكيني أوهورو كينياتا، أول رئيس دولة أفريقية تُوجَّه إليه دعوة لزيارة البيت الأبيض في عهد جو بايدن، وكما أشرنا سابقًا، أعلن جو بايدن أنه سوف يستضيف زعماء أفارقة في قمة بواشنطن منتصف ديسمبر/كانون الأول المقبل.

إذًا، يمكن أن نُلخّص الاستراتيجية الأمريكية للقارة السمراء في أنها تقوم على تقديم المساعدات الإنسانية والتنموية بشكل أساسي، حيث أعلنت مديرة الوكالة الأمريكية للتنمية، سامانثا باور، خلال جولتها الحاليّة عن تقديم مساعدات بقيمة 470 مليون دولار لمواجهة الجوع الشديد في الصومال الذي نجم عن الجفاف.

 

 

كما خصّصت الوكالة الأمريكية 255 مليون دولار أخرى لمواجهة الجفاف الشديد في كينيا، والهدف الأبرز لهذه المساعدات الإنسانية والتنموية وتقديم اللقاحات، هو سعي واشنطن إلى بناء صورة ذهنية إيجابية لدى المواطن الأفريقي.

كذلك تحاول الولايات المتحدة استضافة القادة الأفارقة على حدة أو بشكل جماعي، كما في القمة المزمع انعقادها في ديسمبر/ كانون الأول القادم، حيث هدف هذه اللقاءات هو بناء علاقات دبلوماسية مع القادة الأفارقة، مع حثّهم على تقديم بعض التنازلات التي تتعلق بملف حقوق الإنسان لصالح الأحزاب السياسية المعارضة، دون تهديد لسلطة الأنظمة الديكتاتورية في القارة السمراء.

روسيا تحصد ثمار استراتيجيتها في دعم الديكتاتوريين 

استثمرت موسكو بقوة في دعم القادة والأنظمة الديكتاتورية في أفريقيا، حيث إنها تدعم بلا أدنى تحفُّظ تلك الأنظمة، كما فعلت بتدخلها الوحشي لقمع الثورة السورية ضد بشار الأسد.

حصدت روسيا ثمار دعمها للقادة الديكتاتوريين، فقد سلّط تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الضوء على موقف الدول الأفريقية من الغزو الروسي لأوكرانيا، عندما قُدِّم مشروع قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة في مارس/ آذار الماضي يهدف إلى إدانة الغزو الروسي، فأحجمت نصف الدول الأفريقية تقريبًا عن التصويت لصالح قرار إدانة الغزو الروسي، إذ صوّت لصالح مشروع القرار 28 دولة أفريقية، وامتنعت وتغيّبت 24 دولة أفريقية أخرى، وصوّتت دولة واحدة -إريتريا- ضد ذلك القرار إلى جانب روسيا وبيلاروسيا وسوريا وكوريا الشمالية.

فوجئت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بإحجام نصف دول أفريقيا عن إدانة الحرب الروسية ضد أوكرانيا، واعتبرا ذلك مؤشرًا مقلقًا على تنامي التأثير الروسي، خاصة في شقّه العسكري عبر الوحدات القتالية العسكرية "فاغنر"، بالإضافة إلى التأثير الصيني، ومن ضمن المؤسسات التي أعربت عن قلق كبير وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون).

قال الجنرال ستيفن تاونسند، قائد القوات الأمريكية الأفريقية (أفريكوم): "لقد كان مزعجًا بالنسبة إليّ أن نصف القارة الأفريقية لم يصوّت لإدانة الكرملين لغزو أوكرانيا في تصويت الأمم المتحدة يوم 2 مارس/ آذار".

وينسب هذا الجنرال امتناع بعض الدول الأفريقية أو تغيُّبها عن التصويت -خاصة الدول وسط القارة مثل مالي وأفريقيا الوسطى- إلى التأثير المزدوج الذي تمارسه روسيا عبر ميليشيات فاغنر التي تؤيد الأنظمة الديكتاتورية في القارة، علاوة على التاثير الاقتصادي عبر رجال أعمال روس.

كانت مجلة "لوبوان" الفرنسية قد أوردت، سابقًا، أن امتناع وتغيُّب 24 دولة أفريقية عن إدانة روسيا في الجمعية العامة يعدّان منعطفًا حقيقيًّا في القارة السمراء، كما يعني الكثير بالنسبة إلى فقدان النفوذ الغربي رغم أن الاتحاد الأوروبي يبقى هو الشريك الاقتصادي والتجاري الأول للقارة، بما قيمته 225 مليار يورو سنويًّا مقابل 20 مليار يورو فقط لروسيا.

ولكن من جهة أخرى، يمكن فهم التأثير الروسي على كثير من الدول الأفريقية، ذلك أن هذه الدول تعتمد بنسبة 30% من واردات السلاح على روسيا، خاصة أن الأخيرة تقدم أسلحة متطورة بتكلفة زهيدة، وهي السياسة التي تنجح فيها موسكو حاليًّا كجزء من استراتيجيها تجاه القارة السمراء.

لافروف يسعى لحشد التأييد لبلاده

رغم أن أفريقيا ليست على قمة اهتمامات روسيا، فإن وزير خارجية الأخيرة، لافروف، زار خلال العام الحالي كلًّا من الجزائر وعُمان والبحرين والسعودية، كما استضاف العديد من نظرائه الأفارقة والعرب في موسكو.

لذلك، إن جولته الحالية في أفريقيا التي ابتدرها من القاهرة تهدف إلى احتفاظ موسكو بأصدقائها، ومن بينهم مصر، فرغم أنها تتلقى مساعدات كبيرة من الولايات المتحدة، إلا أن العلاقات بين موسكو والقاهرة نمت كثيرًا بعد استيلاء الرئيس السيسي على السلطة عام 2013.

تحاول الدبلوماسية الروسية الحفاظ على العلاقات مع الحلفاء الأفارقة من خلال جولة لافروف في الكونغو وأوغندا وإثيوبيا، إلى جانب محاولتها ضمّ دول أخرى إلى ركب التنديد بالعقوبات الغربية على موسكو بسبب غزوها لأوكرانيا

تعتمد مصر على روسيا في واردات القمح وكذلك السلاح، فالنظام المصري غير راضٍ تمامًا عن الولايات المتحدة بسبب الضغوط التي يثيرها مسؤولون أمريكيون أحيانًا بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، إلى جانب أن مصر أصبحت أحد أهم أسواق السلاح الروسي، فقد كانت القاهرة أول عميل في الشرق الأوسط لطائرة سوخوي-35، وثاني عميل في العالم بعد الصين في صفقة تبلغ قيمتها 2 مليار دولار، رغم أنه ليس من المعروف إذا كان قد تمَّ تسليم هذه المقاتلة إلى مصر أم لا.

هذا إلى جانب المصالح الأخرى، فعندما توقف السياح الروس عن المجيء إلى مصر بعد سقوط طائرة ركّاب فوق سيناء عام 2015، أضرَّ ذلك بالاقتصاد المصري حقًّا، ولا ننسَ أيضًا ملف محطة الضبعة للطاقة النووية رغم الشائعات التي تدور حوله.

وعلى الصعيد ذاته، تحاول الدبلوماسية الروسية الحفاظ على العلاقات مع الحلفاء الأفارقة من خلال جولة لافروف في الكونغو وأوغندا وإثيوبيا، إلى جانب محاولتها ضمّ دول أخرى إلى ركب التنديد بالعقوبات الغربية على موسكو بسبب غزوها لأوكرانيا. 

فاللافت أن أنظمة هذه الدول الأربع التي تشملها جولة لافروف تواجه انتقادات داخلية وخارجية فيما يتعلق بملف حقوق الإنسان، إذ يُعرف عنها عدم تسامحها على الإطلاق مع المعارضين، لذلك يبدو أنها قد وجدت ضالتها في الدب الروسي.

تشريع أمريكي للتضييق على روسيا في القارة السمراء 

لكنّ الولايات المتحدة تحرّكت مؤخرًا للتضييق على روسيا وحلفائها في القارة الأفريقية، إذ مرّر مجلس النواب الأمريكي مؤخرًا مشروع "قانون مكافحة الأنشطة الروسية الخبيثة في إفريقيا" بأغلبية كبيرة من الحزبَين، 419 مقابل 9، ومن المؤكد أن مجلس الشيوخ سيوافق عليه ليصبح قانونًا قريبًا.

يوجِّه القانون وزير خارجية الولايات المتحدة "لتطوير وتقديم استراتيجية وخطة تنفيذ إلى الكونغرس تحدد جهود الولايات المتحدة لمواجهة التأثير الخبيث وأنشطة الاتحاد الروسي ووكلائه في إفريقيا".

يعرّف مشروع القانون على نطاق واسع مثل هذه "الأنشطة الخبيثة" بتلك التي "تقوض أهداف ومصالح الولايات المتحدة"، وبموجب القانون سيتعيّن على وزير الخارجية مراقبة تصرفات الحكومة الروسية و"وكلائها"، بما في ذلك الشركات العسكرية الخاصة (من الواضح أن فاغنر هي المستهدفة).

يلزم القانون الحكومة الأمريكية بمواجهة مثل هذه الأنشطة بشكل فعّال، بما في ذلك من خلال برامج المساعدات الخارجية الأمريكية، حيث يتعيّن عليها محاسبة الاتحاد الروسي والحكومات الأفريقية و"مسؤوليها المتواطئين في مساعدة مثل هذا التأثير والأنشطة الخبيثة".

ما بين جولة مديرة الوكالة الأمريكية للتنمية، سامانثا باور، في أفريقيا، والتي قدّمت خلالها دعمًا إنسانيًّا مقدَّرًا للمتضررين من الجفاف، وبين جولة وزير الخارجية الروسي الذي يسعى لحشد المزيد من الأصدقاء الديكاتوريين، إلى جانب القمة الأمريكية الأفريقية المرتقبة، فإن معظم القارة السمراء ما زالت تفتقر إلى الحكم الرشيد والديمقراطية وإيقاف الصراعات الداخلية.

أما في شأن العلاقات الخارجية مع الغرب والشرق، فإن الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، لخّص المسألة عندما تعهّد بانتهاج سياسة خارجية محايدة لا تتدخل في المنافسات العالمية، وقال: "سنكون أصدقاء لأي دولة مستعدة لاحترام سيادة بلدنا ووحدة أراضينا".